الطغيان والاستبداد والدكتاتورية:

 يبدو ان غالبية الصحفيين والسياسيين بل والكتاب المهتمين بالشأن السياسي عندنا لا يأبهون لضرورة التمييز عند استخدامهم لمصطلحات هامة مثل الطغيان Tyrannieوالاستبداد Despotismeوالدكتاتورية Dictature او الشمولية Totalitarisme، رغم انها مفاهيم ذات مدلولات دقيقة ومتمايزة في حقل الفكر السياسي قديمه وحديثه. فهم يوظّفونها في خطبهم او في مقالاتهم كما لو كانت تحيل الى اسلوب واحد ومتجانس في الحكم يكون مناقضا للديمقراطية باعتبارها النظام الوحيد الذي يكفل المواطنة والحرّيات السياسية… بل يتلازم ذلك مع انعدام للوضوح في تمثل الديمقراطية نفسها التي قد تتحوّل لدى البعض منهم الى “ديمقراطية شعبية” Démocratie plébiscitaire قائمة على ما اسماه “ألكسيس دو توكفيل” بطغيان الأغلبية (المقصود هو دكتاتورية الاغلبية Dictature de la majorité) دون وعي بأنهم من حيث يتحدثون عمّا يعتبرونه ديمقراطية، لا يفعلون سوى أنهم يشرّعون لأحد أبشع انماط القهر السياسي بتحويل الديمقرطية نفسها الى نظام شمولي او الى “ثيوقراطية” Théocratieمرعبة.

وكمثال على هذه الفوضى المفهومية في الخطاب السياسي والصحفي السائد، نسمع أو نقرا تصنيفات شتى لحكم الرئيس السابق في تونس على انه حكم “دكتاتوري”Régime dictatorial احيانا، وعلى انه حكم “استبدادي” Régime despotiqueاحيانا اخرى. بل ان البعض يفضّل تسميته ب “نظام الطاغية”Régime tyrannique ! فما هو “بن علي” خلال حكمه لتونس على وجه الدقة؟ هل كان“طاغية” Tyran حقّا ؟ ام تراه كان “مستبدّا” Despote ؟ وهل يمكن اعتباره “دكتاتورا” Dictateur؟ ام تراه كان “قائدا كليانيا”ِ Chef totalitaire كما يتسنى ان نفهم ذلك من تصنيف آخرين للحزب الحاكم في عهده على انه “حزب كلياني Parti totalitaire؟؟ وهل يمكن القول انه قد جمع كلّ هذه الصفات في آن واحد؟__ أفلا يدلّ ذلك على اننا لم نفلح بعدُ حتّى في تحديد طبيعة الحكم السياسي الذي كان قائما في بلادنا؟
ويصل هذا التخبّط المفهومي في الخطاب السياسي السائد الى حد الجمع بين هذه المفاهيم في نفس الصيغ. كأن يُقال لنا أن النظام الفلاني هو نظام”دكتاتوري وفاشي واستبدادي“، في صيغ دعائية توحي للقارئ بأنّ هذه الكلمات مترادفة الدلالة. بل ان احد مشاهير المرحلة الراهنة كان قد ذهب الى حدّ ابتكار يصف فيه الانظمة العربية الجمهورية في تونس وسوريا ومصر، بأنها انظمة”جملوكية“(حيث لا مقابل للعبارة في اللاتينية)، مستوحيا ذلك من اسلوب توريث الحكم الذي توخاه بعض الرّؤساء المتأخّرين في هذه الدول. والحال ان ذلك لا ينمّ في رأينا عن عبقرية و سعة خيال بل على تشويش مفاهيمي واضح. فشتان بين النظام الجمهوري والنظام المونارشيMonarchie ، ثم ان الانحراف داخل النظام الجمهوري لا يتمّ بالانزياح نحو الملكية بل بفساد يصيب مؤسسات الجمهورية. 

