الصراع بين المجتمع والذات الإرهابية (2) / السيد يسين

تحدثنا في المقال الماضي «العولمة وعواصف الإرهاب» (2 آذار / مارس 2014) عن القانون الأساسي الذي صاغه عالم الاجتماع الأميركي كاستلز والذي يقوم على أساسه المجتمع الشبكي (نسبة إلى شبكة الإنترنت) وهو «الصراع بين الشبكة والذات». أما الشبكة فيقصد بها «التشكيلات التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع المدى للميديا الاتصالية المتشابكة» والذات التي يرمز بها إلى الأنشطة التي يحاول فيها الناس تأكيد هوياتهم في مواجهة موجات العولمة المتدفقة سواء بالقبول أو بالرفض. في ضوء هذا القانون العام للمجتمع الشبكي سنحاول فهم ظاهرة الإرهاب، والذي هو في الواقع «الصراع بين المجتمع والذات الإرهابية» التي تسعى إلى تغيير العالم ولو بسفك دماء الآخرين من طريق التفجيرات، أو سفك دماء النفس ذاتها حين يفجر الإرهابي نفسه ويموت معتقداً أنه بذلك ينتصر للإيديولوجية المتطرفة التي يدين بها.

ويثور هنا سؤال رئيسي: كيف لنا أن نفسر ظاهرة الإرهاب ونحدد معالم شبكة العوامل المركبة والمعقدة التي تؤدي إليه في مجتمعات متباينة من حيث تاريخها الاجتماعي والثقافي ومختلفة من زاوية وضعها الاقتصادي؟

لقد سبق للباحثين في علوم السياسة وعلم النفس السياسي وعلم الاجتماع صياغة نظريات متعددة حاولت تفسير ظاهرة الإرهاب المعقدة، وتحليل العوامل المتعددة التي تؤدي إليها.

واهتممت شخصياً باعتباري باحثاً في علم الاجتماع السياسي بظاهرة الإرهاب منذ سنوات بعيدة، ونشرت أبحاثي في هذا الصدد في كتاب صدر لي بعنوان «إعادة اختراع السياسي» (القاهرة، ميريت، 2006).

غير أنني – بمناسبة وصول حركات الإسلام السياسي إلى السلطة في مصر وتونس – جددت أبحاثي وأصدرت كتيباً بعنوان «صعود وسقوط حركات الإسلام السياسي» أصدره «المركز العربي للبحوث» وهو مركز متخصص في الموضوع في أول كراساته الشهرية بعنوان «صعود وسقوط حركات الإسلام السياسي: ثلاثية الحداثة والهوية والإرهاب» وذلك في نيسان (أبريل) 2013. وفيها توقعت السقوط الحتمي لحكم «الإخوان المسلمين» بناء على تحليلاتي السابقة عن «العقل التقليدي» والذي عادة ما يتحول إلى «عقل إرهابي» يسوغ استخدام العنف، سواء ضد السلطة أو ضد الجماهير.

وقد لفت نظري أخيراً – بحكم اهتمامي القديم بموضوع الإرهاب – بحث بالغ الأهمية أصدرته مؤسسة «راند» Rand الأميركية والتي تعتبر أبرز تجليات العقل الاستراتيجي الأميركي عنوانه «تحسين مستوى فهم العسكريين الأميركيين للبيئات غير المستقرة المهيأة للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف: استبصارات من العلم الاجتماعي» وصدر البحث في العام 2003 وحرره دافيد تاهلر thalar وآخرون.

والجديد والمبهر في هذا البحث أنه تضمن مسحاً شاملاً لكل النظريات السائدة في العلم الاجتماعي بفروعه المختلفة، والتي تتعلق ببيئات الصراع القلقة من وجهة النظر العلمية. ليس ذلك فقط ولكن البحث حدد اثني عشر عاملاً من العوامل المرتبطة بالبيئات المعرضة للصراعات وبعد ذلك قدم مصفوفات Matrixes متكاملة تبين أنواع التفاعل المختلفة بين هذه العوامل.

وحلل البحث ثلاث نظريات سوسيولوجية هي «نظرية الصراع»، و «نظرية الحركة الاجتماعية»، و «النظرية المؤسسية/ التنظيمية». ونريد أن نوجز الأفكار الرئيسية لكل نظرية من هذه النظريات لكي نحدد التفسيرات التي تقدمها للبيئات غير المستقرة المولدة للإرهاب.

ونبدأ بنظرية الصراع. تقول هذه النظرية أن التوزيع غير المتكافئ للقوة والموارد داخل المجتمعات ينتج الصراعات. وهذه الصراعات لديها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع. وبناء عليه، فإن مصالح النخب في المجتمع في تعارض مباشر مع مصالح أولئك الذين هم ليسوا في مواقع القوة أو السلطة. ولذلك للمحرومين من الموارد السياسية أو الاقتصادية مصالح تتعارض مع الوضع الراهن. وهذه المصالح المتضاربة تدفع عجلة التغيير الاجتماعي. هذه النظرية تطبق كثيراً «دراسات الحالة التاريخية» للحروب الأهلية أو الثورة التي يطاح فيها بدولة تحكمها نخبة حاكمة، على يد السكان الذين هم مهمشون في السياسة، ومحبطون من الأوضاع الاقتصادية. وغالباً ما تشير الدراسات السوسيولوجية الى تأثير الحرمان النسبي والتهميش الجماعي في ظهور الحروب الأهلية أو الثورات.

أما نظرية «الحركة الاجتماعية» فتطرح الإطار التصوري لفهم كيف ولماذا ينشأ العمل الجماعي والخلاف السياسي. إذ تفترض أن الأفراد يلجأون الى العمل الجماعي عبر طرق: بتعبئة الموارد، وتوفير الفرص ضمن سياق سياسي عام، وصياغة رسائل وخطابات منظمي الحركة.

وتجادل نظرية تعبئة الموارد بأن نشوء الحركات أو أعمال التمرد، تحتاج لوجود مؤسسة وللتدفق المستمر للموارد المادية والمالية والبشرية. وبالتالي فإن نجاح الحركة يعتمد على مدى حشد هذه الموارد. ويرى بعض الباحثين أن الفاعلين العنيفين هذه الأيام منظمون على غرار تنظيمات الحركات الاجتماعية. فلا بد من توافر فريق من المتخصصين الذين يديرون ويوجهون الهجمات، ويقومون بتجميع الموارد، وتنصيب القيادة العامة لقاعدة أوسع من الأنصار. لذا تنطبق نظرية تعبئة الموارد على الجماعات الإرهابية مثل تنظيم «القاعدة».

وتوصل الباحثون إلى أن دراسة البيئات المتوترة والمعرضة للعنف السياسي تتطلب الاستفادة من نظريات التوتر والمظالم. ولقد وجد العديد من الدراسات أن المتمردين أو الأشخاص العنيفين بدافع من القيم المهددة، أو بدافع من العقيدة الدينية المثالية، في تناقض مع ممارسات المجتمع، ومع ردود الفعل على مسار التحديث في المجتمع، أو على الاحتلال العسكري الأجنبي والنفوذ الخارجي، أو المظالم العامة الأخرى. ومع ذلك، تدرك نظرية «الحركة الاجتماعية» أن المظالم والحرمان النسبي أو القمع، أو التوترات الاجتماعية لا تكفي وحدها لتفسير لماذا تتجلي بعض الدوافع في صورة خلافات وحركات عنيفة فيما لا تتجلى في غيرها.

وهناك نظرية «الشبكة الاجتماعية» وهي ميدان سوسيولوجي واعد لفهم واستدامة العمل الجماعي، وكذلك التمرد. فتقدم النظرية إطاراً لدراسة بناء الشبكات وقوة العلاقات بين أعضاء الشبكة، وكذلك دراسة إمكانية نشوء نقاط يمكن عندها أن تتعرض العلاقات للتفتيت كجزء من الجهود الرامية لمكافحة التمرد.

تجادل نظريات «الشبكة الاجتماعية» بأن بنية الشبكة ورصد العلاقات الناشئة بين أعضاء الجماعة وأنواعها يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في نجاح الفرد وعمليات اتخاذ القرار، وفي تشكيل هوية الأفراد الأكثر نفوذاً، والسلوك المحتمل للجماعة، واستجابة الجماعة للصدمات الداخلية والخارجية. ففي نظرية الشبكة الاجتماعية، سمات الأفراد أقل أهمية من العلاقات المعقودة بين الأفراد والعلاقات القائمة مع الفاعلين الآخرين داخل الشبكة. فالنظرية تدرس وتقيس العلاقات والتفاعلات بين الفاعلين الأفراد داخل الشبكة، الذين يمثلون ما يعرف بـ «العقد» Nodes، وتستخدم مخططات الشبكة لفهم تدفق السلطة والموارد (المال، والمرافق، المعدات)، والمعلومات عبر التنظيم وكيف تؤثر الشبكة على تجنيد المؤيدين.

وتبقى أخيراً «النظرية المؤسسية/ التنظيمية» وهي تدرس حال البيئات المؤسسية والبنى الاجتماعية التي يقبع الأفراد فيها (على سبيل المثال، المدارس، وأماكن العمل، والأسر، بل والبنى السياسية أو الاقتصادية) كما تهتم بالطرق التي تقوم بها تلك المؤسسات والبنى بوضع المعايير والمعتقدات، أو الإجراءات التي تنظم الأفراد وتوجه سلوكهم الاجتماعي والقرارات المعمول بها والمعتمدة والتي يتم تعديلها وفقاً للأوضاع الاجتماعية. وحين ننظر إلى هذه النظريات المؤسسية في سياق التمرد، نجدها مفيدة في دراسة كيفية قيام الجماعات المتمردة بوضع قواعد السلوك الاجتماعي وتطبيقها لدفع السكان للانضمام إليها. ومع ذلك فإن هذه النظريات، حتى الآن، لم تطبق التطبيق الملائم كالنظريات السابقة. ويبقى أن نحلل من بعد النظريات الأنثروبولوجية التي حاولت بحث ظاهرة الإرهاب من خلال تحليل الثقافات المختلفة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق