في سرقة الشهداء…

مؤرّخ ذاكرة الرئاسة ومستشار ضجيجها عن المستقبل، عدل عن نصر الشهداء، لأنّ موت بعضهم لم يكن لائقا. لا ريب، لا وجود لموت عادل، ولا معنى لأيّ نصر على الموتى. لكنّ مستشار الكلام-بدل الضائع- أصرّ على سرقة الذاكرة الوحيدة التي لم تكذّبها المقبرة. إنّ البوعزيزي قد احترق فعلا، ومات فعلا، وقبره ينتصب على أفق الروح في وضوح فظيع. ومن العهر التاريخي أن نستشهد بزيارة الدكتاتور إلى ذلك الجسم الملفوف في هيئة المحترق الآخر الذي قُدّم على أنّه هو بوعزيزي الثورة.

كيف وصلنا إلى هذا المزاح الكلبي حول الشهداء ؟ أيّة رئاسة تسخر من رموز الموتى وتطمع في سرقة أحلامهم ؟ ما معنى أن نتّهم ميّتا بأنّه مزوّر ؟ ومن يظلم الموتى ؟
أبداً، لن يستطيع أحد أن يعتذر بما فيه الكفاية لمن ماتوا. مهما كان موتهم. أبداً، لن تستطيع أيّ دولة أن تجرّد الموتى من ذاكرتهم.

بيد أنّه يبدو أنّ حكّام الذاكرة الملعونة، قد باتوا يشعرون بأنّهم على الرغم من كلّ نجاحهم الانتخابي وأغلبياتهم المرآوية هم في آخر التحليل “لا أحد” ! فلانيون سيّئون، يدينون بكلّ مفردات وجودهم العرضي وحتى بكل أخطائهم إلى عدد قلق من الشهداء. وكان البوعزيزي قد جمّع كلّ أنواع الشهادة في جسده المحترق عمدا. ولكن بعد أن أُصبنا بعمى الدول، وصعد هاروت وماروت إلى سدّة الحكم كي يطلّوا على الله في صلاته الأخيرة، علينا، صار الشهداء فجأة هدفا سهلا لكلّ أنواع الضغينة: ضغينة الحكام العاجزين عن الشهادة سلفا، لأنّهم وجدوا أنفسهم مكلّفين أصلا باستخدام ذاكرة لا يملكونها وبيع الثورة إلى غير الناطقين بها.

من أحرق نفسه يأساً، هو قد شرّع لكلّ أنواع الوطن، وأكل من كلّ أنواع السخط: لا، لم يكن مجرد غضب حزين على الفقر، في قرية تقبع خارج خارطة العائلات الذكيّة، وهي بالطبع لا يمكن أن تكون سوسة، مثلا. ففي الساحل، لا ينتحر الفقراء. لا لم يكن غضبا حزينا، بل كان سخطا ميتافيزيقيا على “هذه” الدولة، الدولة “الحديثة” التي قامت على سرقة نجاح الفقراء وعقولهم وأسمائهم والزجّ بها في خدمة الحاكم / الشخص، الحاكم الذي لا يرى غير الإداريين، حرّاس الوقت الأمني الضائع للشعوب، ومؤرّخي الحركات “الوطنية” المكتوبة بعد الأوان. هل الكلام على الشهداء إلاّ جزء مريب من الصراع على الذاكرة و على كتابة التاريخ بأقلام “المنتصرين” ؟

لكنّ من عدالة الموت أنّه لا يشترط شهائد عليا ولا ألقابا عمودية ولا ولاءات الجهة. لا يحتاج الشهداء إلى أيّ مباركة من أحد. مهما كان نبيلا. وكل ما يولد بين أيديهم هو مقدّس. كان الأمر كذلك دوما، ولم يغيّره لا ظهور الأديان العلمية ولا مجيء الدولة الحديثة.
فبعد سرقة الثورة وسرقة الأصوات وسرقة المناصب وسرقة المجد في سنوات الجمر، وسرقة الأرواح من عقر جسمها،…جاءت سرقة الشهداء ! لكنّ السارق هذه المرة، يتمتّع بصراحة الخنازير: إنّه يغنّي في مأتم حديث ويدعونا إلى مأدبة فاخرة في مقبرة.

أيّها البوعزيزي كُفَّ عن حرق نفسك ( ! ) فليس لنا ذاكرة في حجم آلامك. هم لم يقبلوا باسمك في قائمة المهاجرين إلى الكرامة. حتى موتك، لم يكن دليلا كافيا على براءتك.
هل علينا أن نحرس الألم الكبير من ذباب الدول ؟ – أيّها الساخر من الشهداء، ابتعد عن موتهم !
 حذار من السخرية من أحلام الفقراء الذين لا سماء لهم، ومن التجديف على رموزهم القليلة. فليس أخطر من حلم متوحّد. وليس أفزع من ذاكرة الموتى. إنّ شباب الثورة الذي اخترع شخصية البوعزيزي لا يزال يجلس على الجمر وحده، والنار التي اشتعلت في جلده الكريم لا تزال تحتفظ تحت شفتيها الحمراوين بكل لهبه الرائع.

إنّ إهمال الموتى جزء من إهمال الأحياء. ربما ينجح المسخ في أخذ الشهداء على حين غرّة. مزاج متقلبّ لإله أعمى، يمكن أن يتشفّى في قتل الأموات مرة أخرى. ذاكرة كليلة، لا تريد التأريخ لنفسها، مخافة أن تسقط ورقة التوت عن الدولة الحديثة: دولة الجهة والعائلة واللقب واللون والنطق،…التي لبست لبوس “الاستقلال” التكنوقراطي لجيل فكّ الارتباط مع العشيرة كي يتفرّغ للمواطنة الحديثة. لكنّ الدولة تفضح الجميع: أنّ ما وقع في تونس إلى حدّ الآن منذ قرن هو قد تمّ بوحي عقلية واحدة ووحيدة: أنّ الفقراء لا مكان لهم إلاّ متى صاروا أجساما طيّعة لقوى الأمن أو موظّفين إداريين تحت الطلب. ليس لهم من شرط للنجاة الحديثة إلاّ تحصيل الشهائد العليا، مع شرط قابليتها للسرقة. فيما عدا ذلك هم ليس لهم أيّ حقّ في التشريع الروحي للوطن. وما رفض أيّ دور أخلاقي نبيل للبوعزيزي إلاّ مواصلة لدولة الحاضرة، تونس الشريط الحدودي، بطرق أخرى. ذهب الدكتاتور أو لم يذهب، فإنّ عقلية الدولة هي هي: ليس للفقراء إلاّ أن يكونوا أدوات بلا أيّ صلاحية روحية للوطن.
والويل لمن لا يستجيب لهذا القالب الهووي لحكّام الحاضرة:
غدا، إذا تجرّأتهم على الاستشهاد، مرة أخرى، فربما يطالبون بنفي الشهداء ( ! )
غدا، إذا ما متّم مرة أخرى، بلا حياء ولا خجل، فربما يطالبون بقرار عزل الموتى من مناصبهم( ! )
وغدا، إذا ما ألححتهم مثلا على مواصلة الانتماء إلى الوطن، فربما يطالبون بنفي الوطن من مناطق الظلّ ( ! )
أجل، إنّ وقت الدواء الأقوى لم يحن بعد،…لكنّ الشعوب لا تنام أبدا بعينين مغمضتين معا بلا نهاية….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This