دونكيشوتية القَتَلَة «الجهاديين» وحظوظها الواقعية جداً / حسن شامي

يفترض، لدى نشر هذه السطور، أن تكون مهلة الأيام الخمسة انتهت. المهلة أعطاها تنظيم جبهة «النصرة» الإسلامي لنظيره، ومنافسه اللدود المعروف «داعش»، للاحتكام إلى شرع الله في ما يخص النزاع الدائر والمفتوح بين «داعش» وفصائل الجبهة الإسلامية المقاتلة في سورية. وتأتي المهلة في أعقاب مقتل القيادي في تنظيم القاعدة «أبو خالد السوري» بسيارة مفخخة، نفّذ تفجيرها أحد الانتحاريين الذين لا يبخل المشهد الجهادي في استجلابهم والوعد بالمزيد منهم.

وقد أرفقت المهلة المعطاة إلى يوم «التحكيم» بتوعّد الخصم «الداعشي» بإذاقته «المرّ العلقم» ليس في سورية فحسب، بل كذلك في معقله ومقلعه في العراق. وإذا صدقت تقديرات هيئة يمكن الوثوق بها كالمرصد السوري لحقوق الإنسان الذي تحدث عن سقوط 3300 قتيل في المعارك التي اندلعت مطلع الشهر الفائت بين «داعش» والفصائل الأخرى، جاز اعتبار «المر العلقم» أكثر بكثير من كلام مجازي لفتيان يستعرضون بطريقة فولكلورية تمثيلات على الفروسية والفتوة.

ينبغي أيضاً أن نمعن النظر في لغة البيان الذي خاطب «داعش» فيه «نصارى الرقة» واعداً إياهم، ليس من دون توعّد ووعيد، بمعاملتهم معاملة أهل الذمّة، مقابل فرض الجزية عليهم والتزامهم بسلوك وآداب تصرف تليق بالأسرى والسجناء، إذ تجعلهم أقرب إلى التواري عن الأنظار. فقد حمل هذا البيان، وفق «الحياة» قبل ثلاثة أيام، اسم عهد الأمان، وجاء فيه: «هذا ما أعطاه عبدالله أبو بكر البغدادي أمير المؤمنين نصارى الرقة من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر ذراريهم في ولاية الرقة. لا تُهدّ كنائسهم، ولا ينتقص منها…». لكن نص العهد اشترط على مسيحيي الرقة ألّا يقيموا في مدينتهم ولا حولها «ديراً ولا كنيسة ولا صومعة راهب. ولا يجددوا ما خَرِب منها»، و «ألاّ يُظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم (…) ولا يستعملوا مكبرات الصوت عند أداء صلواتهم».

ومن الشروط أيضاً دفع جزية على الذكور «مقدارها أربعة دنانير من الذهب» (كذا) على الأغنياء ونصف ذلك على متوسطي الحال ونصف ذلك أيضاً على الفقراء. وأوضح البيان أن اجتماعات حصلت مع ممثلين للطائفة المسيحية في الرقة، وأن هؤلاء خيّروا بين إشهار إسلامهم أو البقاء على دينهم مع قبول أحكام الذمة، فقرروا بعد مشاورات البقاء على دينهم وقبلوا أن يتم التعامل معهم على أنهم ذمّيون.

يخيل لقارئ هذا الخطاب وأشباهه في أدبيات الإسلامويين، كما حال «أبو قتادة» الذي هاجم «داعش» وأيّد الجولاني باللغة ذاتها، أنه حيال نص مرصوص مأخوذ من بطون كتب صفرٍ ورسائل وفتاوى ترقى إلى زمن مقطوع الصلة، من حيث المرجعية القيمية والثقافة التاريخية، ليس عن الأزمنة الحديثة التي نعيشها، بل حتى عن الحقبة العثمانية القريبة العهد نسبياً ونظامها القائم، مثالياً، على تعايش الملل وتجاورها، ناهيك عن انقطاعه العنيف عن حقبة التنظيمات التي سعت وأطلقت العنان لفكرة المساواة بين كل مكونات الإمبراطورية.

وما تستقيه أدبيات الإسلاموية الجهادية من المراجع التراثية يتعلق بصنف معين من الرسائل والفتاوى التي وضعت بلغة فقهية ذات طابع معياري مطلق، ولكن في ظروف خاصة تحتمل النسبية التاريخية وتحتمل بالتالي التروي، إن لم يكن عدم الصلاحية، في تطبيقها في كل زمان ومكان. وهذا ما يرفضه الجهاديون. فهم يريدون من هذه المرجعية لغة الغلبة والنزاع والتعبئة القتالية لانتزاع البيعة والولاء. وتستنهض أدبيات الجهاديين قيم الفتوة والفروسية ليس بالاستناد إلى مثال إسلامي مركّب انعقدت فيه روابط وثيقة بين طوائف الحرف والصناعات والطرق الصوفية وأخلاقياتها التضامنية والتفاضلية، بل بالاستناد إلى مثال القبيلة واشتغال عصبيتها «الطبيعي» على «التضامن الآلي»، وهو غير «التضامن العضوي» إذا جاز لنا استخدام تمييز وضعه إميل دوركهايم. صورة الأمة الإسلامية العالمية، في مخيلة الجهاديين الجدد، هي صورة القبيلة المعولمة. وفي العبارة هذه مفارقة هائلة.

يكفي النظر، حتى من دون استقصاء وتنقيب بل كيفما اتفق، في نمط التسميات والتكنيات الشائعة في أوساطهم، وفي الإحالات الجغرافية إلى مواطن الولادة والنشأة كما تشي بها هذه التسميات الكنائية وبعض مدلولاتها. المواجهة الحالية هي بين أبو بكر «البغدادي» وأبو محمد «الجولاني» وهناك أبو عمر «الكويتي» وأبو أنس «الليبي» وأبو حفص «المصري» وأبو خالد «السوري» وأبو مصعب «الزرقاوي» (نسبة إلى الزرقا في الأردن) إلخ. وواضح أن الأسماء الجهادية (الحركية في تجارب أخرى) تحيل إلى أمكنة جغرافية باعتبارها أوطاناً في المعنى الأولي والقاموسي للكلمة، أي أمكنة التوطن والإقامة والنشأة لكنها ليست أمكنة وفضاءات تتحقق فيها، أو يمكن أن تتحقق فيها، الصفة السياسية لهوية الكيان الإسلامي. ويتساوى في ذلك الانتساب الجغرافي إلى بلدة أو منطقة أو مدينة مع الانتساب إلى بلدان وأوطان في المعنى السياسي والحقوقي المفترض للكلمة. وطن الجهاديين المعولمين هو جهادهم وقتالهم الشمشوني لاستعادة الأمة المتخيلة ورموزها المتمثلين في أسلاف مغيّبين في بطون الكتب الصفر أو المرشحة للاصفرار.

ليست الأمة في مخيلة الجهاديين وعقيدتهم، حتى في المعنى الإسلامي للأمة، شيئاً يبنى بالتراكم والعمل. إنها كنز يخفيه الأسلاف في كتب فتوحات وسير بطولية محجوزة في كهوف الأزمنة الحديثة الخانقة. ينبغي تفجير هذه الكهوف لتحرير السلف من غيبتهم القسرية. وهم سيعودون إلى حاضرنا بضراوة تكافئ تغييبهم. ليس مهماً أن تكون الكهوف صورة مجازية مرعبة عن كيانات وأطر وطنية قائمة يجرب الناس فيها تحقيق صفة سياسية وحقوقية لتشكلهم كشعب يقبل الاختلاف والتنوع ويتعهدهما، ويضع قواعد عقلانية تحتاج بالتأكيد إلى مخيلة وطنية إبداعية للخروج من الهشاشة والتصدّع.

ثمة بالتأكيد جانب دونكيشوتي في مخيلة الجهاديين، والانتحاريين منهم خصوصاً. ولا مبالغة إذا قلنا إن العملية الانتحارية لا تهدف حصرياً إلى إرهاب العدو وسحقه، بل إلى اعتبار ذلك الثمن ضرورياً للانتصار على الذات، أي على مواصفات وضعية جديرة بالرفض جذرياً. يرفض دونكيشوت موت البطل ونهاية الفروسيات فيتخيل معارك مع طواحين الهواء، جاعلاً نفسه البطل الذي ينتصر على نفسه وزمنه. دونكيشوتية الجهاديين اليوم تجد في الهوامش المتضخمة، الفقيرة وغيرها، ما يكفي لجعل الهذيان برنامجاً واقعياً جداً وكابوسياً.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق