كتاب: صناعة البحر الوسيط.. تاريخ وحضارات

ساهم العديد من المؤرخين والباحثين في محاولة كتابة تاريخ البحر الأبيض المتوسط. هذا ما تشهد عليه سلسلة الكتب الطويلة المكرّسة لهذا الموضوع. ولعل من آخرها، كتاب المؤرّخ وعالم الآثار، سيبريان برودبانك: «صناعة البحر الوسيط.. تاريخ البحر الأبيض المتوسط منذ بداية العالم وحتى الحقبة الكلاسيكية». والمؤلف، أستاذ علم الآثار، سبق له وقدّم العديد من الدراسات عن البحر المتوسط.

ومن الميزات الكبرى للكتاب، أن مؤلفه يجمع بين البحث في الجغرافيا والتاريخ والثقافة وعلم الآثار وعلوم البحار والمحيطات، ليقدم رؤية «توليفية» شاملة للبحر المتوسط، منذ ظهور الحضارات الإنسانية في حوض هذا البحر، مثل الحضارة المصرية وحضارات شرق البحر الأبيض المتوسط والحضارات التي شهدتها بلدان جنوب أوروبا المتوسطية، وخاصّة تلك التي قامت في إسبانيا.

يؤكد المؤلف في هذا السياق، ميزة أساسية مشتركة، وهي أن الحضارات المتوسطية لم تكن في أي يوم من الأيام، منغلقة على نفسها. ومن هنا يؤكد أن جميع سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، من فينيقيين وعرب وبيزنطيين ورومان ويونانيين وغيرهم، ساهموا في «صناعة تاريخه».

ويحدد المؤلف القول إن أوّل حضارتين ظهرتا في حوض البحر الأبيض المتوسّط، كانتا: تلك التي قامت حول وادي نهر النيل، وتلك التي تلت ذلك في بلاد ما بين النهرين (توسّعت سريعاً وصولاً إلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط). ويشير إلى أهمية العوامل المناخية والجغرافية «كعوامل مشتركة»، في الظهور المبكّر للحضارتين.

يكرس المؤلف العديد من صفحات الكتاب، للحديث عن بدايات ظهور الزراعة والتجارة من قبل أولئك الذين عاشوا على ضفاف البحر المتوسط، منذ الحقب القديمة. ويلفت إلى أن البحّارة الأوائل كانوا من سكان حوض المتوسط. وكان الفينيقيون في مقدّمة أولئك الذين أطلقوا عليهم توصيف «شعوب البحر». ويوضح أنه منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، ظهرت الزراعة في مناطق متوسطية عدة، كان الأكثر ازدهاراً بينها في منطقتي الأناضول والبلقان. لكن بقي مستوى ازدهار الزراعة متفاوتاً، بسبب الانتقال البطيء للمعارف والتقنيات بين مختلف مناطق حوض البحر المتوسّط.

لا يتردد المؤلف في توصيف البحر الأبيض المتوسط، على أنه أحد أهم بحار العالم، من حيث مساهمته في صياغة التاريخ الإنساني كلّه. وكذا أنه منذ اللحظة التي بدأ فيها البشر بتصنيع القوارب والسفن تحوّل البحر المتوسط إلى وسيلة ربط بين القارات، مستفيداً من موقعه الجغرافي الوسيط في العالم «المعروف آنذاك». ومن هذا الموقع المتوسط، يستمد البحر المعني تسميته.

وانطلقت سبل التواصل على الصعيد البرّي من شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى أماكن بعيدة. وهكذا وصلت «طريق الحرير» بين مرافئ شرق البحر المتوسط وبين بلدان الشرق الأقصى، وصولاً إلى الصين، وانطلقت «طرق التوابل والأحجار الثمينة» من مصر حتى الهند، وربطت طرق تجارة البخور والعاج بين حوض المتوسط والشواطئ الشرقية للقارّة الإفريقية.

ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات الكتاب، تأكيد المؤلف أن البحر الأبيض المتوسّط كان على مدى آلاف السنين بمثابة «مركز موجّه» لمختلف النشاطات الإنسانية. ذلك أن شبكات الطرق التجارية وساحات المعارك وأمكنة لقاء الحضارات (بمجتمعاتها وثقافاتها ومعارفها وأنماط الاقتصاد المتنوّعة فيها)، إنّما شهدت كلّها بوادرها الأولى في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسّط.

المؤلف في سطور

سيبريان برودبانك. أستاذ علم الآثار في المعهد الخاص بالدراسات المتوسطية، التابع لمعهد لندن للآثار. يسهم بالكتابة في العديد من الدوريات والصحف. نال جوائز عدة، من بينها: جائزة المعهد الأميركي لعلم الآثار، جائزة «بونيسمان» في الميدان ذاته. سبق له وقدّم كتاباً عن «الآثار في آيسلندا، الجزيرة الصغيرة».

الكتاب: صناعة البحر الوسيط.. تاريخ البحر المتوسط منذ بداية العالم حتى الحقبة الكلاسيكية

تأليف: سيبريان برودبانك

الناشر: توماس وهدسون – لندن 2013

الصفحات: 672 صفحة

القطع: المتوسط

عن جريدة البيان الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق