الرهان الأمريكي على الإسلام السياسي / الحبيب الجنحاني

– قال صاحبي : هنالك أحداث تاريخية كبرى مربها المجتمع العربي الإسلامي لتتحول مع الزمن إلى سمة بارزة لمرحلة تاريخية معينة :

حركات التحرر الوطني مثلت السمة البارزة في النصف الأول من القرن العشرين ، و كانت سمة النصف الثاني منه الانقلابات العسكرية ، وحكم نظام الحزب الواحد الشمولي ، وقد وقعت بعض الشعوب تحت نير المحنتين ، و أعلنت هذه السمة فشل دولة الاستقلال بعد تحولها إلى دولة قامعة .

ثم حدث حدث جلل في مطلع القرن الحادي و العشرين تمثل في بروز ظاهرتين ، ظاهرة الانتفاضات ضد الاستبداد ، وظاهرة وصول الإسلام السياسي إلى الحكم في بعض الأقطار ، وبخاصة في معقل نشأته ، وتجربته التاريخية الطويلة مصر (1928-2012) .

– قلت : لا مناص هنا من التذكير بعلاقة العامل الخارجي بما حدث في المراحل التاريخية الثلاث ، وبخاصة في مرحلة النصف الثاني من القرن الماضي ، وهي المرحلة التي أصبح القول الفصل فيها أمريكيا ، وليس القوى الاستعمارية القديمة ، وكان هدفها الأوضح و الأبرز حماية أمن إسرائيل ، وبلقنة الوطن العربي لتصبح هي الدولة القائدة ، وهكذا امتزج أمن إسرائيل بالمصالح النفطية و الإستراتيجية للغرب.

وبعد غرق السياسة الأمريكية في مستنقع العراق و أفغانستان بدأ التبشير بشرق أوسط جديد تقوده إسرائيل باعتبارها ممثلة للغرب، وسقط المشروع بعد فشل الإستراتيجية الأمريكية في حل القضية الفلسطينية ، وكذلك في العراق ، وقد أسهما إسهاما بعيد المدى في تأجيج عداوة الشعوب العربية لسياسة البيت الأبيض في المنطقة .

– قال صاحبي : هنا حدث ما لم يكن متوقعا، حدث ما يمكن أن نطلق عليه مفاجآت التاريخ، فالتاريخ ابن الزمان و المكان، ومن المعروف أن لجدلية المكان و الزمان منطقا خاصا بها يبعثر الأوراق في أيدي المساكين بها ؟

-  -قلت: جدلية المكان و الزمان كانت لها مفاجآت كبرى، وفجرت أحداثا لم يحسب لها حساب يذكر.

تقدم لنا المنطقة العربية مثالا واضحا لما يمكن أن تؤدي إليه هذه الجدلية من أحداث مفزعة ، وما تعيشه بلادنا يندرج ضمنها. أبادر في هذا الصدد قائلا : إن هنالك من يدعي التحليل و التنظير زاعما أن الانتفاضات العربية، وفي مقدمتها انتفاضة الشعب التونسي الرائدة قد حركتها من وراء الستار أصابع أجنبية !

ان هذا الهراء يكشف عن جهل أصحابه بما عرفته ثورات الشعوب من روح تضامنية ، وعزيمة لا تلين عندما تنطلق الشرارة الأولى ضد الاستبداد ، وفي سبيل الحرية ، ويفضح في ذات ألان عقلية التهوين ، بل قل الإهانة للحشود الهادرة التي اكتسحت المدن التونسية و المصرية و اليمنية ، وغيرها ، وتصدت بصدور عارية لأحدث وسائل القمع الفاشي ، ووحدت بينها على اختلاف مشاربها السياسية و الفكرية كلمة واحدة الحرية .

إذا تدهورت الأوضاع بعد ذلك ، وعم الشعور بأن الأهداف التي مات من أجلها ألاف المواطنين العرب لم تتحقق، فليست الثورات المسؤولة عن ذلك ، وإنما تقع المسؤولية الأولى على النظم التي تولت السلطة بعد سقوط الأصنام .

من يعرف السياسة الغربية في المنطقة العربية ، وبخاصة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم يدرك جيدا أنها قادرة على الإفادة من الأحداث الكبرى ، ومحاولة التفاعل معها لتحافظ على مصالحها الإستراتيجية ، وبخاصة مصلحة طفلها المدلل في المنطقة إسرائيل .

هنا بدأت تحبك المخططات ، وليس في مرحلة إشعال الفتيل .

إن انطلاق قطار الثورات العربية من تونس جعل الولايات المتحدة تقتنع نهائيا أن نظم الاستبدادية التي ساندتها سنوات طويلة قد انتهت مهمتها ، وأن مرحلة التاريخية جديدة قد بدأت ، ولابد أن يكون لها تأثير حاسم فيها، واكتشفت مثل بقية الناس أن هذه الانتفاضات لا تملك قيادة سياسية ، ولابد من البحث عن قيادة ففتشت في ملفات مخططاتها القديمة لتكتشف العلاقة الغزلية بينها و بين حركات الإسلام السياسي، ورأت أنه قادر على قيادة المرحلة الجديدة ، وكي يكون المخطط الجديد مقبولا لدى القوى التي أسقطت الديكتاتورية فلا بد أن تتبنى حركات الإسلام السياسي لعبة الديمقراطية ، وهكذا بدأ التنظير للنموذج التركي في البلدان العربية ، و أنه قد برهن يومئذ ، وقبل أن تهب من صفوفه روائح الفساد، أنه لا تعارض بين الإسلام و الديمقراطية.

– قال صاحبي: ماهي الأهداف الكامنة وراء هذا الرهان ؟

-  قلت : ينطلق هذا الرهان من تحقيق الأهداف الأساسية التالية:

أولا : مهادنة إسرائيل ، وعدم المس بمعاهدة كامب دافيد .

ثانيا: التعهد بالتصدي للحركات الجهادية التكفيرية بعد أن اقتنعت الولايات المتحدة بفشل أي حرب كلاسيكية في التغلب عليها، فلا بد أن يتحول الصراع بين المسلمين أنفسهم.

ثالثا: الإسلام السياسي يمكن أن يستدرج لخوض صراع مذهبي سني- شيعي يؤدي إلى بلقنة أقطار عربية مثلت في الماضي خطرا على إسرائيل مثل العراق، وسوريا، ويؤدي هذا الصراع في خاتمة المطاف إلى إضعاف دور إيران إسلاميا و إقليميا لفائدة الحليف التركي، عضو الحلف الأطلسي، وصاحب العلاقات المتميزة مع إسرائيل.

ولم تمر على هذه المراهنة إلا فترة وجيزة حتى تبين أن الولايات المتحدة قد راهنت على جواد خاسر ، وهكذا وقع الأمريكان في حيص بيص ، وقديما قال العرب وقع القوم في حيص بيص، أي في اختلاط من الأمر لا مخرج لهم منه.

قال صاحبي : قبل أن تخسر الولايات المتحدة الرهان خسرته كذلك بعض الشعوب العربية لم؟ و كيف؟

-  قلت: إنها بداية مرحلة تاريخية جديدة لم تبح بعد بملامحها .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق