من تدبير العمران إلى قيادة الحرب العشوائية والعمومية / وضاح شرارة

لا يبدو أن إعمال القتل والعنف المباشرين والعمدين والجماعيين في السكن المدني، بذريعة القضاء على مسلحين وأعداء اهليين مقاتلين، يصلح حجة سياسية ومعنوية راجحة في عوالمنا، العربية المعاصرة، على «صاحب» القتل والعنف ومعملهما في «شعبه» ورعيته من مواطنيه. فالرئيس السوري السابق، حافظ الاول (1970- العام 2000، رسمياً)، سحق انتفاضة مسلحة وأهلية بحماة، في شتاء 1982، أسفرت عن مقتل نحو 30 ألفاً. وهؤلاء فيهم 5 آلاف من القوات الخاصة، جيش الطغمة المذهبية المستولية، ومثلهم ربما من مسلحي الجناح الاخواني «الطليعي المقاتل»، ونحو 20 ألفاً، أي ضعفي الجماعتين المسلحتين التقاتلتين، من سواد الناس وسائرهم، وهؤلاء غير ذي صفة، على ما قد يقال في تعريفهم القضائي أو القانوني او الروائي. وهم قتلوا- على ما روى أولادهم، أو صغار إخوتهم وأولاد اخوتهم، في اعقاب ربع قرن على الحادثة على حسابات او حيطان وسائط الاتصال الاجتماعي والشبكي التي يشتبه توسيطها أو توسلها «الزنى» على قول الهيئة الشرعية الداعشية بدير الزور- هؤلاء الـ20 ألفاً قتلوا على هامش الاشتباك وأطرافه وفيما هم يمرون ببنيَّات طرقه المتغلغلة في لحم السكن الاهلي والمديني. وتولى قتلهم، بعد اعتقالهم وجمعهم وفرزهم واستنطاقهم وتعذيبهم والتمثيل بهم، «رجال موت» حافظ (والشقيق) رفعت الاسد، ومتطوعون مساعدون معلومون ومجهولون.

الابادة ليست حجة ديبلوماسية

وفي أثناء 18 سنة تكاد تكون تامة، وسع الرجل الاول من رجال الموت هؤلاء، وهم كتبوا اسمهم ولقبهم مدلين بهما على جدران مقارهم ببيروت (فالعبارات الوحيدة الجائزة على جدران سوريا هي «مع الاسد الى الابد»)، حكم سوريا، وقيادة «دولتها»، و»بناء نهضتها»، والصراع بها وباسمها على الشرق الاوسط، وخطف عشرات الآلاف من السوريين من وراء أظهر أشكال العلانية ومبانيها كلها ونفي عشرات آلاف آخرين هرباً من تعقب رجال الموت وأرصاده وقانونهم- وسع رجل الموت الاول الاختيال في المحافل الدولية والاقليمية، موفور المشروعية السياسية، ممتلئ الجسد المقوي والخَرِب بقومية ملايين السوريين وثاراتهم وأحلامهم ونوازعهم الى حياة هي «وقفة عز فقط»، ووظيفة ثابتة، وانطواء على ضغينة مريرة. فلم يُسأل الرجل العَلَم على نظامه، ومن أضيفت سوريا اليه، وجمعت شظاياها الخرساء والمقهورة على اسمه، عن هذا الكحل القاتم في جفونه، أو الحدبة الكازيمودية والابن الرومية في ظهره. فأغضى «الزملاء» من اهل القوة والسلطة والسيطرة عن فعلة صاحبهم. وامتدح الحكام والولاة بالحق المشروع والحر الاستقرارَ والامن والاقتراع في المواقيت الدستورية، وغمزوا غمزاً رفيقاً وحيياً من بعض ارهاب هنا (و»هنا»تقتصر على مطارات وشوارع ومرابع أوروبية) وتجارة مخدرات هناك، على ضفاف اللجج اللبنانية والفلسطينية والسورية والعراقية والايرانية، وملاحمها.

وأهل الإغضاء والحياء من «الزملاء» معظمهم على شاكلة رجل الموت السوري الاول. وبعضهم لم تتح له فرص الاستيلاء والسياسة، وإدارة الازمات الاهلية والحربية، والمواقع الاستراتيجية المفتاحية والفريدة، التي تؤهل صاحبها الى الاضطلاع بأعباء القتل والموت، الجماعيين. فالعقيد معمر القذافي، وهو حلَّ «دولته» في زحف انصار ومحاسبين وموظفين، وضوى كتل العصبيات المتفرقة والمتناحرة الى اجهزته وسلطها على الخصوم والمعارضين والآخرين ند لرجل الموت السوري الاول، وأخ شقيق. وصدام حسين توأم روح لواء سلاح الجو وقائد فرع استخباراته، في المرتبة الاولى والاخيرة. والفريق عمر حسن البشير هو وارث حروب الجنوب ودارفور وكردفان وملايين قتلاها، وخطيب الشمال العربي وراقصه الاول. والعقيد الجزائري والالوية الذين آلت إليهم الكرسي، أبطال حرب تحرير من الكولونيالية البشعة والمستشرقة، فكيف تنكر أفضالهم، وينكر جهادهم وحقهم بـ»الامر» وحدهم. ومعظم الآخرين رجال «امن» وشبكات واستخبار وإيقاع واستدراج وعمليات بالتلزيم. و»الامر» أو الحكم، على ما اختبروا وعركوا وعجموا وتحدر اليهم من أوائل السلف العظيم والفاتح، مَكسر وقوة وصلابة وفحولة و»فروسية». فكيف يسأل هؤلاء عن جواز جمعهم من غير فرق ولا فصل في واحد. والحكم والقتل العمد، وإعماله في عموم الناس في اثناء «الحرب» أو العمليات الامنية، وقبلها وبعدها الى ذراري الجيل الثالث موقتاً؟ ومن يحق له سؤال واحدهم؟

وعلى هذا، بدا انكارُ قتل الحاكم وأجهزة حكمه و»دولته» الخاصة والمشتركة المتظاهرين والمعتصمين والمحتجين، غريباً ومفاجئاً. والحق ان مصدر الإنكار هو المحكومون أو الرعية، وليس «الزملاء». وعظّم الغرابة أن موضوع الإنكار الاول هو الشاب التونسي البوزيدي الذي قتل نفسه بيده حرقاً. فنُسب القتل الى من سماه ياسر عرفات، في بعض مواقفه الأريحية، «الزين» (ويقصد طبعاً زين العابدين بن علي). وهو لم يكن هذه المرة القاتل مباشرة بيده أو بيد أحد مأموريه من طريق الجهاز البيروقراطي المأجور. فنسب مقتل بائع الخضار المتجول الى رئيس جهاز الامن السابق والمستوي على «عرش» تونس منذ 24 عاماً، والى نظامه أو حاشيته المركبة والمؤتلفة (على منازعات عقارب) من اصحاب إقطاعات وإنعامات خاصة ومن خدمهم الموظفين «الكبار» وحرسهم وأهل فُتاتهم ونثرهم. وإذا تبع انكارُ «الزملاء» انكارَ بعض العامة والجمهور، فإنما جاء ذلك على سبيل التحوط والتدارك، من وجه، وسعياً في حفظ فرص التأثير في الاحوال اللاحقة والناجمة عن انهيار السلطة المتآكلة والمتخبطة، وفي مقارعة المنافسين والخصوم، من وجه آخر. فلم يُطعن على العنف المتعمد والقاتل لأنه يغلب على التدبير السياسي وينافيه من وجوه كثيرة، ولا لأنه يخرب علاقات الجماعات الوطنية بعضها ببعض وينأى بها من دوائر التأليف المركب والمتنازع ويشرِّعها على الاستقواء بموارد ومساعدة خارجية تطيل أمد الاقتتال لا إلى أجل وتحرره من التزام قيود مدنية حقوقية و»انسانية». فوُصم القتل على نحو ما يصم بعضهم ارهاب «القاعدة» وفروعها، بـ»الجبن»، وبأنه «يضعف الامة في وجه العدو» ويهدر طاقاتها ويفرق صفوفها…

إنشاء الحكم ومباشرته

وهذه المآخذ على النتائج والمآلات لا تنكر، ولكنها لا تتناول الأسس أو الاركان التي يصدر عنها إعمال القتل على شاكلة مؤسسة أو مؤسسات حكم وسلطة، والتوسل اليه بالنار على اشكالها، وبالحصار والتجويع وقطع الموارد والخطف والاعتقال والتهجير، والحؤول دون الاغاثة وزج قوى أهلية وعصبية في القتل… وقصر الاستنكار والطعن على نتائج العنف العمد المفضية الى الضعف والتفرقة وهدر الطاقات، من غير التطرق الى (نفي) مشروعية إعماله و(بطلان) أهلية «النظام» المبادر إليه، هو من قبيل احتجاج الأنظمة المستولية والمستبدة لعنفها القاتل والمددمر وتسويغه برد العدوان على السيادة القومية وعلى مناعة معسكر المقاومة والدور المحوري والرائد التي تضطلع به الانظمة في قيادة حركات التحرر… والاحتجاج المزدوج، على إعمال العنف ولإعماله، يعمى في صيغتيه عن محل السلطة الحاكمة من الجماعات المحكومة، ويتعمد تجاهل شروط هذا المحل وشغله أو إشغاله، وتبعات الشغل. فإذا استُبعدت أو علقت المقالات المعيارية والملائكية الملفقة في وظائف الدولة المفترضة و»ضرورة» انصرامها الى «خدمة المجتمع والشعب» ورعاية وحدتهما، والسهر على أمنهما ومنعتهما، وإسعاد المواطنين (على قول رئيس مقاول وحاكم بقروضه) ، لم يجز إغفال اختلاف حاد بين اجراءات تكوين الحكم (او السلطة) وإنشائه وإقراره على موقعه ومشروعيته وبين مباشرة طواقم الحكم والادارة وأجهزة القوة سلطاتها، وإعمالها الفعلي هذه السلطات. فإجراءات التكوين والانشاء والاقرار تنص على الفصل بين الصلاحيات المقيدة وبين معمليها أو ولاتها الموقتين، وتقيد شغل المحال وأداء الاعمال بالتكليف والمداولة، وتميز أجسام الادارة وتكليفها من الهيئات المنتخبة وتكليفها. وهي تقضي بدوام أعمال أو وظائف (القضاء والتدريس) وبانصرام أخرى من طريق مداولتها بين المنتَخَبين، على نحو ما تقضي بتفتيت الاجسام العصبية والاهلية وحل لُحماتها ومُسكاتها في إرادات وأهواء وأفهام فردية. وتُوجت هذه بدستور ملزم وإعلان حقوق.

ولا تتستر الاجراءات على مصادرها البورجوازية التنويرية، والديموقراطية الاجتماعية المختلطة والاوروبية. ولم تحل صفة المصادر المعلنة والمعروفة وبين غلبتها الشكلية على أنظمة من يجهرون مناوأتها ومناهضتها، إما باسم الثورة الاجتماعية (يساراً) وإما باسم أصالة حضارية وثقافية، اعتقادية أو قومية، لا تسبر فرادتها («يميناً»). والجماعات والاقوام التي قامت على دولها المستعمِرة الاوروبية، غالباً، وقاتلتها قتالاً شديداً، لم يصرفها قيامها ولا قتالها عن إنشاء دولها وتكوينها على الشاكلة الاجرائية نفسها. ولكن اجراءات التكوين والانشاء والاقرار أخرجتها «الدولة» العصبية والبيروقراطية الريعية (التي خلفت الدولة «الليبرالية» والكولونيالية ) من أدوارها ومبانيها ومقاصدها أو معانيها. فوحدت صلاحيات من غير قيد في ولاتها الأبديين. وألغت قيود التكليف والمداولة والمراقبة ودمجت الهيئات المنتخبة في أجسام إدارية متسلطة ومنقادة طائعة. وحكمت في الاعمال والوظائف والمواقع كلها إما بالدوام أو بالإقالة الاستنسابية. وأقرت الاجسامَ العصبية والاهلية على لحماتها أو سعت في إضعاف بعضها وإلحاقه بعصبية «دولة» غالبة، وأذكت تالياً تناحر العصبيات. وأنزلت الدستور غير الملزم وإعلان الحقوق منزلة «الاوراق التي تبلّ وتشرب ماؤها» على قول متأمر مسلح على جماعة خلاصية لا تأنف من ركوب سيارات الدفع الرباعي ولا من المقامرة في سوق ودائع موازية وفوائد من رقمين، شأن نسبتي البطالة والتضخم في بلدان هذه الانظمة.

وتطلب الطواقم الحاكمة والمتسلطة على «الدولة» العصبية والبيروقراطية الريعية لنفسها سلطات «كينونية» (على قول روح الله خميني في ولاية إمام الزمان) تتولى من الناس أو الرعايا أنفسهم من غير مساومة. والولاية أو التولي من الناس (وعلى الناس) أنفسَهم لم تنسب، في صيغتها الدينية والقَبَلية، إلا الى الله وحده، قبل ان يعلمنها فقهاء الاحكام السلطانية والامامية (على معنى الامام الحاكم)، ويحملوها على الحاكم «الامير» (صاحب الامر والقائم به). وعظمت الفرق الباطنية وحركاتها المسلحة والمقاتلة، وبعض الحركات الدعوية الخالصة، أمر ولاية «أولي الامر»، في مراحل المفاصلة والهجرة على الخصوص. وكان التعظيم هذا، في كثرة الأحيان، سلماً الى الغلو في التعظيم، والى التأليه والتشبيه والحمل على الحاكمية المطلقة. فوسع شيخ الجبل الاسماعيلي، وإمام فرقة الحشيشية، الايماء برأسه أو اصبعه الى مريديه أن اقفزوا من سور الحصن الى أعماق الوادي السحيق، وألقوا موتاً محققاً يُشهد عليه الزائر الاجنبي، الفرنجي والصليبي (حقاً)، برهاناً على ان حبكم الموت يفوق حب قومه الحياة ومتاعها الزائل. وتردد رجع هذا العمل- أمر المريدين بالموت وانفاذهم الامر في الحال على سبيل اختبار الطاعات- وهو مؤسسة شديدة التماسك، في مؤسسات معاصرة ثورية التقى مؤسسوها وقادتها على تسميتها بـ»الحرس»: الحرس الاحمر (السوفياتي) والحراس الحمر (الصينيون الماويون)، والحرس الثوري (الغني الايدي المباركة والمشهودة عن التعريف)، والحرس الوطني (أو قوات الدفاع الوطني، توأم لواء الفضل بن العباس وتوأم الجماعة الخمينية المسلحة)، كناية عن اليقظة والسهر على الدماء والفروج.

محو الفروق

وما كان أو ارتسم خيالاً أو يوتوبيا، على معنى الاشتراكية الخيالية أو «الطوباوية»، وتحقق في جماعات أو فرق ضيقة اعتزلت الجماعات الكبيرة وديراتها وربوعها، وخرجت على معتقداتها وسننها وسلطانها، جعلته مجتمعات «الازمنة الحديثة» ودولها المبتدعة والجاهلة حقائق ووقائع عامة قلبت مباني السلطة وإوالياتها ومقاصدها رأساً على عقب. وثورة «الديموقراطية»، في اميركا أولاً ثم في أوروبا على زعم ليبرالي وسطي من القرن التاسع عشر، هي اسم هذا الانقلاب الذي أنزل السلطان من عليائه وقدسه، وألغى مفارقته «المجتمع» وجماعاته وعلاقات الجماعات بعضها ببعض، وأدخله على دقائق روابط الاجتماع والتفريق وأحكام عمل الافراد والاحاد وسيرورات أحاسيسهم وأفهامهم. وآية هذه الثورة الفريدة تصديعها على نحو غير مسبوق مباني الجماعات «الطبيعية» الناشئة عن القرابة والجوار وسنن التبادل المتوارثة والمنازعة على الموارد الوافرة، وانشاؤها انشاء جديداً أو استئنافها على صورة «مجتمعات أفراد» توجب من نفسها أو تزعم إيجاباً تاماً، ومن تلقاء إرادات افرادها ورغباتهم وأفهامهم، شرائعها وروابطها ومعايير عملها والغايات التي تسعى في بلوغها. وهذه كلها «غير مسبوقة بوصية» (رينيه شار) أو مثال محترم (يتمتع بحرمة).

فلا محل، بهذه الحال، لمراتب أو أجسام وسيطة تلزم صاحب «السلطان» أو أهله بتوسيطها بينه (أو بينهم) وبين الرعايا- وهم عوام الجماعات المتماسكة في أجسام منفصلة وقائمة برأسها. فلا يضويها صاحب السلطان إلا من خارج ومن فوق، ويحكمها حكم استتباع من طريق مشايخها وأشرافها القائمين على لحمتها و»وحدتها». ولا سبيل الى وحدة الشعب السياسي، أو وحدة «الدولة الامة»، ما وسع الجماعات، وعشائرها وطوائفها وأصنافها و»نقاباتها»، حفظ قوامها ومسكة هذا القوام. والامر هذا وسعها على الدوام، الى يومنا، في حفظ عصبياتها وأمنها، وفي حفظ «دول» ملية أو قومية (على المعنى العصبي الدموي والقرابي، غالباً) هي سلطانات مموهة وراء قناع «دولة حديثة». وحين حافظت طواقم الحكم الجديدة- المتحدر معظم جيلها الثاني من انقلابات عسكرية وتأميمات جهازية، وسيطرة حزبية وبيروقراطية أمنية على مرافق الدولة وموارد المجتمع وعلى أبنية الدولة الموروثة من «التنظيمات» العثمانية، ثم من ابنية إدارة الدول الاستعمارية واحتلالها، استثمرت أو استغلت حتى الثمالة موارد الصيغة الديموقراطية ومنازعها الذرائعية والمركزية المتسلطة. ولكنها ابتكرت، على مثال حربي وتعبوي، صناعي وجماهيري، أنظمة هجينة أو موقوفة. وولَّت هذه الانظمة السلطانَ المستولي، والمستقوي بعصبية دموية وأهلية وسلكية ساحقة، سلطات وصلاحيات نافذة على رعايا خسروا معظم حمايات جماعاتهم الاهلية الضعيفة والمتصدعة، ولم يكسبوا أو يربحوا سلطة الافراد والمواطنين المنتجين والناخبين الغفل، ولا (شرعة) حقوقهم وإحصانها إياهم من التعسف المرتبي ووساطاته. ففازت «الدولة» العصبية والبيروقراطية الريعية، وطواقمها المتسلطة، بحرمة السلطان المتأله وخارجيته وفوقيته، من جهة، وبصلاحيات الولاية والتشريع والانفاذ غير المقيدة بمثالات تقليدية، والصادرة عن «الشعب« أو الامة مباشرة ومن غير جواز نقض أو احتكام الى نصاب يعلوها، من جهة أخرى. ويجمع هذا المخلوق العجيب والغريب صفات وأحوالاً ينقض بعضها بعضاً ويدفعه. فهو مفارق متعال ومحايث ومطوي حلولي معاً، وهو متشخص متجسد وكثير غفل، وهو كيان قائم بنفسه ومنفصل وكيان شعبه وأمته المتصل، وهو ارادة مستقلة وحرة وقدر مقسوم ومحتوم، وهو الكل والاجزاء. أو هو، بعبارات اخرى، الدولة والمجتمع، الحزب والشعب، الطليعة والقاعدة، القيادة والجماهير. ولا يترجح «الحيوان الاسطوري» هذا بين هذه الاقطاب في زمن يعاقب بين الاوقات والاوان بل يدمجها أو يدحوها في أزل لا قبل فيه ولا بعد.

وما يبدو ميتافيزيقا مبهمة وملغزة هو فيزيقا (مادة طبيعية) بائسة الوضوح والتفاهة. فما أن كتب أولاد درعا السورية على بعض جدرانها، قبل 3 أعوام ناقصة اسبوعين بالتمام والكمال، ما حسبوه إرادة «الشعب» حتى تحسس «الحيوان الاسطوري» أركانه وأسسه التي مادت تحته وهجم شاهراً أسلحة جيش يعد نحو 400 ألف جندي كان ادُّخر وسلح ودرب لقتال «أقوى آلة عسكرية في الشرق الاوسط» ولتحقيق «توازن استراتيجي» يسحقها حال انجازه. وأتبع هجومه الجرار بقتل وتدمير واعتقال وتعذيب وحصار وإغلاق وعزل وحظر وتقطيع أوصال وتسميم على ما كان يحصل في فتوحات البرابرة القدماء، وقبل الاستئمان وطلب الصلح والنزول على شروط التسليم. ورأس البربرية في هذا هو حمل «الدولة» المستولية المتظاهرين والمستنكرين والمحتجين العزل على اهل حرب وقتال، وحملها الشوارع والساحات وأحياء السكن، في الارياف «القبيحة» والمتأخرة («سياسياً) والمدن «الحسنة» والتقدمية والمستكينة، على ميادين قتل حر، وذلك على قول أميركي «فيتنامي» ثم «دروني» في حروب خارج القانون ومتحللة منه (على خلاف تقليد أوروبي غربي سعى في تقييد الحرب من طريق تصنيف وسائلها الجائرة وغير الجائرة وتمييز «اهلها» من غير اهلها، وتقنين معاملة الاسرى، وإنشاء قضاء ينظر في جرائمها…).

كيانا الحرب

فالنظام العصبي لا يسعه الاقرار بأضعف فرق فعلي أو مبدئي بينه، أي بين دولته وأجهزة القوة فيها وبيروقراطيتها البوليسية المركزية والميليشيات الاهلية، وبين «الشعب» المتخيل والمتوهم والمبدئي الذي توجبه إيديولوجيته المعلنة، وأساطيره المغرقة في إنكار الفروق ومحوها. وهو ينكر فروقاً تفترضها قوانينه الاساسية، والمواثيق الدولية التي أدرج بعضها في قوانينه على مضض شديد. وأولها الفرق بين الدولة وبين الشعب أو بين الدولة وبين المجتمع (على صفتيهما المختلفتين). ويضطلع هذا الفرق، وموجباته ومترتباته، بحماية الشعب او المجتمع من الدولة وتسلطها وبنودها حرمة الشخص المواطن وأهله وبيته وملكه، وإناطة الاجراءات في هذه الابواب بالقضاء وليس بالادارة «الامنية»، والفصل بين السلطات واستقلال القضاء، ومراقبته الاعمال الاجرائية غير التنفيذية مثل الاشراف على الانتخابات وصون الحريات وإحصان الحياة الشخصية، من غاياتها الجوهرية إرساء الفرق بين الدولة وبين الشعب والمجتمع على مداميك قانونية صلبة وثابتة. وعلى هذا، فإباحة شن حرب نظامية وكلية أو شاملة على جزء من المواطنين وعلى مرافق عملهم وموارد رزقهم ومعاشهم، وحمل انكارهم العدوان على حقوقهم وانتهاكها الصريح والمزمن على عصيان عسكري موصوف، يلغيان (الاباحة والحمل) دخول «الدولة» وشعبها ومجتمعها المفترضين تحت كيان واحد ومشترك هو كيان الدولة الوطني والحقوقي. فلا يستقيم الكيان الواحد والمشترك إلا على شرطي عمومية الوطنية والحقوقية. فلا تستأثر بصفة الوطنية جماعة من الجماعات، ولا توقف مراعاة الحقوق على ناس دون ناس. وإلا وقعت الحرب بين كيانين أو «دولتين» أو أهلين. وغفلت «الدولة»، أي الكتلة الغالبة والمتسلطة، عن ان حربها على كتلة كبيرة من محكوميها المنتفضين، وعلى عمرانهم ومواردهم ومعاشهم، تنتقص من مشروعيتها الاعتبارية والدولية إن لم تلغها أصلاً، وتدمر مواردها وتلعق دمها وهي تلحس المبرد الحربي.

والحق أن أنظمة الدولة العصبية والبيروقراطية الريعية العربية (والشرق أوسطية، على انحاء كثيرة ومتفرقة)، وحركاتها السياسية واحزابها ومثقفيها، مهدت تمهيداً مديداً، يكاد يكون في بعض الاحوال استراتيجياً، لتفتيت مسارح النزاعات والحروب الداخلية، وتناثر ميادينها، وفشو عنفها. فهي شاءت وتعمدت، منذ استيلائها على دولها وأجهزة حكمها، إناطة استيلائها وتسويغه بقدرتها وحدها على الاضطلاع بوحدة الدولة، وقيامها بلوازم الحفاظ عليها. وما قد يبدو بدائه لا جدال فيها لكثرة ترديدها يتستر على خُلْفٍ كثير الاوجه والتبعات. فالدولة التي ادعت الجماعة المستولية الاضطلاع بوحدتها، ونسبت الى نفسها وحدها القدرة عليه، ليست الكيان الجامع والمركب من عناصر متفرقة هي الشعب والمجتمع والمواطنون والاقاليم والعمران والمعاش والجماعات والاحزاب والهيئات والاجهزة والحكومة او الحكومات والسلطات، ولا اجتماعها كلاً وجميعاً في كيان رمزي هو «السلطة». فدولة الاستيلاء العصبي، في تعريف المستولين وعلى حدهم، هي السلطة الجوهرية والناجزة من غير عناصر ولا تركيب ولا تأليف. ووحدتها لا مضمون لها إلا صورتها وشكلها. ويوجب هذا حملَها على مثالات قصوى ومجردة. فهي واحدة على معنى ينفي انقساماتها وفروقها البلدانية الجغرافية والسياسية والتاريخية والقومية والاهلية والطبقية الاجتماعية والمذهبية الاعتقادية والمصلحية؛ وهي مستقلة وسيدة على معنى يغفل احتياجاتها وتبعياتها الطبيعية والاستراتيجية والامنية والقانونية والاقتصادية والسكانية؛ وهي مركزية على وجه يمحو المستويات البلدية والمحلية والاقليمية والخارجية من تقسيم عمل الادارات والسلطات؛ وهي وطنية قومية على نحو ينكر الفروق بين المسائل والمعالجات السياسية والتشريعية والقضائية والادارية والعرفية. ودولة الاستيلاء العصبي قطر وشعب وإدارة (دولة) موقتة في انتظار تمام الامة المعلق والمحتم.

ويقود هذا الاختلاط المعمي، والشديد الشبه بالعُظام الذي يسدل على الوقائع المشتركة والعمومية (على مقادير متفاوتة) نكراناً صفيقاً، الى اخراج البشر وخصائصهم من الحساب، الاستراتيجي والكوني على الدوام. وتعليق الوقائع الجزئية والثانوية على المعادلات الاستراتيجية والكونية التاريخية يجعل السياسة، أي تدبير العمران ضرباً من التمرين الرياضي (من الرياضيات) أو الجبري المنطقي والبسيط. ومقالات أو خطب «رجل الموت» السوري الاول الحالي، ومقالات طاقم سياسته الخارجية، وصمت الاعوان الآخرين كلهم، أمارات على نازع ديكتاتوريات حديثة كثيرة الى تغليب الاستدلال، وتعظيم السلطان من بعد، فوق ما يطيق البشر.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق