الدكتورة سهام سنية عبد السلام: الختـان جراحة تبحث عن مرض (2/2)

كثيرا ما يردّد أنّ هدف ختان الذكور للوقاية من الأمراض الجنسيّة. هل هناك دراسات علمية أثبتت ذلك أم هو مجرد تلبيس طقس ديني جبة عقلانية؟ و بصراحة أكثر هل لختان الذكور منفعة صحية كما يروّج المسلمون واليهود؟ وهل الغلفة غلطة من الطبيعة أم هم يريدون إخفاء طبيعته الدينية، الطقسية؟

لقد أسهبت عند ردي على السؤال الأول في تناول هذه المسألة. وحتى من يرددون حجج الختان للوقاية من الأمراض لا يجرؤون على نصح المختنين بممارسة الجنس عشوائيا دون استخدام الواقي الذكري. الواقي الذكري أحد ثلاثة أساليب أكيدة المفعول للوقاية من الأمراض الجنسية: 1) التعفف قبل الارتباط بشريك حياة دائم، 2) الإخلاص لشريك الحياة الدائم الموثوق في صحته وإخلاصه هو الآخر، 3) لمن لا يستطيع هذا او ذلك، أو تسمح له خلفيته الثقافية بممارسة الجنس عشوائيا، فالحل هو الواقي الذكري. عدا ذلك أباطيل ستؤدي لانتشار الأمراض المنقولة جنسيا، بالذات أن المختنين يكرهون استخدام الواقي الذكري بسبب نقص الحساسية لديهم كجزء من عواقب الختان، أما غير المختنين فيستخدمونه بلا غضاضة. ويزداد الطين بلة لو اقتنع المختنون أنهم بختانهم قد ضمنوا الوقاية من الإصابة بالأمراض الجنسية، وبالتالي سيصابون بها وينقلونها لغيرهم. أنا شخصيا أسمي نهج استخدام الختان كواق من الأمراض الجنسية باسم “نهج قَطَّع وبرطع” أي استأصل الغلفات وانفلت جنسيا، وهو نهج زائف وغير آمن، على عكس نهج التعفف والإخلاص أواستخدام الواقي الذكري.
أما عن كون الغلفة غلطة من الطبيعة، فلا توجد غلطة تتكرر بنسبة 100%. لقد وجدت الغلفة لأن لها وظائف هامة. بل أن الأطباء البيطريون يصلحون الغلفة جراحيا لو حدث بها إصابة في الحيوانات ذات القيمة الاقتصادية مثل الثيران او الخيول، ولو كانت بلا فائدة لكان من الأسهل عليهم التخلص منها.
والختان أصلا ليس جراحة، بل طقس اجتماعي/ثقافي. فالممارسات التي تصاحبه تثبت مرجعيته الثقافية و ليست الصحية، فلا توجد جراحة – ضرورية أو غير ضرورية – يقال لمن تجرى له “مبروك بقيت راجل” أو يحتفل بمرور أسبوع على إجرائها (سبوع)، و كل هذه المراسيم والتهاني الطقسية تعقب حالات الختان. و رغم كل الأساطير الطبية التي يحيط بها الأطباء الختان، إلا أنهم في قرارة أنفسهم لا يتعاملون مع الختان كجراحة حديثة رغم استخدامهم لأدوات جراحية حديثة في إجرائه. من أمثلة التصرفات الـدالة على هذا التجاوزات المهنيـة التي يرتكبها معظم الأطباء عندما يختنون طفلا، مثل إهمال مقتضيات التعقيم اللازمة لإجراء جراحة، فيمكن أن يجري الطبيب الختان وهو لا يرتدي قناعا جراحيا ولا غطاء معقما للحذاء، بل قد يسمح بوجود والد الطفل مثلا (بالذات لو كان طبيبا) في حجرة العمليات وهو ايضا بملابسه العادية التي لا يجرؤ على الدخول بها إلى أي غرفة عمليات أثناء إجراء اي جراحة أخرى. من يفعل ذلك من الأطباء (وكثيرا ما يفعلون) لا يتصرف تصرفا مهنيا، بل تصرفا اجتماعيـا كممثل للمجتمع، فالأب يقدم جزءا من جسد ابنه قربانا لمسايرة العادات،و الجراح الذي يختنه هز نائب المجتمع في تنفيذ و فرض الانصياع على هذا الطفل ليصير مقبولا كفرد في المجتمع. و الحالتان ليستا من دواعي الجراحة كمهنة طبية حديثة، لذلك لا عجب ألا يلتزم أمثال هؤلاء الأطباء بالمعايير المهنية عند إجراء الختان.
و بانتفاء المبررات الصحية الزائفة يسفر الختان عن وجهه القبيح: طثش لتقديم قربان اللحم و الدم البشري على مذبح المجتمع الذكوري.


لماذا يستنكر الغربيون و بعض العرب ختان البنات في حين يتقبلون بأريحية غريبة ختان الذكور؟ فهل يمكن القضاء على عادة ختان الإناث دون مكافحة ختان الذكور في نفس الوقت؟

درست في بحثي الذي سبق الإشارة إليه موقف المثقف من القضايا الاجتماعية الحرجة، ولماذا يتراوح بين التنوير والتعتيم، فوجدت لدى المثقفين الذين يؤيدون استمرار ختان الذكور مع محاربتهم لختان الإناث سمات المثقف المحترف أو الموظف، على حد تعبير إدوراد سعيد وجرامشي، أي أنهم مرتبطون بهيئات يخدمون أغراضها ولا يمكنهم أن يحيدوا عنها أو يغضبوها، على عكس ما سماه سعيد “المثقف الهاوي” وهو نفسه ما سماه جرامشي “المثقف المنتمي” (الذي اعتدنا ان نترجمه خطأ بتعبير “المثقف العضوي”)، وما أمسيه انا المثقف المستقل الذي يخدم الجماهير التي يضع مصلحتها فوق مصلجة أي هيئة دينية أو دنيوية. ووجدت هؤلاء المثقفون المحترفون ينطلقون من ثلاثة أيديولوجيات أساسية. أهم و أبرز هذه المنطلقات هي المسايرة للتقاليد الاجتماعية السائدة المستقرة، وثانيها الموقف النسوي التقليدي الذي يرى أن قضايا النوع تخص أحوال النساء في المقام الأول، وثالثها السياسة العملية/النفعية (البراجماتية). تشترك أيديولوجيتي المسايرة و الموقف النسوي التقليدي في أنهما يتعاملان مع الجسد على المستوى الرمزي الاجتماعي و ليس الفردي المحسوس. تتلخص أيديولوجية الموقف العملي/النفعي في الاستنكاف عن طرق الأبواب الصعبة، و بذلك يكون المعيار الحاكم لوضع جدول أولويات القضايا التي يختار أصحاب هذا الموقف تبنيها ليس عدالة القضية، بل مدى تمهيد الساحة التي سيدور عليها الصراع حول القضية. ولا ننسى أن الكثير من الهيئات الدولية والمانحة يسيطر عليها يهود أو بيوريتانيون، وهم متحيزون ثقافيا للختان، ومن يعملون بهذه الهيئات لا يريدون إغضاب هؤلاء السادة الممسكين بمقاليد المال والهالة الاجتماعية والهيبة الدولية، فهم منضوون تحت لوائهم.
ولا ننسى التحيزات الشخصية لهؤلاء المثقفين، الذين تعرضوا هم أنفسهم للختان، وللخطاب الذي يلح على قداسة الختان ويحذر من المساس به. لقد كان الختان عادة اجتماعية لدة بعض الثقافات على مدى قد يرجع لآلاف السنين، لأسباب تخص رؤية العالم لدى أصحاب هذه الحضارات القديمة.

و الأطباء !

أما الأطباء بالتحديد (سواء كانوا في الشرق ام في الغرب)، فقد أعطاهم المجتمع الحديث امتياز تقاضي ثمن المسايرة الاجتماعية من أجساد الأطفال، و هم يرفضون التنازل بسهولة عن هذا الامتياز. أما في مجتمعنا المصري فقد حمل الكهنة في مصر القديمة لواء هذا الامتياز، ثم انتقل بمرور الزمن لورثتهم من الخاتنين و حلاقي الصحة. و مع دخول الطب الحديث إلى مصر على نهج النموذج الغربي انتقل الختان إلى أيدي الأطباء. لقد كان الختان في المجتمعات ما قبل الحديثة تدشينا للرجل، أو قربانا لآلهة الطبيعة (مثل النيل)، ولم تكن له أي قيمة طبية أو جراحية. أما في المجتمعات الحديثة/مابعد الحديثة فقد احتفظ الختان بوظيفته في نحت الجسد بما يناسب رؤية المجتمع للذكورة، لكن هذه الوظيفة تراجعت إلى ما تحت سطح المبررات لتبرز طبيعة الختان كما يروج له الأطباء المؤيدون له، كعملية جراحية ليس لها قيمة احتفالية أو طقوسية. و بهذا التغير أمكن لممارسة قديمة نشأت في مجتمعات بسيطة ما قبل حديثة أن تستمر في مجتمعات حديثة أكثر تركيبا بفضل دخوله تعسفا في إطار الطب.
لكن الختان (كما يمارس الآن) تحول إلى تمسك بعادة تقليدية انقضت أغراضها في سياق غزته الحداثة. لقد فقد وظيفته الاجتماعية كتدشين للرجولة، و لم يبق منه إلا هيكله الحقيقي الملموس المؤلم، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المبرر الأول لتختين المثقفين لأبنائهم هو خوفهم من الاختلاف يتضح أن وظيفته الجديدة أداة تحكم في أي نزعة للتمرد و عدم المسايرة، أي أداة للإبقاء على الجانب الاستبدادي المميز للتنظيم الاجتماعي العشائري الذي يصف دوركايم علاقاته باسم “التضامن الالي”، لأنها تفترض التشابه التام بين جميع الأفراد، وأي خروج عن الانصياع للتشابه أو شبهة للتفرد تعد فوضى مدمرة للمجتمع، يستحق مرتكبها أقسى العقوبات
بذلك يكتسب استمرار ختان الذكور مغزى في سياسات الضبط الاجتماعي التي تحافظ على أدوات التحكم الموروثة بتجميلها بمصطلحات مثل “الأصالة”، و نقلها إلى سياق حديث مقبول، هو المؤسسة الطبية الحديثة. و من العوامل التي تجعل هذه المؤسسة تربة صالحة لرعاية عادة الختان أن الأطباء – كالسواد الأعظم من رجال مصر- مختنون، و إجراء الختان للمولود يلعب دورا نفسيا في طمأنة مثل هذا الطبيب على سوائه النفسي و الجنسي، مثلما يقوم بهذه الوظيفة بالنسبة للأب المختن (وقد توسع عالم النفس الأمريكي رونالد جولدمان في شرح العلاقة بين استمرار ختان الذكور في امريكا ونفسية الخاتن الذي تعرض هو نفسه وعرض غيره لهذه الممارسة القاسية)
البعض الآخر من المثقفين أصحاب الموقف العملي/النفعي (بالذات في مصر التي درست موقف مثقفيها) يرفضون فتح قضية ختان الذكور لأن حساباتهم الشخصية تخبرهم أن هذه القضية تحتاج لوقت وجهد كبيرين ليسوا على استعداد لبذله. و مما ييسر لهم الجهد في محاربة ختان الإناث أن المعلومات عن تركيب ووظائف أعضاء التأنيث الخارجية اكتشفت منذ زمن بعيد و شاعت وسط الناس، بينما تركيب ووظيفة الغلفة معلومات جديدة لا يعرفها الكثيرون، وأن هناك تاريخا لجهود مكافحة ختان الإناث في مصر منذ العشرينات يمكنهم أن يستثمروها و يبنوا عليها. لكن الأهم من وجهة نظرهم هو تأكدهم من تضارب آراء الفقهاء حول ختان الإناث، مما يسهل لهم مهمتهم في الدعوة ضده على المستوى السياسي أكثر مما تسهلها المعلومات الصادقة عن مضار ختان الإناث كأداة. و بالتالي يهدرون المعلومات الصادقة عن مضار ختان الذكور بحجة حداثتها، و لأنهم يفتقدون الأداة السياسية الأسهل التي تعودوها: تضارب آراء الفقهاء. و من حججهم أبضا أن ختان الذكور ليس من أولويات العمل الاجتماعي. وهم هنا يضعون الأولويات على جدول أعمالهم وفقا لموازين القوى التقليدية، لأن الأولويات تختلف باختلاف الفئات الاجتماعية. و لما كان الذكور الرضع فئة لا صوت لها، ولا يهتم احد من اصحاب الصوت العالي بحمايتهم من الختان، لذلك لا توضع هذه القضية على رأس جدول الأولويات.
و من العوامل التي يبني عليها أصحاب الموقف العملي/النفعي حساباتهم أن الرجال لا يشتكون بسبب ختانهم بينما تجأر النساء بالشكوى من الختان، و هذا يكسب من يحاربون ختان الإناث قوة لن تكون لديهم لو طرحوا قضية ختان الذكور. تتجاهل هذه الحجة أن الصورة التي يرسمها المجتمع للرجل تجعل الرجال يخشون البوح بقلقهم من أي شئ يمس قدراتهم الجنسية. و أن معظم الذكور يختنون قبل أن يكتسبوا اللغة المنطوقة، لذلك لا يمكنهم التعبير عن مشاعرهم تجاه الختان باللغة المنطوقة كما تفعل النساء. لكن التجربة العملية أثبتت أن تشجيع الرجال على الحديث عن ختانهم في جو مطمئن يجعلهم يتأملون تجربتهم ويعبرون عن عدم سعادتهم بانتهاك أجسادهم، وهذا وحده ضرر كاف ليكون من حق الرجال أن يسمع المجتمع صوتهم. وقد حدث هذا في دراسة أجريت على الرجال الأمريكيين، إذ باح أحدهم ممن ختن وهو في سن الشباب أن الجنس مع وجود الغلفة يشبه الرؤية بالألوان، لكنه بعد فقدها يشبه الرؤية بالأبيض والأسود فقط.
ويبدو أن أصحاب الموقف العملي/النفعي من ختان الذكور يتعاملون مع قضايا حقوق الفئات المستضعفة بمعايير الصفقات السياسية. بمقتضى هذه الصفقة يعقد المثقفون المتبنون للموقف المؤيد لحق النساء في السلامة الجسدية و للموقف العملي/النفعي معا اتفاقا غير مكتوب مع الأطراف الاجتماعية المتزمتة أتصوره كالتالي: ’سنتبع بعض تعليماتكم، و نسكت عن انتهاك جسد الطفل الذكر الذي يوفر لكم تشكيلا رمزيا للذكورة حسب فهمكم التقليدي لها مقابل السماح لنا بمعارضة تشكيل جسد الطفلة الأنثى ليلائم الصورة التقليدية للأنوثة’. لذلك ينزعج الكثير من المثقفين الذين يتبنون هذا الموقف من طرح قضية ختان الذكور تحت الأضواء، بل يهاجمون من يطرحها، لأن هذا الطرح يفسد شروط الصفقة التي يتصورون أنهم سيحققون بمقتضاها نصرا جزئيا في قضايا النوع. بذلك يتسم العمل في مجال سياسات النوع بقبول التمييز ضد الأطفال الذكور قبولا ضمنيا بالسكوت عن قضية الختان. أرى أن طابع المساومة الذي يتصف به موقف المثقفين من أصحاب الاتجاه العملي/ النفعي الذين يعملون في مجال سياسات النوع يدل على مراعاتهم لعدم الإخلال الجذري بالتنظيم الاجتماعي الذكوري، و هو موقف متحفظ يتناقض مع تصريحاتهم المعلنة بأنهم يسعون للإحداث تغيير اجتماعي. فلا يكفي لجلب تغيير اجتماعي فعال الاقتصار على محاربة التمييز ضد النساء على أساس النوع، لأن التمييز ضد الفئات العمرية الأصغر سنا محور لا يقل أهمية عن محور النوع في رفع دعائم بنية المجتمع الذكوري، كما أن قضايا السلامة الجسدية للرجال قضية “نوع” هي الأخرى. و تكمن أهمية ختان الذكور كأحد أشكال التمييز على أساس السن في المجتمع الذكوري في أن تعويد الناس على الخضوع لإيلام أطفالهم يضمن عدم تطور العقلية الناقدة لديهم. و العقلية الناقدة تهدد نظم الحكم المستبدة على كل المستويات، في الدولة و الأسرة. و لأن للأطفال الذكور قيمة أكبر من وجهة نظر الأسرة الذكورية يكتسب ختان الذكور مغزى كأداة لإعادة إنتاج شروط التنظيم الاجتماعي الذكوري القائم على قبول من يحتلون مرتبة أدنى في البنية الاجتماعية بالانصياع لمن يحتلون المراتب التي تعلوهم. فإخضاع الناس لإيلام أبنائهم بأيديهم كشرط للقبول الاجتماعي يضمن خضوعهم للسلطة أكثر من إخضاع الناس لإيذاء بناتهم. فأصحاب الموقف العملي/النفعي محقون في أن من يحتلون مراكز الهيمنة الاجتماعية على كل المستويات سيحاربون محاولات تحرير الناس من إيذاء صبيانهم، لكنهم ليسوا محقين في إغماض عيونهم عن أثر هذه المحاولات في جلب تغير اجتماعي لصالح الفئات الأضعف و الأحق بالرعاية.

و ما موقف الحركة النسوية ؟

موقف النسويات التقليديات اللاتي يحجمن عن الدفاع عن الأطفال الذكور لا يقل سوءا، فلا ينفع أن تختار النسويات الدفاع عن سلامة جسد المرأة و يقبلن انتهاك بقية الأجساد، لأن هذا الموقف يمثل رؤية متكاملة للعالم، تراه من منظور الطرف الأضعف في أي علاقة بين طرفين. على اعتبار أنه لو تمت صياغة العالم بحيث لا تنتهك احتياجات و حقوق أضعف الضعفاء، فعلى الأرجح ستحصل الأطراف التي تحتل قمة الهرم الاجتماعي على حقوقها أيضا.
من الأمور التي استقرت في وعي العاملين و العاملات في النشاط الاجتماعي أن هناك فروقا جوهرية بين ختان الجنسين تجعل من المحظور الخلط بينهما. لكن لا توجد أي شواهد تدعم هذا الاعتقاد، بل على العكس، توجد شواهد ميدانية موثقة في عدد من الدراسات تثبت العكس تماما. فبعض الباحثين الأنثروبولوجيين وصفوا أوجه تشابه بين ختان الإناث و الذكور سواء داخل الثقافة الواحدة، أو في دراسة مقارنة بين ثقافات مختلفة. فمثلا، وصف الباحث الأنثروبولوجي جون كنيدي الختان كطقس مرور للولد و البنت من الطفولة إلى النضج الجنسي في النوبة المصرية. ووصفت الباحثة الأنثروبولوجية هيني لايتفوت كلاين تشابه المبررات التي تذكرها الشعوب التي تمارس ختان الإناث والذكور، ووجدت أن المبررات التي يذكرها الأمريكيون لختان أبنائهم تماثل المبررات التي يذكرها الأفارقة لختان بناتهم. و يرى أخصائي علم الجنس الفرنسي د. جيرار زفانج أن ختان الإناث والذكور يستهدف غاية واحدة، هي تعديل التركيب التشريحي للأعضاء الجنسية، و قد أجرى دراسة مقارنة بين العواقب الجسدية و الجنسية لختان النوعين ووجد تطابقا بينهما. و من هنا، خلص د. زفانج إلى أنه لا يمكن القضاء على ختان الإناث وحده دون ختان الذكور في المجتمعات التي تمارس النوعين .
و ليس صحيحا إذن أن دفاع النساء عن حق الرجال في السلامة الجسدية و عدم التعرض للختان سيضر بقضية ختان الإناث، بل بالعكس، سيدحض الفكرة التي يروج لها بعض الأطباء من مؤيدي الختان حول إجراء نوع من الختان للأنثى يعادل ما يجري في ختان الذكر، باعتباره إجراءا بسيطا “تجميليا” و غير ضار.

هل هناك آثار نفسية للختان؟ و ما انعكاساتها على المجتمع إن وجدت؟

يقول بعض علماء النفس أن الاعتقاد السائد بأن الأطفال ينسون ألم الختان لا يمثل الواقع. فالرجال الذين ختنوا و هم رضع لا يتمكنون من حكي ذكرياتهم عن هذه التجربة لأن الختان أجرى لهم قبل اكتساب اللغة المنطوقة، لذلك لا يتمكن الرجل البالغ من التعبير عن ذكراه باللغة تحت الظروف العادية، لكن بعض الرجال تذكروا خبرتهم تحت التنويم الغناطيسي أو عند تعرضهم لظرف يماثل التجربة و يجعل ذكراها تطفو إلى سطح الشعور. ولعالم النفس الأمريكي د. رونالد جولدمان دراسة قيمة نشرت في كتاب في عام 2007 بعنوان “الختان: الصدمة الخفية”. و من ملاحظاتي الميدانية أن بعض الرجال لم يتحملوا مشاهدة لقطات تصور عملية ختان على جهاز الفيديو، و صرح بعضهم الآخر بشعوره بألم عضوي أثناء مشاهدة اللقطات، و هذه ملاحظات عملية دالة على صدق تفسيرات علماء النفس، فها هي ذكرى آلام الختان لم تمح، حتى بعد سنوات طويلة. ويقول بعض الباحثين النفسيين، ومنهم د. جولدمان، إن الصدمة التي تختزن في لاوعي الطفل ولا يستطيع التعبير عنها لغويا، سوف يعبر عنها لاحقا في صور مختلفة باختلاف تركيب شخصية كل فرد والظروف الاجتماعية والثقافية التي يعيش تحتها، لكن اخطرها العنف ضد النساء الذي قد يصل للاغتصاب، فما يفعل بالناس في الطفولة يردونه للمجتمع في الكبر ويسقونه من نفس الكأس المر الذي شربوه وهم ضعفاء. 

الدكتورة سهام سنية عبد السلام : الختـان جراحة تبحث عن مرض(2/1)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق