الدكتورة سهام سنية عبد السلام : الختـان جراحة تبحث عن مرض(2/1)

الدكتورة سهام سنية عبد السلام : طبيبة وعالمة في الانثروبولوجيا، و عضو من بين المسؤولين عن مجموعة عربية ضد ختان الذكور، مترجمة حرة ترجمت الكثير من الأعمال العلمية الهامة و قدمت الكثير من البحوث العلمية كما نشرت كتبا باللغة الانجليزية و العربية في كل من مصر والولايات المتحدة الامريكية. تشارك بقوة في المؤتمرات العلمية و تساهم في المجال السمعي البصري من أجل تعميم الثقافة العلمية و مكافحة الختان، ختان الذكور والإناث.

بغض النظر عن نوال السعداوي و سامي الذيب سواحلية و سيادتك لا نكاد نعثر على طبيب أو مفكر عربي ينتقد ختان الذكور. لماذا هذا الصمت ؟ و كيف تمكنت من تجاوز هذا الاجماع الامتثالي المريب؟


وجدت في دراستي المعنونة “التشويه الجنسي للذكور (الختان): دراسة في موضوع مسكوت عنه من قضايا النوع” أن الأطباء يحكمون بتحيزاتهم لا بمعلوماتهم، فمثلا الأطباء يعرفون أن الفم مثلا من الأماكن القذرة في جسم الإنسان بالمعيار البكتيريولوجي الموضوعي، حتى أن أحد أساتذتنا كان يصف الفم بأنه أكثر قذارة من الشرج. لكن لا يوجد بين الأطباء من يندفع إلى استئصال أجزاء من الفم أو خلع الأسنان على سبيل الوقاية بهذه الحجة، لأنهم في المثالين السابقين (الفم و الأعضاء الجنسية) يتصرفون حيال الأعضاء المعنية بوحي من تحيزاتهم لا علمهم. والكثيرون من الأطباء لا يقرأون خارج تخصصهم الضيق، او لا يقرأون أي أبحاث إطلاقا بعد تخرجهم، لذلك يجهلون احدث الدراسات التي كشفت عن تركيب ووظائف غلفة الذكر، مثل دراسة كولد وتايلور المنشورة في المجلة البريطانية للمسالك البولية (1) وجزء من موقف هؤلاء الأطباء الذين لم يقرأوا ما ورد خارج كتبهم المدرسية يرجع إلى تقديس النص وعدم إعمال العقل فيه. فموقف تقديس النص لا يقتصر على النصوص الدينية، بل ينسحب أيضا على النصوص الطبية. فكثير من الأطباء الذين يؤيدون ختان الذكور يفعلون ذلك لأنهم “قرأوا” عن فوائده منذ عدة عقود على أيدي أساتذتهم وفي كتب مدرسية لم ترجع إلى أحدث ما كشفت عنه الأبحاث عن وظائف الغلفة. يحدث هذا في ظل عملية تعليمية تلقينية في المقام الأول، بحيث يكتسب المتعلم المعلومة مرة واحدة وإلى الأبد ويعتبرها حقيقة مطلقة لا نسبية، فيصعب عليه مراجعتها إذا تجاوزتها معطيات اكتشافات أحدث. وبذلك تقتصر عملية القراءة على الاستظهار دون النقد، مما يفسر موقف هؤلاء الأطباء. فالأطباء لا
1Cold, C.J; and J.R. Taylor. 1999: “The Prepuce”. The British Journal of Urology. Vol. 83. supplement 1. January 1999. Pp:34-44. Reproduced at website: http://www.cirp.org/library/anatomy/cold-taylor/
يعملون عقلهم النقدي فيما يمارسونه، وبالذات ما يتسربل منه بغطاء من القبول الاجتماعي والصبغة شبه المقدسة.

ويحدث هذا أيضا مع عملية اختيار نصوص طبية للترجمة ليقرأها العامة، فمما يذكر أن د. سبوك، طبيب الأطفال المشهور، تراجع عن موقفه من الختان في طبعة سنة 1976 من كتابه “رعاية المواليد و الأطفال”، و حكى قصة هذا التراجع في مقال نشره سنة 1989. قال د. سبوك في هذا المقال أنه اعتاد النصح بتختين المواليد في الطبعات السابقة من كتابه منذ 1940 لشيوع فكرة أن ختان الزوج يقي الزوجة من سرطان عنق الرحم، و حتى لا يعرض الطفل لصدمة في سن أكبر. لكنه بعد أن اقتنع بعدم مصداقية هذه الأسباب يقول أنه لو رزق بطفل فسيتركه و شأنه بعد أن عرف الآن أن الختان ليس أرشد الاختيارات، لكننا ما زلنا ننشر طبعة قديمة من خمسينيات القرن العشرين، حين كان د. سبوك يؤيد ختان الذكور لمنع العادة السرية، وعندما راجع موقفه على ضوء المعارف التي استجدت لم يلتفت ناشرو الطبعة العربية لها، على الرغم من أن ترجمة الكتابات العلمية ليست كترجمة الروايات الأدبية لأن العلم يتطور والفن لا يتطور، بمعنى أن الرواية أو اللوحة أو المعزوفة الموسيقية تحتفظ بقيمتها على مر الزمن لكن النظريات العلمية الأحدث تلغي الأقدم. فلابد من مراجعة الطبعات الأحدث من ترجمات العلوم الطبية حتى لا يكون نشر كتابات معتمدة على نظريات قديمة أداة تعتيم لا تنوير، ووسيلة لتجميد وعي العامة بدلا من ترقيته.

وربما يفيد القراء الاطلاع على نبذة عن تاريخ دخول الختان إلى الطب الحديث، الذي حدث في منتصف القرن التاسع عشر، في العصر الفيكتوري في بريطانيا. تميز هذا العصر بالتزمت الشديد ومعاداة الجنس غير التقليدي وتحريمه، لاسيما على النساء والأطفال. من أشكال الجنس التي نظر إليها المجتمع البريطاني في ذلك الوقت شذرا الإثارة الذاتية، المعروفة باسم “العادة السرية”. ولم يكن الطب قد عرف بعد في هذه الفترة أسباب الأمراض العقلية والصرع، فسادت نظرية تقول إن فرط الاستثارة الطرفية تنعكس على الجهاز العصبي المركزي وتؤدي للصرع والجنون والشلل وزمرة من غير ذلك من أمراض، فاعتبرت العادة السرية (التي كانت في نظر اطباء ذلك الزمن من أشد انواع الاستثارة الطرفية) سببا في هذه الأمراض. واكب ذلك تعرف الرحالة والمستعمرون على ثقافات شعوب اخرى، ومن ضمنها عادة ختان الإناث والذكور، كما واكب ذلك اكتشاف مطهرات الجروح والتخدير، فصارت الجراحة أداة سهلة طيعة للقضاء على مسببات هذه الأمراض الخطرة. وبذلك دخل ختان الإناث والذكور إلى الممارسة الطبية في إنجلترا، وانتقل منها إلى بقية البلدان المتكلمة بالإنجليزية، ومنها أمريكا. 

ولما عرفت أسباب الأمراض العقلية وغيرها من الأمراض العصبية، وعرف ان العادة السرية جزء عادي من النمو النفسي-الجنسي للإنسان، بطل استخدام مبرر العادة السرية لإجراء الختان، كما توقف إجراؤه في انجلترا، لكنه استمر في أمريكا تحت تأثير تحيزات الأطباء اليهود والبيوريتانيين، الذين حتى لم يعودوا قادرين على الجهر بأن العادة السرية مرض، فنقلوا حجتهم من “علاجها” إلى “الوقاية منها”. ولما لم تفلح هذه الحجة أيضا، صار الختان يطرح كحل لأي مرض عضال يظهر ولا يكون علاجه معروفا، فاستخدمت حجج “الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا، ولما أبطلت هذه الحجة استخدمت حجة”الوقاية من سرطان القضيب وعنق الرحم“، وأبطلت هذه الحجة أيضا وإن كان البعض ما زال يرددها، على الرغم من أن الجمعية الأمريكية للأورام حذرت من ترديدها، ثم ظهرت حجة الوقاية من التهابات الجهاز البولي، على الرغم من أن الإناث أكثر عرضة لهذه الالتهابات، وهن يعالجن بوسائل دوائية غير جراحية، ولا يجرؤ الأطباء المؤيدون لهذه الحجة على اقتراح ختان الإناث للوقاية من الالتهابات البولية.

أحدث حجة هي الوقاية من الإيدز، وهذه الحجة أتت من دراستين أجريتا بإفريقيا يجد الكثير من الباحثين أنها دراسات معيبة منهجيا ولا يمكن تعميها ولا الوثوق في نتائجها، وفيها شبهة عنصرية. وربما كان الدليل العملي على ذلك إن امريكا بها أكبر نسبة إصابة بالإيدز وأعلى نسبة ممارسة لختان الذكور بين البلدان الصناعية، بينما الدول الإسكندنافية وفنلندا واليابان بها أقل نسبة إصابة بالإيدز ولا تمارس ختان الذكور كعادة ثقافية واجتماعية. (1)
فتعدد التحجج بكل مرض يخشاه المجتمع ويعجز الطب عن علاجه يكشف عن أن الختان”جراحة تبحث عن مرض“، فالناس يمارسونه منذ زمن والأطباء يسعون لتبريره، وكلما بطلت حجة من حججهم خرجوا بأخرى، فهم من أكبر جماعات المصالح المستفيدة من استمرار عادة الختان.

ولكن كيف انتبهت شخصيا لكل هذا؟

أما كيف تجاوزت أنا شخصيا هذا الإجماع الامتثالي المريب، فقد حدث هذا بإعمال عقلي النقدي، حتى قبل ان أعرف كل ما أعرفه حاليا من معلومات عن تشريح الغلفة ومضار قطعها، وقد كتبت تجربتي في مقدمة بحثى الذي أشرت إليه آنفا، ولو اتسعت المساحة لديكم فها أنا ذي أنقل لكم شهادتي على تجربتي، اقتباسا من النسخة العربية لبحثي:
” تطور وعيي بموضوع ختان الذكور عبر عدة مراحل. لم يكن لي في البداية موقف مؤيد أو معارض لختان الذكور، بل لم يكن قضية مطروحة أصلا على وعيي لفترة
1 من اجل التوسع انظر روابط بعض مواقع الإنترنت التي فيها دراسات تنقد هذه الحجة وتفندها، على سبيل المثال:
رسم بياني يشرح مواضع الضعف في دراسات تشجيع الختان في إفريقيا للوقاية من الإيدز: http://www.facebook.com/group.php?gid=37736989287#!/photo.php?pid=30950741&op=1&o=global&view=global&subj=37736989287&id=1103837643
دراسة تثبت أن الختان لا يمنع انتشار الفيروس الحلمي البشري المسبب لسرطان عنق الرحم والقضيب: http://jid.oxfordjournals.org/content/203/1/58.abstract?sid=8b0e0470-d2bf-4989-b147-bfdd83c72abb
مقال نشر في الجريدة البريطانية للأخلاقيات الطبية في 2010 ينقد الدراسات التي تقول ان الختان يمنع الإيدز: http://jme.bmj.com/content/36/12/798.abstract
بحث آخر ينقد الدراسات التي تروج للختان بحجة الوقاية من الإيدز: http://www.plosone.org/article/info%3Adoi%2F10.1371%2Fjournal.pone.0000543&annotationId=info%3Adoi%2F10.1371%2Fannotation%2F723
والأدهى ان العلماء اكتشفوا في عام 2007 أن الغلفة بها خلايا مناعية تفرز انزيما يسمى اللانجرين له دور في وقاية الإنسان من الإصابة بالإيدز عند تعرضه للعدوى، وأن نقص عدد هذه الخلايا (بسبب الختان مثلا) يؤثر سلبا في هذه الوظيفة المناعية، وهذا رابط البحث: http://www.cirp.org/library/disease/HIV/de_witte2007/

طويلة من حياتي. نشأت في أسرة أقلعت عن عادة ختان الإناث كجزء من الأخذ بأسباب المدنية الحديثة، و كنت أسمع والدي ووالدتي يحدثان الجيران عن أضرار ختان الإناث. و كانا يردفان الحديث بأن ختان البنات ضار و لا يشبه ختان الأولاد، الذي لا يتعدى قص قطعة جلد زائدة لا توجد بها حساسية، فهي عملية بسيطة للولد مثل قص الأظافر. وعندما التحقت بكلية الطب درست في مقرر الجراحة عملية ختان الذكور، التي كانت الكتب التي درستها وقتئذ توصي بإجرائها للوقاية من سرطان القضيب للذكر و سرطان عنق الرحم للأنثى التي سيتزوجها مستقبلا، وتوصي أيضا بعملها للرضع بدون تخدير، بحجة أن الرضيع لا يحس بالألم كالطفل الأكبر سنا أو الإنسان البالغ.


قبلت ما تعلمته في البيت و الجامعة كمسلمات، إلى أن جاء يوم شاهدت فيه بيانا عمليا بما كنت لا أعرفه إلا على المستوى النظري. و صدمني ما رأيت، و دفعني إلى التشكك في صحة كل النظريات التي تبرر ختان الذكور. كنت وقتها طبيبة حديثة التخرج سنة 1972، و قد بدأت العمل لتوي بقسم الجراحة بمستشفى الدمرداش الجامعي. في أحد الأيام، طلب نائب الجراحة من أطباء الامتياز البقاء في العيادة الخارجية بعد انتهائهم من الكشف على المرضى لأنه سيدربهم على ختان الذكور. كان الطفل الذي سيختنه النائب في حوالي الشهر الأول من عمره، سليما لا تبدو عليه أي أعراض مرضية. لم يعطه النائب مخدرا، وصرخ الطفل أثناء إجراء الختان صريخا ثاقبا، و رأيت عليه علامات الصدمة العصبية من شحوب الوجه، والعرق الغزير. و من هذه المرة الأولى تشككت في جدوى كل ما درس لي عن ختان الذكور، فرغم أنني لم أكن أعلم شيئا عن تركيب ووظيفة الغلفة، إلا أن علامات الصدمة و الكرب التي رأيتها على الطفل الذي ختن أمامي جعلتني أدرك بمجرد الحس العام و التفكير النقدي أن ختان الذكور جزارة لا جراحة، فلا يوجد أي مبرر لإجراء جراحة لطفل سليم، ناهيك عن أنها تجربة صدمية. و بدأت منذ ذلك الحين في مقارنة ختان الذكور بختان الإناث، فلم أجد فرقا. وقررت ألا أجري ختانا لأي طفل ذكر (فختان الإناث لم يكن مطروحا أصلا في العلوم الطبية). و أثناء عملي كنائبة لجراحات الطوارئ استقبلت عددا من الأطفال الذكور أتى بهم ذووهم بمضاعفات مثل النزيف الشديد و الصدمة العصبية بعد الختان، مما زاد يقيني بصحة موقفي. وبدأت في مخاطبة كل من ينجب ذكرا من معارفي، فأفلحت في حالات نادرة لا تبلغ عدد أصابع اليد الواحدة، وفشلت في معظم الأحيان. فهؤلاء المثقفون الذين لا يفكرون في تختين بناتهم يتمسكون بشدة بختان أبنائهم.

وعندما بدأت الحركة النشطة ضد ختان الإناث في مصر سنة 1994 أدهشني أن الأطباء و الشيوخ الذين يعظون الناس ضد ختان الإناث يؤكدون دائما على ضرورة ختان الذكور، وأن أهم الشخصيات العاملة في مجال محاربة ختان الإناث يحذرون من تناول ختان الذكور أثناء الكلام ضد ختان الإناث، و كانوا يصدون أي شخص يسأل عن ختان الذكور بقولهم أن “هذا ليس موضوعنا”. و رغم ذلك، بعد أن كسر حاجز الصمت المحيط بختان الإناث في 1994، نشرت الصحافة المصرية بعض حالات لضحايا الختان من الجنسين. و أينما ذهبت لإجراء حوار عن ختان الإناث كان الناس يسألونني أيضا عن ختان الذكور، حتى بعض الرجال من المثقفين الذين تبنوا قضية العمل على مكافحة ختان الإناث أبدوا ملحوظات تنم عن شعورهم بأن ختان الذكور يستحق تناوله أيضا كقضية، و إن لم يتجاوز هذا الشعور تعليقات عابرة. فمثلا، كنا في ندوة عن ختان الإناث في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، فقال لي أحد المشاركين في الندوة، وهو طبيب شاب أنه يتذكر تجربة ختانه و هو طفل في السادسة من عمره، وأنها كانت تجربة صدمية ينطبق عليها كل ما يقالَ عن مضار ختان الإناث، و تعجب من أن المدافعين عن حقوق الإنسان يتجاهلون هذه الحقيقة. و في مرة أخرى كنت أصمم شعارا لحملة ختان الإناث، عبارة عن الفلاحة المصرية بطلة تمثال نهضة مصر و قد احتضنت فتاة بدلا من أن تضع يدها على رأس أبي الهول. شاهد زميل آخر التصميم فقال لي: “مفروض تحضن بالذراع الثاني ولد”. من هنا، بدأت في تدعيم موقفي العملي الرافض للمساس بأجساد الأطفال أيا كان نوعهم بقراءات نظرية في الطب و الفقه و الاجتماع. 

و من قراءاتي في إطار الأبحاث التي أجريتها أثناء دراستي للغة الإنجليزية القانونية بهيئة الأميديست، ثم بقسم الاجتماع والأنثروبولوجيا بالجامعة الأمريكية عرفت المزيد عن الأصل الثقافي المشترك لختان الجنسين، كما عرفت أن الدراسات الطبية الأحدث قد أثبتت خطل الاعتقادات التي سادت عن الفوائد الصحية لختان الذكور. حاولت نقل ما عرفته من معلومات إلى بعض معارفي، و معظمهم رجال و نساء نشطين و نشطات ضد ختان الإناث، و بينهم عدد لا بأس به من الأطباء و الطبيبات. لم يعرني معظمهم أذنا صاغية، أو استمعوا لي ثم شككوا في ما لدي من معلومات جديدة، دون حتى أن يحاولوا الإطلاع عليها. و الأدهى أن الكثير من المثقفين و المثقفات الذين يحاربون ختان الإناث لأنه انتهاك بدني للنساء يجحف بحقوقهن الإنسانية دون أن يكون له سند علمي رشيد، يدافعون عن ختان الذكور، مستخدمين نفس المبررات غير الرشيدة التي يستخدمها مؤيدو ختان الإناث. البعض الآخر ممن تحدثت معهم أبدوا تفهما للمعلومات الجديدة، لكنهم أبدوا أيضا ترددا في التحرك ضد ختان الذكور. و قليل هم من قبلوا المعلومات الجديدة، بل أبدوا أيضا أسفهم لأنهم لم يعرفوها قبل أن يختنوا أبناءهم، والأقل أبدوا استعدادا لبث ما حصلوا عليه من معلومات للناس”.

تقول المنظمات الدولية ووسائل الإعلام بأن ختان الإناث عملية ضارّة وهو تعدِّ على سلامة جسد الانثى بخلاف عملية ختان الذكور التي تقتصر على قطع غلفة الذكر. فهي ليست عملية بتر على العكس من ختان الاناث. ما مدى صحة هذا الادعاء؟

 

دعني أسأل هؤلاء: هل غلفة الذكر جزء لا يتجزأ من جسده أم شيء دخيل على خلقته؟ في حدود ما اعرفه يولد 100% من ذكور الثدييات وإناثها بغلفة، وهي أكثر أجزاء الأعضاء الجنسية حساسية. تتكون الغلفة في الأجنة الذكور و الإناث على قدم المساواه، و تكون ملتحمة برأس القضيب أو البظر في السنوات الأولى من العمر لوقايتهما من التهيج بفعل إفرازات الجسم، ثم ينفصلان تدريجيا بشكل طبيعي بنفس الآلية التي تتفتح عيون القطط الوليدة أو براعم الأزهار، و يتم ذلك في سن يتراوح ما بين 4-17 سنة. اكتشفت هذه الحقيقة التطورية التشريحية سنة 1949، لكن كثيرا من الأطباء يجهلونها، فيفسرون الالتحام الطبيعي بين الغلفة و رأس القضيب/البظر على انها ظاهرة مرضية علاجها الختان.

هل يمكن تشريح الغلفة للقراء؟ 

 تتكون الغلفة مجهريا من خمس طبقات من الأنسجة الغنية بالأوعية الدموية و الأعصاب الحسية المتخصصة في الشعور باللمس الخفيف. وهي أكثر أجزاء أعضاء التذكير حساسية، و تقارن حساسيتها بأطراف الأنامل و حافة جفن العين و الشفاه. توجد بالغلفة أيضا ألياف عضلية شبيهة بالألياف الموجودة بكيس الصفن. تلعب هذه الألياف دورا في حماية مجرى البول من التلوث في الرضع و الأطفال بأن تعمل كصمام يسمح بمرور البول للخارج و يمنع مرور أي مواد في الاتجاه المضاد من الخارج إلى الداخل. و كلما اقترب الذكر من سن البلوغ، تتناقص الألياف العضلية و تزداد الألياف المرنة حتى يتوازنان بما يسمح بحركة الغلفة بالراحة أثناء الممارسة الجنسية. و يوجد بالغلفة خلايا مناعية تعتبر من خطوط الدفاع الأولى للجسم عند التعرض لتلوث أو عدوى ميكروبية. و تفرز الغلفة مادة طبيعية مرطبة تيسر الجماع دون ضيق للطرفين. و الختان يحرم الذكر من كل وظائف هذا التركيب الهام الذي حبته به الطبيعة. فكيف بالله لا يكون قطع الغلفة بترا مؤذيا لصاحبها وهي بكل هذا التعقيد التركيبي والغني الوظيفي؟

 

هامش:

1Cold, C.J; and J.R. Taylor. 1999: “The Prepuce”. The British Journal of Urology. Vol. 83. supplement 1. January 1999. Pp:34-44. Reproduced at website: http://www.cirp.org/library/anatomy/cold-taylor/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق