عباس بيضون، الشافيات والسلبيون، والتداخل السردي / أنطوان أبو زيد

بعد روايتيه «ألبوم الخسارة» و«ساعة التخلّي»، يواصل الشاعر عباس بيضون تجربته الروائية بإصداره رواية «الشافيات»، عن دار الساقي، وفي 336 صفحة، من القطع الصغير.

للوهلة الأولى، يبدو للقارئ أنّ الرواية الأخيرة أكثر توسعاً في أمدائها وفضاءاتها مما عرفناه للكاتب في الروايتين السابقتين. وهي بالفعل كذلك، على ما سوف نتعرّف، ما دام الكاتب لم يعدْنا، منذ الصفحات الأولى، بقرب اطّلاعنا على مقصده الأساس، بل مقصدالراوي، من هذه الصفحات الطوال.

جلال مزهر، راوي الوقائع في الرواية الرسميّ والوحيد، والناطق عن سيرته الحاضرة والماضية، هنا يستنطق الحوادث والشخصيات لا عن ذاتها، بل عن ذاته، عن هويّته الحقيقية، من دون أن يمنع نفسه من روْز الماضي، أو بعضه، على ميزان السويّة العام، وبلا ميزان ظاهر، سوى ما يضمره السياق العام للأحداث والمستوى القيَميّ الماثل فيها.

في مستهلّ الرواية، يطلعنا جلال على حدث، يكاد يشبه سيناريو من فيلم محلّي، وهو أنّ ريقا شبّ في مركب يملكه ـ ولعلها كناية عن احتراق صورة الحزب التي نمّاها بالسرد ـ أنه صاعد الى قريته «الصنوبرية» ليصلح بيت جدّته «هديّة» الذي خرّبه بعضٌ من سكّان هذه القرية ممن ينتمون الى حزب «السّراط» (والصحيح الصّراط) بحجّة أنّ صاحبته ذات القدرة الشفائية العجيبة حتّى في مماتها، تؤوي الشياطين والسحرة في هذا البيت.

وسرعان ما يتحوّل سعي الراوي الى إقناع أهل القرية بسويّة جدّته وبمنزعها الخيّر، الى جهود محمومة للبحث عن جذوره حينا، ولشفاء نفسه المصدوعة بالانفصال عن زوجته كاميليا.

وتتوالى مشاهد الرواية السردية الثلاثة والستون، في ما يقارب عشرَ حكايات، في توليفة روائية واحدة؛ حكاية الجنّ وقدرات الجدّة الشفائية، ثم حكاية المعلم يوسف التي منها تنشقّ حكاية صبحية (أخت عبد الكريم) خادمته وغاوية الراوي لاحقا، ومن ثَمّ حكاية سلمى ابنة خال الراوي المطلّقة والعالق في شبقيّتها، وبعدها حكاية رحيل والديه (الراوي) الى البرازيل وإقامته لدى جدّته هدية، وتليها حكاية عدنان عليّان ـ والتي تذكّرنا بسليلتها رؤوف علوان برواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ، الصانع ثراءه على حساب الأفكار الثورية ـ الذي صنع مجده، بل ثروته من ضروب الاستثمار التي وفّرها له الحزب، حزب الشعب اليساري.

ولكنّ الحكايات هذه التي ما وني القارئ يراها تتناسل تحت ناظريه، وتنشقّ عنها حكايات أخرى جديدة، كان لها أن تنمو وتبلغ تمامها الدرامي الذي شاءه لها الراوي، بل الروائي الكاتب؛ فعلى سبيل المثال، صبحية هذه المرأة الشابة، ابنة قرية الصنوبرية، وأخت العامل عبد الكريم، الذي أعان الراوي على نقل أغراضه الى المنزل، نراها، عبر المشاهد السردية غير المتتالية، تتحوّل من مجرّد خادمة ملمّة بعائلة الراوي، الى امرأة غاوية إياه، وذات كيدٍ وحنكة وحنان، في آن. وقد أمكنها أن تقنع الراوي، أو هكذا يتبدّى لنا، بأوّليّتها في حياته. ومثل ذلك حكاية عدنان عليان، الصديق العتيق، والحزبي القديم، الى جانب الراوي، في حزب الشعب، والكذوب على احتيال، والثريّ على ادّعاء الثقافة والفكر والأدب، سوف يودي به المرض، فيموت، وتكشف زوجته روزيت للراوي الصديق أنّ جلّ «بطولاته» العنفية كانت زائفة، شأن كتبه. فتنكشف روزيت، هذه، لعين الراوي امرأة رزينة، عطوفا على عدنان، رغم عدم استحقاقه ذلك ـ بإقرار الراوي على لسان جدّته ـ منفتحةً على الناس وذات أنوثة وألفة، مما قيّض لعدنان أن يعيش بكنفهما. ولئن انتهت حكاية كاميليا، زوجة الراوي، الى خيانته مع صديقه عصام، فإنّ صورتها لم تبرح أن تكون نموذجية، بل قل على المثال الذي يحسن أن يكون عليه الرجل؛ فهي صاحبة الرأي الأول، والكلمة الفصل، ومثلما كانت المبادِرة الى إعلان حبّها على زوجها الأول، جلال، رأيتَها تسوق حبيبها عصام سوقا، وتعبثُ به كأنه اللعبة الجديدة التي حان دورها، في اللحظة المناسبة. إنهنّ جميعهنّ، للمصادفة العجيبة، ذوات شخصية بطولية بصورة من الصور، بدءًا من «هديّة» رأس القائمة التي عدّها البعض وليّة وشافية، وكانت، في حياتها، لا تزال حائزة زمام الإدارة البيتية، وصاحبة الرأي الراجح في أمور الحياة، ومرورا بصبحية، بطلة الإغواء والخدمة، وكاميليا بطلة المزاجية الفردية ذات البعد الثقافي، وصولا الى سلمى ابنة خال الراوي، وهي بطلة الشبق والابتزاز من زوجها، وانتهاء بمريم بطلة التلقين الغرامي، تفلح به رغم الإطار الاجتماعي التقليدي والقامع. وعليه، يمكن القارئ أن يطرح سؤالا: أتراهنّ الشخصيات الأنثوية البطولية هؤلاء، حزْنَ جميعهنّ على صفة «الشافيات» لكونهنّ وضعنَ لمساتهنّ الشفائية على حياة الراوي، جلال، لدى مرورهنّ به، على التوالي؟

وفي المقابل، يجد القارئ كلّ الشخصيات الذكورية، في الرواية، ممسوسة أو مستلبة، على أقلّ تقدير. حتى ليمكن إجراء لائحة بهذه الشخصيات تصحّ فيها صفة الشخصية السلبية، بدءا من الجدّ فارس عديم الرأي، والممحوّ إزاء زوجته هدية، ومرورا بالبطل السلبي، الراوي جلال مزهر، الذي آلت به الأمور الى الاستسلام لغاويته صبحية، وبلوغا الى البطل السلبي جدا، عدنان عليّان، الذي أثرى على حساب حزب الشعب وجهد في مواراة انحداره الأخلاقي بالأدب، وانتهاءً بشخصية عصام، حبيب كاميليا، بل عشيقها الذي لم يكن له يدٌ في كونه كذلك، شخصية هي من الدرجة عينها من السلبية التي وشّحها الكاتب، قبل الراوي، على امتداد الرواية. ومرّة أخرى، هل تعتبر هذه النزعة ـ اللاواعية على ما أرجّح ـ الى تجريد الشخصيات الذكورية من أي سمة إيجابية، نوعا من الانتقام للأمّ؟ أو هو إيثار لصورة الذكورة المندغمة بطابع الأنوثة، مما يغلبُ في شخصية الفنّان؟

اللافت الثالث في رواية عباس بيضون هو أنّ الحبكة القصصية فيها لا تتّبع مساراً خطّياً متواصلاً، بحيث لا يتحقق هرَمُ فرايتاغ فيها؛ فلا تبلغ الأحداث فيها ذروةً معلومة، لتبدأ بالانحدار تدريجيا، أو دفعة واحدة. بل لا عقدة تقليدية أو ملفوظة في سياق الرواية. إنمّا العقدةُ الأساسُ فيها هي انعدام السويّة في قرارة شخصية الراوي وشعورهُ بالخواء وانكسار المثُل والفراغ العاطفي، بدليل تخصيص المؤلّف ثلاثا وثلاثين صفحة بالمشهد (53) الذي يفصّل فيه الراوي مأساة انفصال كاميليا، زوجته عنه، فيما لم تتجاوز أغلب المشاهد الصفحات الأربع كمعدّل وسطي. والدليل الآخر هو أنّ الروائيّ قصد أن يضع حدّا للسرد لدى صياغته الوضع النهائي المفترض، والمتمثّل في اقتناعه بصبحية زوجةً، بعدما «عرفت ماذا ينقصني… أن أجد امرأة عند عودتي..». (ص:366) ولا نقول إنّ الروائيّ أحسن اللعب على التناوب وتقنية الاسترجاع، من الماضي القريب والطفوليّ البعيد، بل إنّ الرؤية السردية الواقعية ـ النفسية هي التي أملت على المؤلّف ألا يقيم كبيرَ وزن لترسيم الفضاء حيث تجري الأحداث، وإنما أن يسترجع لحظات معيّنة تكون بمثابة شواهد وأمثلة على مقدار صدقيّته في رسم الشخصيات والانطباعات عنها.

أما اللافت الرابع والأخير في هذه الرواية سعي الروائيّ الحثيث ـ وهو الشاعر الذي لم يغادر «متردّمه» بعدُ ـ الى تبعيد صورة الذات الكاتبة واللصيقة بموضوع الكتابة في الشعر، عن صورة الروائي المتواري خلف شخصياته، والمختلف عن هؤلاء هويّة وسماتٍ ووقائع وسيَرًا. ولئن أمكن الروائي، عباس بيضون، ان يبدّل أسماء الشخصيات المستمدة من وقائع سيرته، وأن يعكس السمات والوجوه عما كانت عليه في الواقع ـ وهذا شأن أي فنان تشكيلي أو روائي ـ فإنّ القارئ العارف الروائي، شخصا وتاريخا وحياة، يخلص الى أنّ القسط الأهمّ في سيرة الروائي والشاعر كان موضوعا، ههنا، تحت مجهر النقد والمساءلة والفضح والتفصيل والمحاججة الواضحة، للمرة الأولى. وعليه، سوف يكون كلام لاحق عن فساد الأحزاب اليسارية، وميوعة الذكورة، وانتصار الفكر العادي الأليف، وإن غيبيا، على الفكر التعصبي الجاهل، والعديد من المحمولات الفكرية والأسلوبية التي تحتاج الى تدقيق آخر.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق