التحديث وعوائقه في تاريخ المغرب

شكلت مادة “المخزن”، موضوعا استلهم العديد من الدراسات، التي قاربته من وجهات نظر متعددة، استنادا إلى مشارب وحقول معرفية متنوعة.
فمن الدراسات الأنثروبولوجية الغربية، التي خصت موضوع المخزن، والنسق السياسي والاجتماعي المغربي عموما، بحيز هام من اهتماماتها، لدرجة أن تلك الأبحاث بدورها اتُّخِذَتْ كموضوع للبحث، بهدف إعادة النظر في مجموعة من الأطروحات التي تبناها أصحاب تلك الأبحاث وطبقوها على تاريخ المغرب. ولا بأس من أن نستحضر في هذا الصدد، موقف الأنثروبولوجي الأمريكي كينيث براون، الذي اعتبر “أن المغرب محظوظ لأنه كان محط دراسة من طرف باحثين كبار في ميدان العلوم الاجتماعية أمثال إدوارد وسيترمارك وروبير مونطاني، وجاك بيرك، وإرنست كيلنر، وكليفورد كيرتز، وبول باسكون”(1).
إلى الدراسات المونوغرافية المغربية، حيث ظل موضوع المخزن في علاقته بالقبائل مسيطرا على البحث الأكاديمي لفترة طويلة من الزمن، منذ منتصف السبعينات مع الجيل الثاني من المؤرخين المغاربة.

وفي السنوات الأخيرة صدرت مجموعة من الدراسات التي اهتمت بموضوع المخزن في مختلف فتراته التاريخية، خصوصا الفترة المعروفة بالعصر الحديث، من بينها كتاب الباحثة الإسبانية ميرسيديس كارسيا أرينال الصادر باللغة الإنجليزية سنة 2009، تحت عنوان أحمد المنصور: بدايات المغرب الحديث. ثم كتاب الباحث المغربي محمد جادور؛ مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، الذي اهتم من خلال المنظور المقارن بعهدي أحمد المنصور السعدي والمولى إسماعيل العلوي، الصادر عن مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود سنة 2011. كما شكل القرن التاسع عشر بالنسبة لهذا الموضوع محورا لدراسات أخرى من ضمنها؛ دراسة الطيب بياض حول المخزن والضريبة والاستعمار، الصادر عن إفريقيا الشرق سنة 2011، وكتاب علي المحمدي؛ النسق المخزني ومسألة الاستمرار التقليد والتجديد(2)، عن منشورات كلية الآداب الرباط سنة 2010، والذي نحاول التفاعل معه في إطار هذه الورقة، التي نستهلها بإبداء ملاحظة حول العنوان، الذي يوحي منذ الوهلة الأولى، بأن مسألة استمرارية النسق السياسي المغربي، الذي اصطلح على تسميته بالمخزن، تتأرجح بين كفتين، كفة التقليد؛ بمعنى أن الاستمرارية تتحقق من خلال إعادة إنتاج الممارسات المخزنية السابقة، وكفة التجديد؛ التي تعني ضرورة الانخراط في تجديد هياكل المخزن بالموازاة مع ما يحصل من مستجدات.
نتفاعل إذن مع الكتاب، من خلال إشكالية التحديث، بين ضرورة الانخراط في تحديث الهياكل، بناء على ما يحصل في الضفة الأخرى من تقدم وتطور، وبين عوائق ذلك التحديث ومثبطاته.

1. ضرورات التجديد:
بالنسبة للنقطة الأولى (ضرورات التحديث)، نأسس لها بقول المؤلف إن الشمال الإفريقي عرف “في النصف الأول من القرن التاسع عشر بداية مرحلة جديدة من التوسع الاستعماري الأوروبي، تزامنت مع بداية سعي جديد إلى إنعاش الوحدة الوطنية وفرض هيبة المخزن التي تلاشت في نهاية عهد السلطان مولاي سليمان” (ص 149).
هناك إذن ضرورة للتجديد على مستويين:
خارجي: تجلى في الأطماع الأوروبية التي تتربص بالمغرب، وتتهيأ للفرصة السانحة للانقضاض عليه، مما فرض على المخزن ضرورة التعبئة لمواجهة تلك الأخطار سواء المستجدة منها أو حتى التي كانت مألوفة.

أما على المستوى الداخلي، فبعد أن ظل السلطان السعدي أحمد المنصور مرجعا للسلاطين المغاربة الذين تولوا أمور البلاد من بعده إلى غاية عهد المولى سليمان، مستفيدين من استمرار اعتماد التقليد سواء من قبل المجتمع في مختلف مجالات حياته، أو من طرف الدول الأوروبية التي ظلت تعمل بالمبادئ المعهودة في الاعتراف بسيادة المغرب. أصبح المخزن واعيا بأن تقليد السلطان السعدي في إدارة شؤون البلاد لم يعد ممكنا، سواء على مستوى العلاقة مع مختلف مكونات المجتمع (الرعايا والقبائل)، أو مع الدول الأوروبية.
فجاء “قرار المولى سليمان بتعيين ابن أخيه عبد الرحمان بن هشام المعروف بتغليبه لمصلحة الدولة من منظور سياسي واقعي، وهو ما أبان عنه من خلال ربطه علاقات مع الأوساط التجارية حينما كان خليفة في مرسى الصويرة، تأكيدا لسياسة الانفتاح”(3).

كما أن تغيير القاعدة التي كانت متبعة في وراثة الحكم من طرف المتحكمين في تقرير مصير المغرب، عقب وفاة المولى سليمان يعد انقلابا على الأعراف، كان المأمول منه معالجة مظاهر ضعف المخزن التي استفحلت في عهد المولى سليمان، ويفيد ذلك التحول بأن مقرري مصير البلاد أصبحوا على وعي بأن القاعدة المألوفة لا تسموا على مصلحة “الوطن” (ص 5).
من بين الأمور كذلك التي كانت تفرض على المخزن ضرورة الانخراط في مسيرة التحديث، تلك المساعي التي بذلها بعض كبار الأعيان من أجل الدخول في علاقات تجارية مع مؤسسات أوروبية، مع ما يمثله ذلك من تطاول على حرية السلطان، وكونه يتعارض مع السياسة المتبعة تجاه الدول الأوروبية منذ احتلال الجزائر.
إنه إذن “التعارض الذي كان يطبع سياسة زعامات جهوية، والمتمثل في تمسكها بامتيازات كرستها أزمات انتابت النسق المخزني…مع السياسة المتبعة حيال الدول الأوروبية” (ص 127).
فعملية تجديد الهياكل المخزنية انبنت على أساس الحد من استقلالية الجماعات الواقعة على الهوامش، “من خلال اعتماد مراجع وطنية موحدة لضبط العلاقات على اختلاف مستوياته” (ص 150)، غير أن الأهم هو أن ذلك استهدف تمكين المخزن من الاستمرار في احتكار الغلبة تجاه رعاياه.

لقد سبق لمجموعة من الباحثين المغاربة أن أثبتوا، أن تاريخ المغرب محكوم عليه بالعودة المستمرة إلى نقطة الصفر(4)، فمهما بلغت درجة تقدم وتطور هياكل ومؤسسات الدولة في عهد سلطان معين، إلا وعادت إلى وضعها المتدني في السابق بمجرد وفاة السلطان الذي ارتبطت بشخصه، فالمحاولات التحديثية التي شهدها المغرب، فشلت لأن شروط الحداثة لم تتحقق بعد، تلك الشروط التي كانت في معظمها مرتبطة بالهيكل الداخلي للمجتمع المغربي حكاما ومحكومين.

2. مثبطات التحديث في تاريخ المغرب:
تثير قراءة كتاب علي المحمدي، الانتباه إلى قضيتين أساسيتين في العلاقة مع مسألة الاستمرارية والتحديث؛ هما قضيتا الاقتصاد والتعليم.
فالاقتصاد الذي يشكل عصب تقدم كل المجتمعات، ظل قابعا في نفق تتحكم فيه رغبات السلطان وتحكمه سياسة التقدير كقاعدة لتحديد الضريبة ومقدارها إضافة إلى نهج سياسة الاحتكار التي شكلت وجها آخر لسلطة الغلبة التي يمارسها السلطان تجاه رعاياه، فبالقدر الذي كانت فيه مساهمة المحكومين محدودة بالمقارنة مع المصاريف المرتفعة الناتجة عن الغرامة المالية التي فرضتها الحكومة الإسبانية على المغرب، كانت فيه سبل تحديد مقدار الضريبة من حيث الكيفية والمقدار، رهينة الظرفيات والمستجدات.
وأمام ضعف التسيير ونقص الممكنات وجد المخزن نفسه مرغما على مسايرة المستجدات، ضمانا لاستمرارية نسقه، فكانت المزاوجة بين الأعراف التقليدية ومسايرة الأوروبيين بمحاولة الاستفادة من تفوقهم التقني هي الوسيلة التي سعى من خلالها المخزن إلى سد الثغرات الملازمة له.

تجسدت تلك المزاوجة بشكل جلي في الإصلاح الذي شمل المجال النقدي، حيث كان هاجس الاقتداء بالسلف من جهة، والاستفادة من التطور التقني الفرنسي من جهة ثانية، طاغيا على ذهنية السلاطين، الذين كانت لديهم الرغبة في إضفاء القيمة الإسمية على الدرهم الفضي، التي من شأنها تدارك تدهور قيمة العملة المغربية، وهو الأمر الذي يؤكده الظهير السلطاني الذي أورده المؤلف، والذي اقتطفنا منه النص التالي:
“[…] فقد اقتضى نظرنا الشريف ضرب سكة شرعية تتصارف بها رعيتنا في إيالتنا السعيدة وتكون مخصوصة وعمل خاص موافق للشرع مبني أصلها على الدرهم الشرعي الذي كان في أيام جدنا الأكبر مولاي إسماعيل رحمه الله وجدنا الأقدس سيدي الكبير نعم الله روحه والمنصور السعدي وأبي الحسن المريني وغيرهم من ملوك دول المغرب السالفة رحمهم الله” (ص 142).
أما في مجال التعليم والتكوين، فالملاحظ هو ارتباط تحديث هذين المجالين الحيويين بتحقيق أهداف محددة سلفا من قبل المخزن بناء على مستجدات طارئة تحد من استمرار ضوابط النسق فاعلة، فالتجديد الذي طال هذين المجالين كان الهدف منه هو تكوين نخبة إدارية تمكن المخزن من التحكم في مقومات الاستمرار في بلد “أصبح يمور بمظاهر التعارض” (ص115).

تكمن أهمية كتاب علي المحمدي في كونه يسلط الضوء على مسألة شائكة لا زالت راهنة، فهو مساهمة من الأهمية بمكان في فهم تاريخ المغرب في مرحلة مفصلية من مراحله، فتناوله للموضوع عبر مجموعة من القضايا المتنوعة والأساسية التي تعكسها عناوين الفصول، وعرضه لمجموعة من النصوص وتصنيفها استنادا إلى منهج حديث في الكتابة يهدف إلى خلق حوار بين النص والقارئ، بالإضافة إلى النظر إلى المسألة المتناولة في مدى طويل، كلها أمور تضفي على الكتاب أهمية بالغة.
كما أن المعجم الذي ذيل به المؤلف كتابه، والذي يضم أزيد من سبعين مصطلحا، إضافة إلى استناده على تنقيب أرشيفي مهم، من خلال التوظيف المكثف للوثائق، من كنانيش ومراسلات وأوفاق، زيادة على بيبليوغرافيا متنوعة تتوزع بين اللغتين العربية والفرنسية، مما يجعل الكتاب ذو قيمة معتبرة.

الهوامش:
– كينيث براون،“من الانثروبولوجيا إلى الأدب”، ترجمة محمد حبيدة، مركز ابن خلدون للعلوم والفلسفة والآداب، بتاريخ: 28 يناير 2013.
– يندرج هذا الكتاب في إطار سنوات طويلة من اشتغال المؤلف على موضوع المخزن، بدءا بالعمل المنوغرافي، الذي تجسد في كتبه حول السلطة والمجتمع بالمغرب نموذج أيت باعمران.
– محمد المنصور، المغرب قبل الاستعمار المجتمع والدولة والدين: 11792 ـ 1822، ترجمه عن الانجليزية محمد حبيدة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006، ص 352.
– نشير في هذا الصدد إلى دراسة محمد جادور، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، وكذلك كتاب عبد المجيد القدوري، المغرب وأوروبا ما بين القرنين 15 و18 مسألة التجاوز.

علي المحمدي، النسق المخزني ومسألة الاستمرار التقليد والتجديد، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة بحوث ودراسات رقم 42، 2010.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق