من مواقف الرفض إلى مهادنة الحداثة في الشرق الأوسط / طلال المَيْهَني

بات من التقليدي النظر إلى حملة نابليون على مصر، وما رافقها من علماء وباحثين، كحدثٍ مهمٍّ أسَّسَ للصدمة الثقافية التي عاشها «الشرق« إزاء حداثة «الغرب«. لم يكن هذا اللقاء بكلِّ تأكيدٍ الأول بين ثقافتين عملاقتين، فكُتُبُ التاريخ ملأى بلقاءات الرَّحَّالة والعلماء والبعثات الدبلوماسية والقوافل التجارية والحملات العسكرية. لكن ما جعل صدمة اللقاء مع الحملة الفرنسية فريدةً من نوعها هو دورها في التأسيس لوعيٍ ذاتيٍّ بالواقع المتخلف للمنطقة بالمقارنة مع «الآخر«؛ وعيٌ هزَّ الساحة الفكرية الراكدة، واستدعى سلسلةً من ردود الأفعال والمواقف تجاه الحداثة في مرحلةٍ سميت بـ «اليقظة العربية«.

في هذا السياق عَمَدَت «النخب التقليدية« بأنماطها الدينية والحاكمة وغيرها إلى اتخاذ مواقف مُهَادِنة للحداثة: هدنةٌ مَرْحَلِيّةٌ تسعى إلى التغطية على مواقف رفض الحداثة التي كانت تتنامى نتيجةً للوعي الذاتي بواقع المنطقة. لقد اعترفتْ هذه المواقف التي رافقت «اليقظة العربية«، وبنوعٍ من التسليم، بفارقٍ شاسعٍ على مستوى القوة المادية والتَّحَضُّر والأخلاق العامة، وعملتْ بالتالي على التنبيه إلى حالة التخلف والضعف السائدة. ويبدو أن مثل هذه المواقف المُهَادِنَة ما كان لها أن تكون لولا وجود مستوىً من النباهة لدى بعض رجالات «اليقظة العربية«، ورعايةٍ تنويريةٍ، وإنْ بالحد الأدنى، من نخبٍ فكريةٍ وافدةٍ، أو من «نخبٍ حاكمةٍ« ذات نَفَسٍ إصلاحيٍّ (نسبياً).

وكمثال بارزٍ على شريحةٍ من رجالات اليقظة العربية المحسوبين على «النخب الدينية« تُمْكِنُ الإشارة إلى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (ت. 1873م)؛ المُرَافِق الديني للبعثة المصرية التي توجّهتْ إلى فرنسا عام 1825م. فقد ترك الطهطاوي، وهو الشيخ الأزهري الذي عاش في عقده الثالث الصدمة الثقافية في أوروبا، ترك كتاباً بعنوان: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز« يوثِّقُ فيه جانباً من مشاهداته اليومية. يشكِّل الكتاب نموذجاً لمواقف المُهَادَنَة التي أبْدَاها عالمٌ إسلاميٌّ رسميٌّ مع الحداثة، بعد أن استثمر مناخ الانفتاح النسببي في مصر في ظلِّ حكم محمد علي باشا (ت. 1849م). وفي صورةٍ يمكن ذكر عدة مناطق كانت قد خرجتْ عن سيطرة الدولة العثمانية كالمغرب وتونس (وربما كانت الأخيرة من أكثر الأمثلة نضجاً في المنطقة الناطقة بالعربية).

أما في المناطق التابعة للسلطنة العثمانية (كما في بلاد الشام) فلم تكن مواقف المهادنة تجاه الحداثة متأثرةً بمواقف السلطة المركزية، وهذا ما أعطى دوراً مهماً للاحتكاك المباشر بين الجماعات المحلية وبين الأفكار الحداثية (مثلاً عبر مدارس الإرساليات الأجنبية التي انتشرت على الضفة الشرقية للبحر المتوسط). لا يعني ما سبق أن «النخب الحاكمة« في الدولة العثمانية كانتْ بعيدةً عن مواقف المهادنة. فرغم الفساد المتغلغل في مفاصل الدولة، سعى بعض الإصلاحيين في القرن التاسع عشر، كمصطفى رشيد باشا (ت. 1858م) ومحمد أمين علي باشا (ت. 1871م)، إلى إطلاق عملية تغييرٍ شاملة. وقد تلاقتْ هذه المساعي، للمفارقة، مع ضغوطاتٍ كانتْ تمارسها القوى الأجنبية عبر قناصلها الذين أخذوا على عاتقهم «حماية« مصالح وسلامة بعض الأقلّيات. وهكذا فقد تم البدء بتحديث التشريعات والقوانين الناظمة للسلطنة، فكان فرمان التنظيمات (خطي شريف غولهانه) الذي انطلق عام 1839م في عهد السلطان محمود الثاني (ت. 1839م)، وفرمان إصلاحات (خطي شريف همايون) عام 1856م في عهد السلطان عبد المجيد الأول (ت. 1861م).

لم يطرأ في هذه الأثناء تغيرٌ مهمٌ في الواقع الاجتماعي/الثقافي/الاقتصادي سواء في المناطق التي خرجتْ أو بقيتْ تابعةً للسلطنة العثمانية. فباستثناء صعود شريحةٍ جديدةٍ ارتبطتْ بالقوى الأجنبية على مستوى الوكالات التجارية والترجمة، بقيتْ «النخب ذات الثروة« في هذه المرحلة امتداداً «للنخب الحاكمة والدينية«، أو «للنخب الأهلية« التقليدية كزعماء العشائر والوجاهات العائلية والمخاتير. وبقيت المنظومة الاجتماعية والاقتصادية تتبع أساساً الأعراف والتقاليد المحلية والريعية.

وبالتوازي، ومنذ أواسط/أواخر القرن التاسع عشر، بدأتْ طبقةٌ جديدةٌ من «النخب الفكرية« بالتشكُّل في المنطقة، مستفيدةً من الحراك الفكري في «الغرب«، ومن الانفتاح الذي كان يفرض نفسه تحت رعاية بعض «النخب الحاكمة«. وقد أسست «النخب الفكرية« حالةً مختلفةً بالقياس إلى المنظومة القائمة التي اعتادتْ مقاربة الأشياء والمفاهيم وِفْقَ أعراف تقليدية أو رُؤىً مُقَدَّسَة. كما أنها أطلقتْ، بعد قرونٍ من احتكار الساحة الفكرية من قِبَلِ «النخب الدينية«، منافسةً مع الفقهاء والوُعَّاظ التقليديين حول من سيمتلك «سيادة« العلم/المعرفة، وحول تعريف ومحتوى وغاية العلم/المعرفة.

ضمّتْ هذه «النخب الفكرية« في صفوفها مزيجاً من الرموز الدينية الإصلاحية (كعبد الرحمن الكواكبي، حسن العطار، علي عبد الرازق، وغيرهم)، والرموز غير الدينية (كبطرس البستاني، فرح أنطون، شبلي شميل، وساطع الحصري، وغيرهم). وقد تبنَّتْ توجهاتٍ ليبراليةً أو قوميةً أو تقليديةً إصلاحية، ما أدّى إلى مواجهاتٍ بين مختلف التيارات الفكرية كانت المناظرة بين محمد عبده (ت. 1905م) وفرح أنطون (ت. 1922م) مثالاً صارخاً عنها حسب الباحث محمد الحداد. وتمكن هنا هنا العودة إلى أعمال الراحلين رئيف الخوري وهشام شرابي كآثارٍ كلاسيكيّةٍ تُؤَرِّخُ للأفكار التي حملها رجالات تلك المرحلة.

أفْضَى مجموع هذه التطورات الناجمة عن المواقف المُهادِنَة للحداثة إلى إغناء الساحة الفكرية، ونموّ الدوافع والعواطف القومية، وتدشين وعيٍ ذاتيٍّ بالهوية (أو الهويات)، مع تطلعاتٍ طموحةٍ ومتناقضةٍ وغائمةٍ نحو نهوضٍ ما. وترافق ذلك مع ثورةٍ واضحة في مجال التربية والتعليم (حيث بدأ هذا المجال لأول مرةٍ مُتاحاً لشرائحَ واسعةٍ من الناس). فتم تدشين التعليم الرسمي (وفيما بعد الإلزامي) بعد فَصْلِهِ نسبياً عن الدوائر الدينية؛ كما في إنشاء مدرسة المترجمين (مدرسة الأَلْسُن) في القاهرة عام 1835م حيث أشرف عليها الطهطاوي، أو في إنشاء المدرسة الصادقية في تونس عام 1875م من قِبَل خير الدين التونسي (ت. 1890م) في عهد الصادق باي (ت. 1882م). وأُدْخِلَتْ تعديلاتٌ إلى المناهج الدراسية شملت حتى معاهد الفكر الديني التقليدية كما في محاولات محمد عبده في الأزهر، والطاهر بين عاشور في الزيتونة. ومع مرور الزمن تم تدعيم هذه «النخب الفكرية« بأجيالٍ من خرّيجي مدارس القاهرة واستنبول وتونس، أو تحت رعاية الإرساليات الأجنبية كجامعة القديس يوسف اليسوعية والكلية البروتستانتية السورية (الجامعة الأميركية في بيروت حالياً).

لكن يجب التأكيد على أن هذه التطورات لم تكن في كل الحالات تعبيراً عن تصالحٍ مُخْلِصٍ مع حداثة «الغرب«، بقدر ما كانتْ محاولةً للوصول إلى حالةٍ من النِّدِّيّة والتنافسية معه. «فالنخب الحاكمة« الإصلاحية وغيرها كانت مهووسةً بعُصاب السلطة، ومحصورةً ضمن بُنىً استبداديةٍ عتيقةٍ ومتحجّرة. كما أن المهادنة التي أظهرها هؤلاء الحُكَّام كانت نتيجةً لشعورٍ دفينٍ بالدُّونية تجاه التطور المُبْهِر الذي حققه «الآخر«، ونتيجةً لاندفاعٍ نحو اللَّحاق بهذا «الآخر« بقَصْدِ التغلُّب عليه. وهذا ما قد يفسر إهمال هذه «النخب الحاكمة« للأسس التي يجب أن يبنى عليها أي تغييرٍ حداثيٍّ شاملٍ ومُسْتَدَام على المستوى القانوني والاجتماعي والثقافي والسياسي، وانشغالها بدلاً من ذلك بإحداث تغييراتٍ جزئيةٍ ومحدودةٍ في مجالات تصنيع السلاح والتحديث الإداري. وقد تقاطع ما سبق مع الغياب المزمن في البنى الدستورية والقوانين، وتغييب الحريات والحقوق الأساسية على مستوى الممارسة والنظرية. ونتيجةً لهذا الوضع فقد غدا أيُّ إصلاحٍ سلطويٍّ قضيةً تابعةً لمزاجية الحاكم حتى على مستوى التربية والتعليم (كما في نَفْي الطهطاوي إلى السودان عام 1850م في عهد الخديوي عباس (ت. 1854م)). وعلى المستوى العملي فقد فشلتْ هذه التغيرات الجزئية في الوصول إلى النتائج المرجوة (حتى لو افترضنا حسن النية عند القائمين على عملية الإصلاح). ففي الدولة العثمانية مثلاً، وبسبب ضعف مركزية الدولة وهزال سيطرتها على الولايات والأطراف البعيدة، وبسبب استفحال الأعراف المحلية والتقليدية كلما ابتعدنا عن المركز، لم يتسنّ للإصلاحات أن تثمر. فاقتصر أثر «التنظيمات« العثمانية على استنابول وبعض المراكز المدينية، دون أثرٍ عميقٍ ومستمرٍ على المناطق البعيدة عن السلطة المركزية (كما في معظم مناطق بلاد الشام والجزيرة العربية والبلقان).

ولم تكن «النخب الدينية« (حتى الإصلاحية منها) في حالٍ أفضل من حال «النخب الحاكمة«. صحيحٌ أن بعض رجال الدين قد أبْدَى قدراً من المرونة، ولم يرفض رفضاً مطلقاً تلك الحداثة (في صورةٍ موقتةٍ على الأقل)، إلا أن المواقف كانت مشبعةً إجمالاً بمركزية الذات؛ تلك المركزية المتقوقعة على نرجسية الأنا، والمؤمنة بامتلاك الحقيقة المُطْلَقَة، والتي تعتبر كل ما أنجزته البشرية، باختلاف الأزمنة والأمكنة، امتداداً لتراثنا ولما هو موجودٌ عندنا «نحن«. يضاف إلى ذلك أن غياب الكهنوت الإسلامي جعل مواقف المهادنة هَشَّةً، ومنعها من التحقُّق في صورةٍ شاملةٍ ومؤسساتية. فعلى مستوى الفكر الديني الرسمي برزتْ حالةٌ صارخةٌ من التباين واللاتجانس في هذه المواقف، حيث قاومتْ شرائح كثيرةٌ من الفقهاء والوعاظ أيَّ محاولاتٍ للتطويع الحداثي. أما الفكر الديني الشعبي وغير الرسمي والخارج عن السيطرة المباشرة للبلاط فقد بقي في حالةٍ من الرتابة والانغلاق، وبعيداً عن ضوضاء المجابهة مع الحداثة. وعليه لم يتشكَّل إصلاحٌ حقيقيٌّ وشاملٌ في الفكر الديني، بل محاولاتٌ سطحيةٌ ذات بعدٍ فرديٍّ وأثرٍ محدودٍ في أحسن الأحوال.

ترافقتْ هذه المواقف مع استمرارية «النخب الأهلية« في سيطرتها على مجتمعاتها المحلية، وبروز قضايا الانتماء إلى العشيرة والقبيلة والمنطقة والعائلة كعواملَ مُنَاقِضَةٍ ومُعيقَةٍ للانتماء إلى «الدولة« التي كانت إحدى أهم نتائج الحداثة (وعملياً كان «مفهوم الدولة« واحداً من العوامل التي أجَّجَتْ هذه الانتماءات الضيقة). ومع أن أصحاب الثروة ورؤوس الأموال -وهم شريحةٌ متماهيةٌ مع «النخب الأهلية«- كانوا أكثر براغماتيةً في تعاملهم مع «الآخر« (نزولاً عند منطق التجارة الباحثة عن الربح)، إلا أنهم لم يكونوا قادرين على ما يبدو على التَّحَرُّر وتشكيل فئةٍ برجوازيةٍ مستقلةٍ على غرار ما حدث في الغرب الأوروبي، وهذا ما أدّى إلى حرمان الحراك الحداثي في المنطقة من أساساته الاقتصادية-البرجوازية (بالمعنى المديني، وليس بالمعنى الرأسمالي الغربي بالضرورة).

ومع أن بروز «النخب الفكرية« في المنطقة كان باكورةً ليقظةٍ محتملة، إلا أن الطبيعة الفصامية والمُؤَدْلَجَة لهذه «النخب الفكرية«، ومُيُولها الشوفينية، وتأثرها السَّطحي والحماسي بالفكر الغربي في صورته الجاهزة، ومزجها بين الفكر وبين الاصطفاف الحزبي والفئوي الضيق، كانتْ من الأسباب التي منعتها من التحول إلى نخبٍ من «المفكرين الأحرار«، ومنعتها من التعامل مع الأحداث بواقعيةٍ مُتَحَرِّرَةٍ من أَسْرِ الأيديولوجيات المحددة سلفاً والمتصارعة. أدى هذا الواقع إلى إبقاء آليات ومناهج التغيير في مرحلة «اليقظة العربية« مقتصرةً على «النخب الفكرية«، دون أن يُتَاحَ لهذه النخب (أو تُتِيحَ لنفسها) الوصول إلى قطاعاتٍ عريضةٍ من المجتمعات التي كانت مؤلفةً من جماعاتٍ أهليةٍ محليةٍ ومنفصلةٍ، ومشحونةً بأفكارٍ متوراثةٍ مغلوطةٍ أو غير دقيقةٍ عن بعضها. أعاقَ كلُّ ذلك ترجمة المفاهيم والأفكار على المستوى العملي، وجعلها غير مؤثرةٍ في صورةٍ عضويةٍ وصميمية. وتفاقم هذا الوضع مع التراكم الهائل للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، الذاتية والارتكاسية، ما خلق حلقةً مُفْرَغَةً: من انتشار الفقر والأمية والجهل، والتقوقع على الهويات المحلية والضيقة، ووجود هوّةٍ تُبَاعِدُ بين «النخب الفكرية« الهشة وبين قطاعاتٍ واسعةٍ من الشعوب (وفي المنطقة الناطقة بالعربية يجب الانتباه إلى الاختلاف الواسع بين «اللغة العربية« المكتوبة والمنطوقة رسمياً من قِبَل «النخب الفكرية«، وبين «اللغات العربية« المحكية والدارجة. ولا يخفى دور هذا الاختلاف الواسع في خلق حالةٍ لا واعيةٍ من الافتراق).

وغالباً ما نرى «النخب الفكرية« في المنطقة وقد وقعتْ في فخِّ الدعوة إلى إصلاحٍ سطحيٍّ وغير جذري، أو في فخِّ التماثل الاستسلامي مع «الغرب«؛ وفي الحالتين لم تستطع هذه «النخب الفكرية« فرض نفسها كلاعبٍ أساسيٍّ وقادرٍ على إحداثٍ تغييرٍ إيجابيٍّ حقيقيٍّ في المنطقة. فقد أدّت الدعوة إلى إصلاحٍ سطحيٍّ إلى تفريغ «النخب الفكرية« من دورها المزعوم، وتحويلها إلى فئةٍ طُفَيْلِيّةٍ تمتهن النفاق الفكري، وتبحث عن موقعٍ إرضائيٍّ في المجتمعات التي تعيش فيها. وعلى الطرف النقيض فقد اغتالت الصفةُ الاتباعيةُ العمياءُ الروحَ الإبداعيةَ التي يفترض وجودها في «النخب الفكرية«، ووضعتها في موقعٍ قطبيٍ عدائيٍّ ومعاكسٍ «للنخب الدينية« (بأنماطها التقليدية، وحتى الإصلاحية). ونتيجةً لذلك فقد تحولتْ قضايا الحداثة والفكر الحداثي إلى محورٍ وضحيةٍ للصراع والجدل القائم بين هذه الأقطاب.

إجمالاً يمكن النظر إلى المواقف المُهَادِنَة للحداثة في الشرق الأوسط (وإلى مواقف المنطقة إجمالاً خلال القرون القليلة الماضية) كشبكةٍ معقدةٍ من ردود الأفعال التي لم تستطع إحداث تغييراتٍ حقيقية ومستدامة، بخاصة وأن المنطقة قد أخذت موقعاً على هامش الحداثة: كمتفرجٍ مُنْفَعِلٍ على قضيةٍ لا دور له في صناعتها أو إنجازها أو تطويرها طبعاً باستثناء استهلاكها.

لا بُدَّ أيضاً من الإشارة إلى فارقٍ جوهريٍّ بين المهادنة التي مارستها «النخب التقليدية« في ما بات يعرف باسم «العالم المتقدم« أو «الغرب«، وبين تلك المهادنة التي مارستها نظيراتها في «الشرق الأوسط«. ففي الحالتين تأتي المهادنة على شكل ردود أفعالٍ تمارسها «النخب التقليدية«، التي اعتادتْ احتكار القوة، تجاه المتغيرات المحيطة. وفي الحالتين تأتي المهادنة كضرورةٍ محتومةٍ لا مَفَرَّ منها. لكن في حين هَادَنَت «النخب التقليدية« في الغرب كنتيجةٍ لأمرٍ واقعٍ تتم صناعته داخلياً وذاتياً مع حضورٍ قويٍّ «للنخب الفكرية«، هَادَنَت «النخب التقليدية« في الشرق الأوسط كنتيجةٍ لأمرٍ واقعٍ تتم فبركته في شكلٍ مستوردٍ من «الخارج« أو «الآخر« أو «الأجنبي«، مع غيابٍ شبه كاملٍ «للنخب الفكرية«. ولهذا تبرز في منطقة الشرق الأوسط، في أحسن الأحوال، حالةٌ من المهادنة المشوهة والمجتزأة والمتأخرة جداً مع الحداثة: مهادنةٌ لم تأت أصلاً كنتيجةٍ لنيّةٍ في تحقيقها، أو كنتيجةٍ لمقاربةٍ مركزيةٍ أو شاملةٍ أو رؤيةٍ تستشرف المستقبل، بل كانتْ تتبع، في صورةٍ تاليةٍ ولاحقة، الضغوط والظروف والتبدلات التي يفرضها الوضع العام الخارجي، أو إملاء القوى التي عَمَدَتْ إلى تصدير الحداثة (كما كان جَلِيّاً قبيل وأثناء المرحلة الاستعمارية). وعليه فالمواقف المُهادِنَة للحداثة في منطقتنا لم تكن سوى نوعٍ من الإذعان (القَسْري غالباً) لأمرٍ واقعٍ يُفْرَضُ عليها (نذكر على سبيل المثال الفتاوى التي حرّمت المطبعة والراديو والتلفزيون والسيارة والطائرة والوصول إلى القمر، ثم أباحتْ كل ما سبق اعتماداً على ذات الأدوات المنهجية ذاتها في الفكر الديني!).

أخيراً يجب التأكيد على أن مواقف المُهَادَنَة، حتى في المجتمعات المتقدمة، لم تكن تصالحاً مع الحداثة، بل كانتْ هدنةً موقتةً تتبع طموحات بعض الأشخاص أو التجمعات السياسية والتوجهات الأيديولوجية، أو قطاعاتٍ من «النخب التقليدية« التي رأتْ في التغيير الحداثي (أو في مهادنته) مصلحةً لها، وفرصةً سانحةً للتخلّص من هَيْمَنَةِ قطاعاتٍ أخرى من «النخب التقليدية« المنافسة. وربما يكون غياب التصالح الكامل مع الحداثة (أو ما يفترض أن تكون عليه الحداثة)، وعدم القدرة على تحقيق تغييراتٍ جذريةٍ تقطع مع المنظومة القديمة، من العوامل التي مهّدتْ للتراجع الملحوظ عالمياً عبر تقييد حرية الفكر والتعبير وغيرها من الحريات الأساسية. فبعد فترةٍ من المهادنة مع الفكر الحداثي، عادت «النخب التقليدية« لتُحْكِمَ هَيْمَنَتَها من جديد على الفكر والاشتغال الفكري لكن في صورةٍ مُقَنَّعَةٍ ومُخَاتِلَة؛ وهذه النقطة الأخيرة قضيةٌ تستوجب النظر فيها بشيءٍ من التفصيل في مقالٍ منفصل.

() كاتب سوري

(1) هذا المقال استكمالٌ لسلسلةٍ من المقالات المنشورة في ملحق نوافذ بتاريخ 19 أيار 2013 (العدد 4692)، 16 حزيران 2013 (العدد 4718)، 4 آب 2013 (العدد 4767)، و10 تشرين الثاني 2013 (العدد 4859).

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق