ثلاثة أوهام عن «السلام الأهلي» في سورية / رستم محمود

ثمة نقاش موسع ومتقادم بين السوريين، متمحور حول راهن «السلام الأهلي» ومستقبله في البلاد. وهو يتحسس خطر العنف المستمر على التعايش الأهلي من طرف، ويلاحظ فداحة الاستخدام العميق للهويات في هذا الصراع السياسي من طرف آخر. لكن هذا «اللسان العام» السوري نفسه، يحرص على إظهار ثلاثة «أوهام» عن هذه العلاقات الأهلية السورية وتحولاتها، بينما يسبتطن ما هو عكسها، ويحرص على كبت تلك الحقائق التي يؤمن بها ويخفيها في آن.

الوهم الأول يتعلق بالإيحاء بأن جوهر الخطر على العلاقات الأهلية السورية متمركز حول العلاقة الإسلامية – المسيحية، بينما يغض النظر عن «التنابذ» الأهلي المتصاعد بين كتل كبيرة من الجماعتين الأهليتين السوريتين، السنّية والعلوية، أو الجماعتين العربية والكردية في مناطق التماس الجغرافي، وفي عموم البلاد. معظم خطابات الأطراف السورية الكثيرة وسلوكياتها حين تصوغ نصوصها حول العلاقات الأهلية في البلاد تمركز رؤيتها ونقاشها حول العلاقة الإسلامية – المسيحية، لكنها تدرك بعمق أن تراجع الحجم الديموغرافي للمسيحيين السوريين، وكذلك ثانوية موقعهم ودورهم في الصراع المسلح في البلاد، لا يجعلان من هذه العلاقة مصدراً للقلق على مستقبل سورية و «السلم الأهلي» فيها. وتعتقد هذه القوى أن إظهار الود المتبادل بين الجماعتين المسيحية والمسلمة يعتبر حيزاً كافياً للتعبير عن عموم العلاقات الأهلية السورية. وحتى الوقت الراهن ليس في «الأدب» السياسي السوري أي تداول حقيقي حول المسألة الأكثر حساسية على «السلم» الأهلي، أي النزعتين المذهبية والإثنية، لأن المسألة الطائفية الإسلامية – المسيحية تشغل معظم النقاش العام تقريباً. يتعلق الأمر الآخر بتفسير مصدر هذا التهور في العلاقات الأهلية. فحيث يحجر النظام تفسيره على العوامل الخارجية ما فوق السياسية، من دون أن يصدق نفسه، ويفسر الأمر بالنزعة الدينية المحافظة التي تهب على سورية من الخارج، فإن خطاب النظام يخفي دور استخدامه واستغلاله العلاقات والحساسيات بين الجماعات الأهلية والممتدة لعشرات السنوات، كما يخفي فظاعة عنفه على المجتمع وأثر ذلك في تحطيم النزعات المدنية وتقوية ما يقابلها.

على الضفة الأخرى، فإن القوى المناهضة للنظام تحجر تفسيرها في السياسة والنظام فقط. فوفقاً لها، يشكل النظام وحده مصدراً ومنبتاً لكل أشكال التوتر في المجتمع. فتغض هذه القوى المناهضة النظر عن التاريخ الموضوعي لعلاقة الجماعات الأهلية منذ تأسيس الكيان السوري، ولا تبالي بالاحتكار الرمزي الثقافي والمجتمعي بحيث تستحوذ جماعة سورية بعينها على الحقل العام، مقابل استحواذ جماعة أخرى على الحقل السياسي والعسكري. وتميل القوى المناهضة للنظام إلى تبني تحليل رومانسي وفوقي لمصدر المعضلة، فلا تحبذ الاعتراف بالتفسير المركّب لها، لأنها قوى تتبنى هوية ومخيالاً واحداً عن الكيان السوري، ولا تقبل إلا بتفسير كل شيء بسوء النظام، لا بوجود معضلة تضرب شكل الكيان نفسه وهويته البنيوية.

فشكل الكيان هو ما يجب أن تُراجع فيه طريقة توزيع الثروات المادية الرمزية والهوياتية، لتخضع لشروط أكثر عدالة، في ما خص تساوي الجماعات السورية كلها، وليس أفرادها فقط. ذاك أن عدم التساوي بين الجماعات باعتبارها كتلاً تأسيسية، منذ نشأة الكيان، كان مصدراً رئيساً لتوتر هذه العلاقات الأهلية.

أما الوهم الأخير فيتعلق بما يظهره السوريون من إرادوية سياسية وثقافية ومجتمعية في تفكيك هذه التصارعات الأهلية وحلها مستقبلاً. فثمة عرض باذخ لشعارات «الوحدة الوطنية» وتاريخية «التعايش المشترك» الذي كان يربط بين السوريين، وثمة ميل لاعتبار أن هذا التنابذ الأهلي حدث عابر وسطحي، لن يكون له أثر وفاعلية في مستقبل البلاد في ما لو رُفعت حالة الاستثناء السياسي والعسكري عن سورية.

يوازي ذلك تخيل مفاده أن المجتمع الأهلي السوري لا يشبه محيطه الإقليمي من حيث طبيعة العلاقات البينية، بذا فإن هذه العلاقات ستسعيد جوهرها «الصحيح» في ما لو تم عزل «المسألة السورية» عن محيطها الإقليمي. ومصدر هذا التقدير هو ذلك الارتياب التقليدي المكين لدى الشخصية السياسية السورية بالخارج، وهو ما يوازيه وهم الاعتقاد بصلاح الذات من حيث المنبت.

لقد كانت سورية منذ النشأة كياناً جريحاً، تملأه عقدة الأراضي «المستقطعة» والمحتلة منه، يميناً وشمالاً، وهو ما شكل مصدراً للأوهام حول الذات، أي المجتمع الداخلي، أياً كانت اعتلالات هذه الذات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق