«شبق» للارس فون تراير.. أنطولوجيا معرفية / إيمان حميدان

بعد “راقص في الظلام”، و“المسيح الدجال”، و“ميلانكوليا”، يعود الكاتب والمخرج الدانمركي لارس فون تراير بعمل سينمائي جديد بعنوان “شبق”، الذي بدأت عروضه في الصالات الباريسية بداية هذا العام، بعد ان اقتطع المخرج منه أكثر من ساعة ليصبح من جزءين كل منهما حوالي الساعتين. “شبق” هي حكاية “جو” وممارساتها الجنسية التي تدفع برغباتها الى أقصى الحدود، منذ سن المراهقة وحتى سن الخمسين.

شارلوت عينسبورغ، التي حصدت جائزة سيزار في اول مطلعها المهني عام 1986، والآتية من عائلة فنية بامتياز (ابنة سيرج غينسبورغ وجين بيركين)، هي الآن إحدى ممثلات فون تراير المفضلات. بعد نجاح فيلم “المسيح الدجال” عام 2009 وميلانكوليا عام 2011 اللذين لعبت فيهما شارلوت دور البطولة، اختارها فون تراير لتمثيل فيلمه الأخير أيضاً الذي تقاسمت فيه لعب دور الشخصية الأساسية جو مع الممثلة الشابة الفرنسية الإنكليزية ستايسي مارتن التي تلعب فيه دور جو وهي مراهقة. ستايسي مارتن الجميلة ابنة الـ23 ربيعاً هي اكتشاف فون تراير الجديد. ومَن شاهد فيلم “آخر تانغو في باريس” لبرتولوتشي لا بد ان تُذكِّره ستايسي مارتن بماريا شنيدر التي دخلت التمثيل السينمائي بفيلم فضائحي الى جانب عملاق كبير هو مارلون براندو. هذا الفيلم لاحق شنيدر ولاحق مهنتها حتى موتها عام 2011، ولم تستطع ان تخرج من صورتها فيه لتصبح ممثلة أدوار مختلفة. لا نتمنى لستايسي مارتن هذه النهاية بالتأكيد، ونتوقع أن يكون لها في مستقبل قريب مكان واسع في عالم الفن السابع.

سنحاول قدر الإمكان عرض مضمون الفيلم، الذي نعلم مسبقاً أنه من الصعوبة ان يُعرض في بيروت. الجزء الأول يبدأ بسليمان (الممثل السويدي ستيلان سكارغارد)، رجل ستيني، يبدو هادئاً، جدياً، وحيداً ومثقفاً، يقضي وقته بالقراءة والاستماع الى موسيقى باخ، يجد في الشارع الضيق المؤدي الى بيته امرأة ملقاة على الارض، يظهر من شكلها ومن الكدمات والدماء على وجهها ويديها وثيابها انها تعرضت لضرب عنيف ومبرح. يساعدها على الوقوف ويدخلها الى بيته ويهتم بمداواتها.

هذه الصدفة، التي ربما أنقذت جو من الموت، هي المدخل لتشكيل نسيج الفيلم من خلال سرد جو لقصتها بناء على طلب سليمان. سرد القصة هو مفتاح الحكاية كلها. بدأت بسنوات طفولتها حين كانت مع صديقتها تحاول اكتشاف رغباتها، وسط جو عائلي كانت فيه الأم باردة الى أقصى الحدود ولا تظهر عاطفتها اتجاه الإبنة الوحيدة بل تقضي وقتها بلعب الورق، وخاصة لعبة “سوليتير” التي تقتضي ان يلعبها لاعب واحد من دون أي مشاركة مع الآخرين! لعب الأب، وهو طبيب، دور الوسيط الذي يطوّر الحلم عند جو عبر العلاقة مع الطبيعة والشجر، إلا أنه مات والإبنة ما تزال في سن المراهقة. فقدت جو عذريتها بطريقة خالية من الحب ومستوحدة عبر شاب يكبرها بسنوات قليلة ولا يبدي أي مشاعر إيجابية نحوها. كان الجنس لعبة للصديقتين يلهوان بها عبر وسائل متعددة من حمام البيت، الى المدرسة ورحلة القطارات إلى أماكن أخرى.

علاقات خالية من الحب ومن الرومنسية. قد تكون هذه أيضاً فكرة من أفكار فون تراير التي سنعود اليها في نهاية هذا المقال. علاقات ستؤدي بالضرورة الى الشعور بالفراغ لا بل بالخواء ضمن مجتمع تسيطر فيه الرغبات الذكورية على تحديد طبيعة العلاقة نفسها. في نهاية الجزء الأول من الفيلم تفقد جو أي قدرة على بلوغ اللذة او الإحساس بجسدها، وذلك بعد ان استقرت مع رجل احبته هو جيروم (يلعب الدور شيا لوبوف).

÷ بات جيروم يعلم أن هناك مشكلة جنسية بينهما وأنه لا يستطيع إشباع رغبات جو، ويوافق بامتعاض أن تشبع رغبتها مع غيره، حتى الطفل، طفلهما، لم يستطع حضوره في حياة جو أن يثنيها عن اللهاث في التفتيش عن إشباع رغباتها. مشهد ترك طفلها وحيداً والخروج هو ذروة ابتعاد جو عن الواقع، والتي ذهبت محاولاتها الى حدودها القصوى في تجارب الجنس مع رجال عديدين، وفي مشاهد عديدة لا يسع المشاهد سوى الملل من ابتذالية القصص وعاديتها، إحساس عميق أنَّ ما يشاهده مكرر. كالمنظر المضحك في غرفة فندق رخيص مع شابين أسودين لا يتكلمان سوى لغتهما المحلية الأفريقية، الى جلسات في السادومازوشية. تلتقي بـ“ك” (جايمي بيل) معلم ومدرب في السادومازوشية لاستعادة النساء لذتهن، تترك جسدها لعدوانيته “كتدريب” لتُجلد مراراً حتى تُدمى. بدأت أكثر فأكثر تهمل بيتها وطفلها، وتترك طفلها وحيداً في البيت كي تذهب الى جلستها مع “ك”. في مشهد يذكرنا بمشهد سقوط في فيلم سابق لفون تراير وتمثيل شارلوت عينسبورغ أيضاً في “المسيح الدجال”، كاد الطفل أن يقع من الشرفة الى الشارع لولا وصول جيروم وحمله الى الداخل. وحين تعود يخيّرها إما الاهتمام بالطفل او بلذتها. وهي انقادت الى البحث مجدداً عن لذتها الضائعة فيما خرج جيروم مع الطفل نهائياً من البيت. إلا أن جيروم الذي لا يستطيع الاهتمام بطفل، فقد عهد به الى عائلة لتربيه.

بعد أن هُدّدت بطردها من عملها، تلتحق جو بطبيبة نفسية وتشارك في جلسات حوار نسائية جماعية يتحدثن فيها عن مشاكلهن الجنسية. إلا أنها بعد وقت تحققت من أن هذه الجلسات لا تفيدها لأنها محاولات لتشجيعها على كبت رغباتها وعدم الاعتراف بها. توصلت الى أن تتصالح مع نفسها وتقول “أنا امرأة شبقة ويجب ان أفهم نفسي وأتعايش مع طبيعتي”.

العودة الى نقطة الصفر

÷ في الفصل الأخير، تلتقي جو بـ“ل”، وهو رجل يعمل لمصلحة اثرياء يجمع لهم ديونهم من المديونين بوسائل غير شرعية يستعمل فيها الجنس والعنف والترهيب. طلب من جو العمل لديه بعد ان فقدت وظيفتها. بفضل معرفتها وتجاربها الجنسية وبمساعدة رجال عنيفين بدأت جو بعملها عبر ممارسة الضغط على كل دائن كي يذعن ويدفع ما عليه. في لحظة ما يطلب منها صاحب العمل “ل” ان تتعرف على مراهقة، واسمها في الفيلم “ب” من ابوين محترفين في الاعمال المخلة بالقانون وتصبح شيئاً فشيئاً شريكتها في العمل. الى ان تذهبا يوماً الى استعادة دين ما من احدهم وأمام الباب تكتشف جو ان هذا المديون ما هو إلا جيروم الرجل الذي أحبت وهو أب ابنها. فتتراجع هي وتطلب من “ب” مع الرجال المرافقين ان يقوموا بالمهمة وحدهم. صارت “ب” تتردد على جيروم لتكتشف جو لاحقاً أن علاقة حميمة وقوية نشأت بينهما. تتملكها الغيرة، وتلحقهما بمسدس يخص “ب” وتحاول قتل جيروم في ذلك الزقاق الذي كانت مرمية فيه. إلا أن المسدس لا يعمل ويشبعها جيروم ضرباً. في ذلك المكان وجدها سليمان وهكذا تكتمل دائرة قصتها. إلا أن مشهداً أخيراً يقلب به لارس فون تراير القصة كلها ويعيدها الى نقطة الصفر والى دائرة مقفلة، حين يظهر سليمان انه “ذَكَر” يشبه كل الرجال الذين قابلتهم جو في حياتها، ويحاول اغتصابها وهي نائمة كونها “ضاجعت مئات الرجال كما يصفها في تلك اللحظة”، فما كان منها إلا أن عاجلته بطلقة مسدس نجحت فيها هذه المرة. ثم هربت.

كل الثقافة

÷ أعمال فون تراير دائماً مثيرة للنقاش في اوساط المختصين بالفن السابع. يطرح في كل فيلم من أفلامه جملة مفاهيم تستحق التفكير والنقاش، ويسخّر لهذه الغاية كل الإرث الديني المسيحي والرموز المحيطة به ويذهب أحياناً الى استعارة الإيحاءات الميتولوجية لقول ما يريد. استطيع القول إن فون تراير اصبح متخصصاً بتقديم افلام تتميز بـ“الانطولوجيا المعرفية” اذا صح التشبيه. لكنه احيانا يُغرق المشاهد في استعارات ليست بالضرورة مهمة او تقدم رافعة للفيلم الا انها تخلق جواً من الإثارة يريدها دائماً فون تراير ان تكون عنوان اعماله. مثالا على ذلك استعمال الارقام في فيلمه الاخير. وربطها بأرقام تاريخية اخذت من القصص الدينية مثل رقم 39 وهو عدد ضربات السوط التي تلقاها المسيح… الخ.

÷ لكن الممتع في اعمال هذا المخرج انها تسمح للمشاهد برؤية الفيلم وتفسيره انطلاقاً من زوايا معرفية عدة. في فيلمه الاخير نرى انه سخّر كل تفصيل لإغناء فيلمه. حتى اختياره لأسماء الشخصيات لا يأتي مصادفة. من اسم جو الذي هو بالأصل اسم مذكر، الى سليمان، الى حروف وحيدة كأسماء لشخصيات ثانوية. أحياناً استعماله للرموز الدينية لم يكن سوى ألعاب ماهرة وناجحة في خلق مناخ يُغني الفيلم ويخرجه من روتين خلقته القصص الجنسية المتكررة التي احيانا تشعرنا بالملل. هذا كان من الصعب الشعور به خلال مشاهدة فيلم ميلانكوليا. ومهما كانت قصة المرأة الشبقة ايروتيكية وحسية الا ان سيرورتها الجنسية رغم اثارتها تبدو مكررة لهواة الفن السابع (ربما ليس لعابري سبيل السينما) وغير كافية لرفع الفيلم ولشد أنظار المشاهدين لولا تطعيمه بحوار ذهني يربط قصص الشخصية الاساسية جو بباقة لا يستهان بها من المفاهيم والنصوص الأدبية والدينية والحوادث التاريخية والموسيقى وحتى تقنيات صيد السمك. معظمه جاء على لسان الشخصية المهمة في الفيلم، سليمان الرجل الذي آوى جو وأعطاها الفرصة لتحكي قصتها. ربما هذا هو ما يتمتع به فون تراير في اعماله السينمائية، اذ يفتح العلوم كافة على الفن والأدب والموسيقى ويربطها بالتاريخ والميثولوجيا.

÷ سرد جو لقصتها، وربطها بالعالم عبر الموسيقى والادب عبر سليمان هي مرآة سمحت لجو ان ترى نفسها تماماً وسط عالم متناقض يكثر فيه العنف والشر والكذب. الحوار بين الاثنين سمح لفون تراير، شأنه دائماً، ان يلقي الينا بحزمة من قِيَمه ابتداء بإبراز قيمة الحب الى جانب قيمة الرغبة واللذة، ثم بمناصرة المرأة والدفاع عن حقها في اخذ زمام ادارة رغباتها وحياتها الجنسية بحرية، الى التهكم على الأنظمة الديموقراطية الغربية التي تمنع الحرية في الكلام وتحذف كلمات من قاموس اللغة بحجة انها ليست صحيحة سياسياً

(Politically correct)

÷ بينما في الحقيقة ما تزال المشاعر العنصرية، كذلك العدائية تجاه المرأة، فضلا عن ذكورية المجتمع في النظرة الى المرأة وإلى مفاهيم العائلة والأمومة والأبوة، ما زالت كما هي ولم تتغير، وضُبطت عبر ضبط اللغة فحسب. الا ان نقد قِيَم المجتمع الذكوري عبر طرح قيم أخرى أراد فون تراير إيصالها لنا بدت أحياناً غير مقنعة ومتناقضة وخاصة حين تأتي على لسان جو التي هي بالاساس المرأة التي تخوض تجربة عنيفة في اللحاق برغباتها والتي الى حد ما تفقد علاقتها مع الواقع. فبدا من الصعب لي كمشاهدة ان اراها أيضا المرأة “الفهّامة” والناقدة للمجتمع في الفيلم!!

÷ فيلم فون تراير جدير بالمشاهدة، وإن كانت تقنية تقسيمه الى فصول ثمانية ناجحة (فضلاً عن أنه مؤلف من جزءين) إلا أن محاولة الدخول الى كل فصل عبر جملة او تفسير قصير يقوم به سليمان او سؤال من جو، بدت سطحية في لحظات كثيرة، كأن تسأل جو سليمان ان كان لديه مرآة، ثم فوراً ينتقل الفيلم الى احد الفصول الذي يحمل عنوان المرآة، او أن تشاهد جو ايقونة معلقة على الحائط وتطلب من سليمان ان يفسرها لها فيبدأ بالشرح حول معنى الكنيسة الغربية (الحزن العذاب الألم) والكنيسة الشرقية (النور الفرح)…ثم يبدأ فصل “الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية” او “البط الصامت”. قد يكون الانتقال من فصل الى آخر أضعف التقنيات في الفيلم جعله دائماً يقترب من حافة غير بعيدة عن الملل.

باريس

 

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق