ترجمة الترجمة / عباس بيضون

لا أحب الأفلام المدبلجة. فأن يتكلم الممثل بغير صوته نوع من الاعتداء عليه، نوع من التنكر الذي لا أطيقه، أفضل عليه ترجمة الأفلام، فأن أقرأ على الشاشة ما يقوله الممثل وأن أسمعه وأرى كيف تتجاوب أمارات وجهه مع صوته وكلامه، أمر يبدو لي أصرح وأبسط وأقرب إلى الطبيعة.

لكن الترجمة العربية للأفلام تحيلنا على أمر آخر. فهذه الترجمة بخضوعها لقواعد وتعليمات مسبقة تبدو كل شيء إلا أن تكون ترجمة، هي في أحيان لا تنقل المعنى ولكن تتستر عليه. تلبسه غير ثوبه. تقوّله ما ليس فيه، لا يرد ذلك إلى خطأ في الترجمة ولكن لقيود عليها تجعلها في أحيان ترجمة الترجمة. عليك أن تستدل على المعنى من قرينة تتواطأ أنت والترجمان عليها.

أي أن الأمر متروك لذكائك ولقوة ملاحظتك ولقدرتك الخاصة على الاستنتاج، ليس في هذا أي براعة إذ أن الأمر سرعان ما يشيع ويغدو متداولاً فيعرف كل المشاهدين المقصود، لكن هذه المعرفة أشبه بالاختلاس، أشبه بالسرقة، فأنت لا تقرأ المعنى ولكنك “تخطفه” من النص. أنت لا تقرأ المعنى ولكنك تتحايل عليه، وهو تحايل يمارسه الجميع لكن الصالة جميعها عند ذاك تشترك في هذه الجناية، إذا قرأت على سبيل المثال “المشروب الاسكتلندي” فإن عليك أن تفهم انه الويسكي، وإذا قرأت “المشروب الروسي” فإن عليك أن تفهم انه الفودكا وإذا قرأت “المشروب الفرنسي”، علمت فوراً أنه النبيذ، أما “المشروب المكسيكي” فهو بدون ريب التاكيلا، هذا يحتاج فقط لبعض الخبرة أو بعض العلم، ومن الممكن، مع التكرار أن يغدو شائعاً متداولاً. مثل آخر، إذا قرأت “القدير” فإن هذا يعني، بدون شك، الله.

هذه أمثله إن دلت على شيء فعلى ثقافة ديدنها التنكر، ثقافة تظن ان الأشياء بمسمياتها، واننا إذا ألغينا المسميات قدرنا على إلغائها. فإذا ألغينا الويسكي والنبيذ والفودكا والتاكيلا من كلامنا، أمكننا ذلك أن نحذفه من الوجود. هكذا نكذب على أنفسنا، لكن هذا الكذب على النفس قد يصل إلى أخطر من ذلك. إذا أمكننا إلغاء الويسكي بنسيان اسمه فإن من الممكن أن نلغي إنساناً لمجرد اسمه. من الممكن أن نلغي إنساناً لمجرد عنصره أو سكنه أو دينه أو مذهبه، هكذا نقتل العنصر أو المذهب أو الدين. هنا لا نفرق بين الاسم وبين الشخص فيذهب الشخص ضحية اسمه. أما المضحك فهو أن نجد في الترجمة عبارة بالية مثل “أبليت حسناً” أي حسناً فعلت. ولا نعرف لماذا يصر المترجم عليها، لعل في ذلك سراً لا نسبره ولا نعرف إلى أي ثقافة ينتمي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق