علمانية… خاشعة متصدعة من خشية الله

رحل محمد آركون ولم يدعٍ النبوة، وترك من الكتب والمؤلفات في شرح الخطاب اللاهوتي ما يكفي لاستيعاب أربعة أديان، استيعابا أدبيا ونصوصيا، أو ما يجعل اتباع ديانة كبيرة كالبوذية تكتفي ادبيا بالمطروح، وأنفق خمسين عاما من عمره يدعو الى تنوير التراث ورفع القدسية عنه، من أجل قراءته قراءة علمية تفكيكية، كان خُمسها ( أي عشر سنين ) كافيا لمحمد بن عبد الله أن يُعلن فيها دينا جديدا في الجزيرة العربية وما حولها وينشره بمواده الجديدة المبتكرة بدون استنساخات أو اعتمادات أو تعلقات مرجعية،  وكان عًشرها ( أي خمس سنوات ) كافيا لكي يطرح كارل كاركس ايدلوجيته الشهيرة، لتغطي وتحكم مساحات واسعة من الاراضي والعقول. لو كانت هناك اكاديميات تُخَرج الانبياء والرسل، وتمنحهم شهادة ممارسة المهنة، لكان أركون والعروي وبعض من اقطاب العلمانية الحديثة من متميزي دفعاتها.

لا ادري هل أراد محمد أركون أن يكون مفكرا اسلاميا أم مصلحا أم منظرا، أم أراد أن يطرح الفكر الاسلامي لتصويت الثقة، أو يشكك بقدرته على الحل. ولا ادري ماذا أطلق على محمد أركون من وصف يتلائم مع الصفة الوظيفية الادق لما أراد أن يقوم به.
في هذه المقالة وعبر محمد آركون سنشرح بعضا من أزمة الخطاب العلماني، وربما لم تكن المناسبة المتوافقة مع ذكرى وفاته او ميلاده، ولكنه حضر في الذاكرة للمقارنة بدون ذكرى، وأن كان هو حاضرا في مسيرة الفكر الانساني وبشكل وهاج.
تلك العلمانية التي ادركها الطوفان الديني، أو التي ذهبت الى حوانيت الاسلامويين لتبتاع خطابات فكرية تحللها وتفككها، فنسيت نفسها هناك.  

رحل مجمد اركون والجابري وابو زيد تباعا. والمقروء من سيرتهم أنهم امضوا عقودا في محاولة تفكيك التراث ( اركون ) واصلاح العقل العربي ( الجابري ) وتمهيد الطريق لفهم النص ( ابو زيد )، ويبدو أنهم وقفوا طويلا عند التراث ونسوا المشروع الاصلي الذي انبعثوا له . وإن كانوا قد تركوا بلا شك، وديعة للجيل اللاحق في أن يكمل، وما تركوه كنز لا يُكتشَف الا صدفة، أو حينما يعثر احد الصيادين على الخريطة.
المقروء من هذا الجد والنضال، أن العلمانية ادركها الاسلام فاسلمت، وحسُن اسلامها. وانتهى بها المقام أخيرا أن تصلي خلف حزب النهضة والغنوشي وخلف مرسي مصر. لانها سمعت الاذان فيه فقرة حي على الحرية والخبز، واصطفت مع ثوار ليبيا الذين أدوا صلاة الحرية وجلبوا كل شيء الى ليبيا الا الحرية والكرامة فقد نسوها في بروكسل.

ولم يبق الا أن تذهب العلمانية الى مكة حاجّة أو معتمرة، وتعلن توبتها أمام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وبتنا نصدق تحت هذه الارتجالية والعبث والاستنساخ الاعمى لفكرة المدنية واللائكية. بتنا نرى أن هناك علمانية نفطية بترودولارية، وعلمانية بعثية وعلمانية صعيدية وعلمانية تيك اوي سريعة المفعول، وعلمانية تستخدم مرة واحدة فقط للوصول الى عقول الناس المسطحة ومن ثم تنفجر وتتبخر وتتحول الى اصولية متشددة حارقة.  
كيف بدأ الخطاب العلماني العربي يؤسس برنامجه الفكري لينتهي الى هذه النتيجة،  وينتهي بان يجلس عزمي بشارة يتكيء على العلمانية والأطر المدنية في إيصال متشددين اسلامويين الى السلطة في سوريا العريقة بعلمانيتها، وحسن حنفي يدخل في صلب التنظيرات الفقهية والاختلافات، وعابد الجابري يجلس للفتوى في الجهاد ويفلسفه، وهشام شرابي يعيد كتابة السيرة لتصبح اكثر معقولية واستساغة. وفتح تنافس حماس في الوصول الى الجنة، وملتحووها الان أكثر من معممي حماس، وصدام حسين يدفع البعثيين في العراق الى اكتشاف ما تبقى من إرث الفقهاء.

الخطاب العلماني يسير جنبا الى جنب مع الخطاب الديني، يفسره ويشرحه وينتقده ويستدرك عليه ( في حدود الضوابط الشرعية أيضا ) ويحضنه ويرضعه ويتولى فطامه ، ويلازمه كظله، وأخيرا يعطيه الزخم الاعلامي، بحيث يجعله أحد الخيارات لدى عقول لاتعرف كيف تختار فتختاره لهذا الزخم، او تتبناه حمية إذا استفزها الخطاب الاخر،  بل ان بعضهم يذهب الى حد الرأفة بالطرح الاسلامي ويقوم بوظيفة رقابية على المطبوعات، ولكن بمقص مثلوم هذه المرة، ليست كسكين الدكتاتور التي كانت تذبج لاول جزة وتخلص المضطهد.  

بمعنى أن العلمانيين يقومون متبرعين بوظيفة الشرطي المراقب فقط، أداء وسلوك بعض الدينيين، وتكون مهمته هي الدفاع ومناهضة هذا التيار حصرا، دون تاسيس برنامج مستقل او التفكير بالتزام خط فكري معين هو الهدف بذاته ، مما يؤكد مقولة أن العلمانية هي دعوة للقضاء على الدين ، وهي بهذا المعنى حركة ذيلية معترضة فقط، وهي اضعف من أن تقوم تيار قائم لوحده يعمل على مشروع محدد ومستقل الرؤية، وربما يدركه الخور والخشوع احيانا فيذهب المنتمي العلماني الى شرح معنى الجهاد، دون أن يستجيب له ولطروحاته،  حيث يؤكد شرعية الجهاد كما يراها الاسلاموي، يؤكدها مرتين، مرة بادراجها للمناقشة ومرة بالاعتراض عليها وشرح جزئياتها مما يعطيها شرعية اعلامية كونها حاضرة في النقاشات والاقرار. وأخيرا يضع ورقة مجانية في ايد الخصوم،  ليؤكد للعالم أن المتشددين كانوا على حق حينما أعلنوا ارتداده، أو يذهب الى تخريج احقية طائفة معينة بالحكم كما يفعل صادق جلال العظم الذي اثبت مشروعية حكم السنة واحقيتهم للحكم في سوريا. بهذا الموقف يكون العلمانيون قد عملوا بالمجان لسحق التطرف الديني وتركزت جهودهم واهتماماتهم وافكارهم على هذا واستنفذوها في هذا المضمار، وربحوا فقط تسمية العلمانية التي اغدقها عليهم من عملوا له وهم لا يدرون، والتي هي اشارة محفوفة بالمخاطر ومرسومة بالدم في مجتمع يغرق في الغنوصية والماضي ويتنفس من رئته.

باختصار نحن بصدد تسمية هذا التجمع بنادي اصبح يضم الكثير من المرتدين الذين توقف الههم كثيرا في زيارته للمعسكر الديني.
لا نجد المشروع العلماني الفكري والمستقل والبعيد عن الطرح الديني، الذي يطرح رؤيته المستقلة للحياة والنظام بعيدا عن المقارنة والمثال، والذي يؤسس لنموذجه خارج المكان الذي يتواجد فيه الطرف الاخر، ليغري الاخرين بالتحول اليه وليس المداخلة وارباك المسيرة.
الرؤى والتيارات والفلسفات حتى الدينية منها، تطرح مشروعها ولا تقارنه بأحد،  ولاتنصب نفسها ضد أحد مستغنية بذلك عن فتح جبهة ما في مكان ما. وعن اشغالها بالسجال مع فصيل معين تطوعت لمحاربته وهكذا نجحت او كان لها الانتشار والحضور،  كما تتميز فكرتها وتنشأ لها مفاهيمها وادبياتها التي تنمو بالتطوير وليس بردات الفعل او الاستفزاز الحزبي والديني، ويكون لها مملكتها الخاصة التي تؤسسها ابتداءا وليس بناء على ركام آخر،
المدرسة الغربية في العلمنة حينما طرحت نفسها اول الامر استحضرت هذا الهدف فيما يبدو. صحيح انها كانت ردة فعل لسيطرة الديني على الحياة الاجتماعية والسياسية، ولكنها اعلنت شعار فصل الدين عن الدولة، ولم تشرحه ولم تفند اراء الاخرين، ولم تَسِر مع الخطاب الديني بموازاة، لتنقذه من احباطه وتمنحه فرصة للدفاع والهجوم، أو التشهير بها خاصة وانها تعلم انها بصدد تيار سوف يعاكس ضمنا شريحة كبيرة قابعة على الماضي لسبب او لاخر. وأدته في هدف محدد تحقق سريعا ( فصل الدين عن الدولة ). والشيوعية كانت كذلك لم تبن فكرها على ركام آخر او انقاضه ولا على اركانه كذلك. كان لها مشروعها الخاص، ولم يكن موجها ضد الخطاب الديني بالاساس ولا احتكت معه، رغم محاولات الامبريالية الحثيث لتأليب الديانات كلها ضد الماركسية من جانب الالحاد ما شابه ذلك، ولم تحتك بالديني الا عندما كان يعمل ضدها فوأدته بلغة غير الشرح والاقناع ومحاولة نسف أسسه الفكرية. وهكذا تضاءل الخطاب الاصولي حيث لم يجد متنفسات فكرية يعبر عنها، ولم يجد من يتطوع من التيارات الاخرى لشرحه وتفسيره وتفنيد اطروحاته. بعد هذا التمايز كان الفكر حاسما في ترسيم حدوده وحمايتها، ولم يسمح للديني أن يعبث مرة أخرى بالحياة وتجلى هذا الموقف واضحا حينما حاولت اخيرا الكنيسة أن تضع بعض قراراتها في السياسة واصدر البابا بعض التعليقات التي تغمز من جانب العلمانية في الغرب، مما اضطر القادة السياسيون أنيستبقوا زيارة البابا لواشنطن بالحديث عن فضائح الكنيسة، واراد البابا ان يعطل قرارات علمانية مثل المثلية والاجهاض، وتجلى بصورة اوضح حينما ضغط الغرب على البابا الحالي بضرورة مراجعة بعض المفاهيم لتتلائم مع الوضع العقلاني لاوربا، فكان خطابه الاخير بشأن رمزية الجنة والنار ورمزية قضية الخطيئة وحواء. 

 وبالمقارنة مع التجربة العربية او الاستنساخ العربي للتجربة العلمانية، نقول أن المدرسة العربية ولدت بتصور قاصر او لاتملك المشروع الثقافي له، فهي تقتات على تفنيد طروحات الاسلامويين وتنقية مقولاتهم حتى اعلنت صراحة أنها ضد الدين. او ربما وجدت أن المترسب اكبر من ان يجعلها تطرح برنامجها المستقل،  أو أنها لا تملك الادوات اللازمة لذلك. أو أن المزاج الثقافي العربي كان يحبذ المهادنة او الملائمة او ما يعرف بالحل الوسط الذي يشيع في التفكير العربي المستقي من الديني، وشجع على ذلك قيام التيار الديني بالاقتراب من فكرة المواءمة والوسطية، و نرى ذلك واضحا في دأب علماء الدين الاسلامي في فترة الخمسينيات أيام سيادة نظم اجتماعية وسياسية اعلنت القطيعة معهم،  وتركتهم على الهامش فبدأوا يتحسسون مكانتهم، فاستخدموا نوعا من البراغماتية الدينية المسموحة التي هي اقرب الى الانتهازية. فلما علت الخطابات والتيارات الفكرية والسياسية من شيوعية وعلمانية ووجودية وتيارات فلسفية أخرى، قاموا بالمحاكاة والاقتراب من هذه التيارات بغية اختراقها. فكتب منهم الكثير مؤلفات حول اشتراكية الاسلام، وعلمانية الاسلام، والوجودية في الاسلام، والاسلام والفن والحياة، والاسلام والعلم الحديث، كلها تصب في خلق حضور جديد على مستوى هوى الناس ومزاجها انذاك. بعد أن احس الاسلامويون بالتهميش وعدم الاهتمام وتحول المثقفين والنخب عنهم، وقام بعضهم متحمسا وباصرار بشرح نظريات داروين وفرويد وادم سميث وسارتر شرحا اسلاميا . تماما كما يفعل شيوعيو اليوم وقوميوه وبعثيوه وعلمانيوه بشرح الاسلام شرحا شيوعيا وبعثيا وعلمانيا. ومنذ تلك الفترة وتاسيسا على هذه النزعة التي حضرت بقوة لدى تيارات العلمانيين، واستفحلت بوضوح اكثر اخيرا. لم يزل الخطاب العلماني غائصا في اوحال الاسلاموية وعالقا فيها. وهو الامر الذي جعل اركون يقفل كتابه، فيما الفصل الاخير منه لازال في شرح تنوير التراث ورفع القدسية عنه. ولازالت تعريفات بعض الكتاب والمفكرين لجهود العلمانيين العرب توصم بالحيرة والمقارنة بين التراث بمعنى ( الديني ) والمعاصرة بمعنى ( المدني العلماني ).

ففي وصف ناصيف نصار لما كُتب يقول في كتابه ( الاسلاميات التطبيقية ) بان الحيرة المعرفية والهوياتية سمة مشتركة بين اركون وسعيد. او هو تحرير العقل عن طريق النقد والتجاوز كما قال رضوان السيد، كرس كل جعبته الملأى بالمعارف الانسانية في محاولة تطبيقها في واقع اسلامي متخيل، يعني رضوان السيد جعل اركون في ثنائية المتحرر المتدين مما يؤكد مقالتنا. او كما يقول مطاع صفدي، كتابه تاريخ للافكار أكثر منها سردية الاحداث وتحقيقها.

هناك ظاهرة تعاطي ثقافي مع الموروث متجذرة في الواقع العربي، هي قوية بما يجعل من الصعوبة اجتثاثها، وهي اقوى حينما لا يملك الخطاب العلماني خطة فكرية ولا ذخيرة ولا برنامج بديل. تتلخص في أن بعض المفاهيم والرؤى متكلسة في الذهن العربي، وهذا التكلس سد بعض الثغرات والفراغات الموجودة في الجوف الانساني ويبدوان الانسان ( العربي والمسلم خصوصا ) غير مستعد للمغامرة بازالة هذا الكلس، وغير معني بالتنظيف اصلا لحساب فلسفة اخرى او تيار آخر بديل غير مصحوب بتجارب وذاكرة وحروب ومصدر فخار والتزامات وما الى اخره. ويعتقد أن التركيز على الحياة بشكلها الحالي الهاديء وان شابه الكثير من المأسي، افضل بكثير من ازالة هذا اللباد المتكلس بفعل الزمن والتاريخ وبعض الحوادث الشاذة التي التزمت بها المجتمعات رغم شذوذها، لانها سدت فراغا في الذاكرة والهوية والحمية والعنوان، ولانها اعطت نوعا من الزهو والفخر وان كان فارغا، وشكلت كيانا سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا وان كان كارتونيا، وهذا ما يفسر التزام الناس واستماتتها في الدفاع عما تسميه المبادي والكيان، وهو في حقيقته دفاع عن مصلحة اقتصادية او ذاكرة اجتماعية يكون فيها الاباء والاجداد عبارة عن تميمة او متكئا يتوكأ عليها للبناء الى الاعلى والبروز، او كيان سياسي يقوم على اساس تلك الاجترارات البطولية والتاريخية.

باختصار اصبحت المفاهيم الدينية والحياتية تميمة وتعويذة يتعلق بها الناس في وقت لايملكون القوة لتأسيس تميمة أخرى من اي نوع، وهذا ما يفسر الى حد كبير تعلق الناس بالسخافة مع وجود العقل. من هنا تأتي صعوبة قيام تيار فكري جديد او حتى قيام تيار ديني عقلاني جديد، بلهَ قيام دين جديد.
على ضوء ما تقدم فلم تكن التحربة العلمانية اكثر من تماهي مع الديني وسجال وجدل فكري، فيما حافظ الديني على مذخراته بينما خسرت العلمانية بعض ادواتها واصبحت تستعير ادوات دينية حتى على سبيل المصطلحات والمفاهيم، ولم تكن اكثر من صف خلفي في مدرسة الدين و يشحذ به الديني همته وغيرته على الدين ويستثير نخوة المتدينيين به. ويشرعن في كثير من الاحيان اخطاءه وهزائمة ويعلقها على شماعة العلمانيين، كما يفعل اخوان مسلمو تونس ومصر. كلما فشلوا في تحقيق وعد قطعوه.

ولعل السؤال الذي يبدر ويطرح نفسه بعد هذه المقاربة، هو ما العمل ؟ وكيف نصحح او نتلمس الطريق لنهج اكثر فاعلية وتخلصا من المتعلقات. وربما كي تكتمل المقاربة ببعض المعالجات.
أمام العلمانية والعلمانيين العرب اليوم خطوتين لازمتين للسير في طريق جديد. هاتين الخطوتين ليستا كل المشروع ولكن ربما كانتا اللازمتين لكي نبدأ الخطوة الصحيحة،
الاولى : فك الارتباط مع الديني فكريا ليس بمعنى التنصل من الهوية المجردة. ولكن بمعنى الالتزام الوظيفي في التعاطي مع الحياة، وتأسيس خطاب مستقل غير معني بالديني ولا بطريقته ولا خطاباته، ورسم حدود ثقافية حدية معه، وطرح منهج ووجهة نظر في الحياة معتمدة على الرؤية الفكرية المبررة والمفعلة والمفسرة، وغير تلك القائمة على التنافس او التضاد مع الديني وان تباينت كليا معه. بمعنى اخر، بناء جديد لفكر جديد، وليس الترميم والبناء على انقاض ولا على ردات فعل الهاربين من الجحيم الاخر، وكلفة البناء هنا ستكون، اقل بكثير من كلفة الترميم والصيانة وتفكيك الخطاب وعقلنة الموروث. لانها تزيد من ارباك العقل العرب الذي سيأخذنا الى المقارنة مرة أخرى،  ولعل ابرز ما يجب ان يتوفر في هذه النقطة هو التحرر من الخوف والوصم بالابتداع، الذي يهرب منه اغلب المفكرين الذين يحاولون التنصل من الافكار العلمانية الصريحة بالمواربة والالتفاف على الفكرة وابهامها، لتضيع على العلماني نفسه، لكنها ترضي غرور الاسلاموي وتعطيه اشارات خاطئة.  ولشرح هذه القضية بالذات وهي فكرة التحرر من خوف الابتداع والتقول، يجب ان يتبنى الخطاب العلماني بديهية هي، أن الانسان أيا كان شكله ودينه وعرقه، ليس لديه مشكلة مع الله. انما المشكلة تكمن فيمن يتكلم نيابة عن الله، أيا كان سواءا كان صورة ملونة أم صورة عادية. واذا استقامت للناس هذه الحقيقة وهذا المفهوم. واذا كان للاخرين ان يتكلموا نيابة عن الله بتفويض انساني او مدعى، فهذا يعني ادلجة الاله وهو غير ذلك. فلنا الحق كاملا نحن أن نتكلم نيابة عن الله، الامر الذي يسوقنا الى دين جديد ( بالمعنى الادبي ) نأخذ به حقنا من التكلم مع جمهور المتكلمين المصطفين. وبهذا المعنى تكون العلمانية والليبرالية وحتى الشيوعية يمكن ان تكون اديانا في العصر الحديث، اذا كان بالمقابل ما يطرحة الاسلامويون هو عبارة عن ايدلوجية سياسية بحتة تلبس لباس الالوهية. لنسحب هذا الاحتكار من اشخاص هلاميين ( ديناصورات ) القوا في الوعي أنهم خلفاء الله في الارض. يجب أن تدخل العلمانية المعترك العقائدي بهذا الطرح الفكري، لا ان تدخل على استحياء او من الباب الخلفي، او تجلس على المقاعد كاقلية معارضة للاسلامويين الذين يحتكرون الاكثرية والمزاج والخطاب والوجدان الشعبي.

فاذا كانت الحواضن الفكرية التي يتحصن بها الرجعيون بهذا الكم من الدجل والكذب والمراوغة، ويطرحونها بوقاحة وتبجح واعتداد، فماذا لا يطرح الاخرون حواضنهم الفكرية السليمة والمعقولة والمجدية، على الاقل سوف تنتعش الفكرة وتُثرى عبر المعارضة والرفض. ولهم شرف المحاولة.
الى الان لا يجد المواطن العرعبي البسيط من كل مفهوم العلمانية كمنظومة كبيرة، الا عبارة انها ضد الدين، صحيح ان الدعاية الدينية مسؤولة عن هذا التبسيط المخل والتعريف الشائن، لكن العلمانيين يتحملون الوزر الاكبر في غياب اي برنامج فكري معروض ومتيسر لمن يريد الاستيضاح.

أما السؤال لماذا نجعل العلمانية والليبرالية والاشتراكية دينا ولا نبقيها تيارا او ايدلوجية مثلما هي ونفعله ونعتمده. سيكون الجواب ، أن هذه التيارات تفسر الحياة تفسيرا انسانيا متفقا عليه، فاذا كان الدينوي يطرح ماعندة كانساني وخيري ويسميه الدين فتشترك هذه الفلسفات بهذه التسمية من ناحية الوظيفة، واذا كان ما يطرحه اجتهاد بشري لما يفهمه، فليس هناك من بأس أن تكون جميع التيارات بما فيها الديني بكل ثقله مجموعة مدارس حياتية وفكرية، وعلى الانسان ان يتخير بدون اي اثم او لائمة بين تلك المدارس، لكن الديني الذي يحتكر صفة الدين ويترك لنفسه تسمية الاخرين باسماء أخرى، يعتمد على سحر كلمة الدين لدى المتلقي البسيط. هنا تبرز الحاجة ماسة الى عدم الاحتكاك او المقارنة او التماهي بالديني، لكي تكون للمدراس الفكرية حدود ثقافية وفكرية واضحة ومؤشرة . وأن ينصب كل الاهتمام والتركيز على طرح المعالجة الحياتية للفكر والمدرسة والتيار الفكري. حينما تطرح العلمانية رؤيتها في النظام السياسي وفي الاقتصاد وفي النظم الاجتماعية، وبوسائلها الخاصة وبمفرداتها الخاصة وبخطابها الخاص، تكسب الوقت المنفق في مجادلة التراث الذي لا يتعلق بالاقتصاد ولا السياسة ولا الاجتماع ولا يتعلق بتوفير الغذاء ولا الدواء.

الخطوة الثانية :
هي البحث عن لغة بسيطة مفهومة وواضحة في تسويق الخطاب العلماني بعيد عن الطرح الفلسفي المغرق في الغموض والابهام و والذي جعل كل ادبيات العلمانيين حكرا على النخبة وعلى مجموعة من الناس كثيرا ما تضيع بين فك رموز المعادلات الفكرية المعقدة. في مسيرة السجال الفكري مع الاسلامويين وفي مسيرة البحث المضني في التراث ورفع القداسة عنه وتفسيره عقلانيا، كان الكتاب والمفكرون العلمانيون، يضطرون الى تعقيد اللفظ والفكرة هروبا من المؤاخذة والمساءلة والوصم بالكفر، فخرجت لنا كتابات معقدة فعلا و كانت ثرية جدا، لكنها كانت نخبوية غير شعبية، محمد اركون كتب كما لم يستطع واعظ مثل عائض القرني ان يكتبه . لكن كتاب لاتحزن لعائض القرني المليء بالمواعظ والخيالات يباع ويُستهلك اكثر من اقراص المطربين الشباب، وهو ما يسهل رواج الفكرة المهلهلة والبسيطة مقارنة بثراء فكرة مثل محمد اركون وعقلانيات الجابري وغيرهم من رواد اصلاح العقل العربي. وكمثال اوضح للطرح الفكري، فقد اخفق العلمانيون كثيرا في تفنيد حقيقة ان العلمانية مؤسسة اصلا لضرب الدين التي روج لها الاسلامويون، والتي كانت السيف المسلط على ايا حركة او تيار تقف لهم مجادلة او مستدركة.

كثرت في الاونة الاخيرة في اوربا اساليب طرح الافكار، وباتت لا تقتصر على الكتب والمنشورات واتخذت اشكالا ثانية. ولعل منها المنابر الالكترونية او الاعمال الفنية و لم يتطرق لهذا المنبر العلمانيون وظلوا حبيسي فكرتين قاتلتين، هما فكرة مراقبة التراث وتخفيف تاثيره على العقل العربي، وقضوا بهذا جهدا ووقتا وسمعة، وفكرة السير وراء الاسلامويين في ذات المنابر التي يستخدمونها مع غموض في الطرح وتعقيد واستخدام ابراج نخبوية عاجية.
لعل في هذين الطريقين ما يسهل انزلاق فكرة جديدة في الطرح الفكري، ولعل هذا يفتح الباب لمزيد من الافكار ويشجع بعض المؤيدين لرواج الفكر المدني العلماني على طرح مزيد من الافكار، والعلمل على ولادة جديدة للعلمانية. سيما وان العلمانية امام استحقاق جديد وتحدي جديد، مع تراجع مرحلة الديني وتراجع الاسلامويين عن حصونهم وبداية تململ شعبي واسع من الاسلامويين وطروجاتهم المملة والمكررة و والتي اثبتت وقائع السنوات الثلاثة الماضية، انهم كانوا يبنون افكارا على الرمال و تهاوت سريعا في مناطق وتنتظر الانعاش الطبي في مناطق أخرى.
لذكرى محمد اركون المفكر والناصع كل المجد والخلود.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ميناتوروس

    هذا المقال من اجمل ما كتب في نقد الخطاب العلماني العربي و ادواته النخبوية.

أضف تعليق