فما هي أسباب هذا الخلط؟ وما هي نتائجه على صعيد الخطاب والممارسة السياسيين؟ ثم ما هي تعريفات تلك الانظمة وما اوجه الشبه والاختلاف فيما بينها؟ وهل يمكننا ان نستفيد من ذلك في تصوّرنا لتجارب الانتقال الديمقراطي Transition démocratique اليوم مثلا؟


1- بعض اسباب هذا الخلط: ولع ساذج بالديمقراطية

يبدو لنا ان السبب الاول هو اشتراك هذه الانظمة (الاستبداد والطغيان والدكتاتورية) في معاداتها للحرية السياسية. فهي كلّها انظمة للسلطات التامّة تخلو من اي فصل بين مؤسسات السلطة ومن اية رقابة متبادلة على السلطة. اي انها لا تخضع لمبدأ الفصل بين السلطات اللازم لكل ديمقراطية. هذا الشبه يجعل الناشطين في الحقل السياسي يميلون الى المماهاة بين مدلولات اسمائها فيتعاملون معها باعتبارها مترادفات تحيل الى مسمّى واحد ودون تدقيق في الفروقات بينها. ومن الطبيعي انه إذا كان هدف الجميع المعلن هو الديمقراطية فان كل اشكال الانظمة الاخرى تتساوى في القيمة وتزول الفروقات في ما بينها ايّا كانت درجة أهميتها. فلا تغدو هذه المصطلحات دالة على حقائق سياسية متمايزة معجميّا وتاريخيا بل على اسماء مختلفة لحقيقة واحدة تتمثل في كلّ نظام قائم على الاستئثار بالسلطات وقمع الحرّيات السياسية. فلدى العائلات السياسية المدافعة فعلا عن الديمقراطية، من حقوقيين و احزاب ليبرالية وغيرها، تمثل الديمقراطية الهدف المنشود الذي يجب ان يتحقق كبديل لنظام قهري تُكال له كلّ نعوت الاستبداد والفاشية و الدكتاتورية والطغيان دون تمييز. اما لدى التيارات التي تتبنّى فكرا معاديا للديمقراطية، فان الديمقراطية اصبحت تّرفع كشعار تعبوي وانتخابي يصاحبه نعت للنظم التي اضطهدتها في مراحل سابقة بأنها نظم طغيانية، دون ان يستوضح الناس طبيعة النظام الذي تقودهم اليه تلك الحركات فعلا. فلا وضوح في خطابها لا في ما تسميه ديمقراطية ولا في ما تسميه طغيانا ولا كذلك في توصيف البديل الذي تبتغي ترسيخه. أمّا السبب الثاني للخلط فهو برأينا الجهل. فهؤلاء الكتاب او السياسيين الذين يماهون بين تلك المفاهيم لم يستوعبوا جيّدا مثلما يبدو ما درسوه في نصوص التاريخ والعلوم السياسية مثلا. ثم ان الجمهور الذي يسمعهم او يقرؤهم يبدو هو الآخر ، في قسم كبير منه، غير مهيّأ لمواجهة جهلهم او تمويههم عند استخدامهم لهذه المفاهيم.

وفي خضمّ هذا”الضجيج“تطفو”الديمقراطية“وحدها على السّطح، دون أن تكون هي الاخرى متمثلة بوضوح في الاذهان (حيث تفهمها الغالبية على انها الغلبة في حين يفهمها آخرون على انها الحرّية الفردية التامة) ، فيعمّ الخلط بين كل تلك الاصناف من الانظمة لتختفي سيّئاتها ومناقبها وراء أسماء لمسمّى واحد يبدو ان لا وجود له إلا في اذهان اصحابه. لذا يتوجب التوقف برأينا للتذكير بتعريفات هذه الانماط من الحكم عسى أن يصبح الوعي بالواقع السياسي اكثر وضوحا ودقّة ونجاعة.


2- سلطة الطاغية بما هي سلطة للخرابDésolation :

اذا احترمنا معجم المفاهيم السياسية، فإنّ الطغاة هم الطغاة وهم ليسو بمستبدين ولا دكتاتوريين ولا بقادة كليانيين. فلا يستقيم نظريا ان نصف رئيسا لدولة تنظّم شؤون محكوميها بنصوص دستورية وقانونية، ايّا كانت درجة القهر السياسي فيها، بأنها تمثل حكما طغيانيا إلا اذا كان ذلك على سبيل التشبيه. لأن الطغيان في المجال السياسي هو بحصر الكلمة، سلطة فرد او مجموعة افراد على مجموعة، لا تخضع في ممارستها لأي رادع قانوني او عرفي. انه السلطة”السياسية “التي يتصرف بموجبها من يسمّى”طاغية“ وفقا لاهوائه فقط ودون اعتبار لدستور او لمبادئ أخلاقية تقوم رقيبا عليه وتكون حاميا للأشخاص الذين يتعرّضون له. انه بإيجاز سلطة بلا عقد Contrat ينظّمها. وهي بحصر العبارة، سلطة نزويةPouvoir capricieux لا تهدف الى شيء آخر سوى الى الهيمنة والبطش. وان شئنا هنا قلنا ان ماهية الطغيان تكمن في الهيمنةDomination/Asservissement : الهيمنة بما هي هدف في ذاته وبما تستدعيه من استهانة وتنكيل بالبشر وليس بما هي حيلة لإنقاذ الشعب من ازمة ما كما هو الحال في الدكتاتورية. ويمكننا ايضا ان نقول عن هذا الصنف من السلطة السياسية أنّه يعبّر عن ضرب من مجّانية السلطة La vanité du pouvoir التي تتجسّد في ضرب من النرجسية واللامبالاة المطلقتين. فالطاغية لا يرى الاّ رغباته ومصالحه.

ولذلك يمكننا القول ان سلطة الطاغية ليست سلطة تسيير وتنظيم للفضاء المدني مثل سلطة المستبد او الدكتاتور، لأنه لا تواصل حقيقيّ لها مع هذا الفضاء ولأن الطغيان لا يمكنه ان يستقرّ إلا على حطام هذا الفضاء. فلا يهمه مثلا انتشار الفساد او الفقر او الجريمة في المجتمع الذي يحكمه، بل انه قد يساهم في تكريس الحالة المزرية لذلك المجتمع بغية الاطمئنان على ضعف القدرة على ردّ الفعل لديه. مما يعنى ان الطغيان يتلازم مع انعدام تامّ للمقاومة والقدرة على الفعلDésolation . ويدلّ ذلك ايضا على ألاّ”رعيّة“للطاغية بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن الرعيّة تفترض”راعيا“Despote يرعى شؤونها فيتدبّر امر أمنها وقُوتها. في حين ان الطاغية لا يرعى شيئا سوى أهوائه. ومثلما لاحظ ج. لوكJ. Locke ، فانه”كلّما استُغلت السلطة لإرهاق الشعب وإفقاره تحولت الى طغيان “ .

ولهذا السبب أيضا يكون حكم الطاغية قاسيا ودمويا دائما بما يسمح بتصنيفه كنظام للبطش اللّامبرّر Un Régime d’oppression gratuite لا حدود لفظاعته ولا رقابة على ما يقترفه في حقّ محكوميه. ويرى مفكر الأنوار، الايطالي الاصل، فيكتور آلفييري Victor Alfieri ( 1749-1803) ان جوهر الطغيان انّما يكمن في تجاوز القانون او بالأحرى في انعدامه. فالإغريق القدامى أطلقوا اسم الطاغية”على كل أولئك الذين يسمّون ملوكا Rois و درجوا على ان يستخدموا دون تمييز مصطلحي “الملوك” و“الطغاة” للدلالة على كل اولئك الذين يستولون على مقاليد السلطة اما بالقوة او بالحيلة… ثمّ يعتبرون، و قد كانوا كذلك بالفعل ، انهم فوق القوانين“. غير ان التسمية ستتغير قليلا بعد ذلك عند المحدثين حيث لم يعد اسم الطاغية يطلق”إلا على اولئك الامراء الذين يسلبون افراد الشعب حياتهم وممتلكاتهم و شرفهم دون اية ضوابط. في حين اُحتُفظ باسم “الامير”Prince او “الملك” للدلالة على أولئك الذين لا يسلبون الناس أملاكهم رغم كونهم قادرين على ذلك. وان فعلوا، فإنهم لا يفعلون إلا بغطاء قانوني“. إنهم يستطيعون لو شاءوا ان يستولوا على كل شيء دون خوف من عقاب ولكنهم يتعفّفون ويخيّرون التظاهر باحترام القوانين ورعاية مصالح الرّعية. أي ان الاستخدام الحديث لكلمتي أمير وملك اصبح يتعلّق بوصف الاستبداد ولم يعد ينطبق على الطغيان.

خلاصة القول ان الطغيان سلطة فاسدة بموجب طبيعتها النزوية تلك. ولذلك فإنها لا تعمّر طويلا. فعلى خلاف النظم الاستبدادية والدكتاتورية او التوتاليتارية، التي امكن لها ان تعمّر لفترات طويلة في التاريخ قد تعدّ مئات بل آلاف السنين (مصر او روما قديما مثلا)، يمثل الطغيان انحرافا طارئا ومؤقتا لا يستطيع ان يجد لنفسه مرتكزا صلبا في وعي المحكومين الذين لا يتأخرون بسبب ذلك في الاطاحة به. فقصر عمر الطغيان هو نتيجة حتمية لكونه في جوهره نظاما نزويا ديدنه البطش وليس نظاما للبناء والتسيير. فهل ينطبق ذلك على حكم الفراعنة مثلا؟ اذا كان الطغيان هشّا الى هذا الحدّ، فكيف نفسّر تعمير حكم الفراعنة الذين اعتدنا على اعتبارهم طغاة( بناء على ما تعلّق بهم في التوراة والقرآن ) ليمتد الى ما يقارب الثلاثة آلاف سنة (3150 ق.م – 50ق.م )؟ ام انّ طبيعة السلطة السياسية لملوك مصر القديمة لم تكن طغيانا بالمعنى الذي نصطلح عليه اليوم؟ (…)

3- سلطة المستبد بما هي سلطة للرعاية Protection:
الاستبداد سلطة مطلقة مثله في ذلك كمثل الطغيان. فلا رادع لسلطات المستبد هو الآخر. وهو ما يسمح بوصف الحكم الاستبدادي بالنزعة الاطلاقية Absolutisme كما نتبيّن ذلك لدى”منتسكيو“في نقده للسلطة السياسية المطلقة مثلا . لذا فانّ الفارق بين المستبد Despote والطاغية ليس مقدار السلطة او القدرة على البطش بالشعب، اذ ان كليهما قادر تماما على ذلك. الفارق بينهما يكمن في كون المستبد يضع حدودا لسلطانه لكي يظهر كراع لمصالح شعبه (وهو المعنى الاصلي لعبارة”despotês“الاغريقية: الاب او الراعي الذي يرعى شؤون عائلته). ذلك هو ما يجعل الاستبداد المستنير Despotisme éclairéممكنا حيث لا معنى بناء عليه للحديث عن طغيان مستنير. وبعبارة اخرى فان حكم المستبد، خلافا للطغيان، يختصّ بهذا التناقض المكوّن له جوهريّا كونه مطلقا Absolu ولكنه محدودLimité . مطلق، لكون المستبد يستأثر بكلّ السلطات او يحتكرها احتكارا تامّا (على نقيض الديمقراطية التي تقوم على الفصل بينها)، ومحدود، لأنه يتقيّد بضوابط قانونية او عرفية.

صحيح ان”مونتسكيو“لا يتفق تماما مع هذا التحديد لمعنى اللفظ مستبد – اذ يماهي بين الاستبداد والطغيان بتمييزهما معا عن نظام الحكم الفرديMonarchie معتبرا ان هذا النظام الفردي يتميّز باحترامه للقوانين خلافا للاستبداد الذي لا يتقيد بأية ضوابط:” فالحكومة المونارشية (الملكية) حسب قوله، هي تلك التي يمارس فيها شخص واحد الحكم، ولكن عبر قوانين ثابتة ومؤسسة، في حين يكون في الاستبداد شخص واحد يتحكم بإرادته وبنزواته في كل شيء دون قانون ولا قاعدة“. ويبدو ان آخرين مثل عبد الرحمان الكواكبي قد عملوا هم ايضا بهذا الخلط بين الاستبداد والطغيان بالارتكاز على صفة الاطلاقية في الحكم . غير انه يمكننا ان نحتفظ هنا بالتمييز السابق لاعتماده من قبل اكثر الدارسين لهذه المسالة.

4- سلطة الدكتاتور بما هي سلطة للإنقاذ Salut:
للوقوف على معنى هذا المفهوم يكون من الاجدر العودة الى السجل الدستوري الروماني الذي شهد نشأة هذه الوظيفة السياسية لأول مرة في التاريخ. فالدكتاتور Dictātǒr في الجمهورية الرومانية هو ذلك الشخص الذي يعينه مجلس الشيوخ Senat لكي يشغل خطة”الحاكم“( صاحب السلطة التنفيذية Le Magistrat ) بالسلطات التامّةPleins pouvoirs و بشكل استثنائي Magistrature extraordinaire لمدّة لا تتجاوز ستّة أشهر . ويعود تاريخ احداث هذه الخطة في الدستور الروماني القديم الى سنة 501 ق.م.، حيث تتميز خطة الحاكم/الدكتاتور Le Magistrat-dictateur (Magister populi) في روما القديمة ليس فقط بطابعها المؤقت والاستثنائي بل بكونها ذات سلطات تامّة. وهو ما يعني ان الدكتاتور ليس حاكما طاغية يفتكّ السلطة بطرق غير شرعية (انقلابUsurpation de pouvoir ) ولا هو كذلك بالملك المستبد الذي يتسلّم السلطة في اطار التوارث العرفي، وإنما هو موظّف تعيّنه الادارة الجمهورية للدولة في اتفاق تام مع ما ينصّ عليه قانونها الاساسي (الدستور). و اذا عدنا الى مراحل تاريخ الجمهورية الرومانية في القرون الخمسة التي عمّرتها قبل الميلاد (من 509 ق.م الى حدود 44 ق.م.)، فسنلاحظ وجود قائمة مطوّلة من الحكام الدكتاتوريين تبدأ بتيتيوس فلافيوس (501 ق.م.) وتنتهي بيوليوس قيصر (44ق.م) الذي سينحرف عن وظيفته الجمهورية كدكتاتور مؤقت ليتحوّل الى امبراطور طاغية ولينهار النظام الجمهوري بمقتله. فسبب الصراع الذي ادى الى قتل الطاغية”يوليوس قيصر“ (Tyrannicide)هو تحديدا هذا الانحراف عن ضوابط خطة الدكتاتور التي حددها له مجلس الاعيان دستوريا عند تسميته. ويعني ذلك ان سلطة الدكتاتور هي سلطة دستورية ومقيّدة ولا ينطبق عليها وصف الإطلاقية الذي يمكن حمله على الاستبداد أوالطغيان. ثمّ انه يعني ان احداث المؤسسة الدكتاتورية لا يهدف في الاصل الى انهاك الشعب او اضطهاده كما هي الحال في الطغيان بل الى انقاذه من وضع متأزم ما. الدكتاتور بهذا المعنى هو شخص يفوضه الشعب عبر مؤسساته لخدمة الجمهورية في اطار ضوابط قانونية صارمة. وبعبارة اخرى فان سلطة الدكتاتور التامة والتي تبدو في ظاهرها مطلقة انما هي سلطة محدودة في جوهرها. أما اذا حاد الدكتاتور عن شروط التكليف فانه يتوقف عندئذ عن ان يكون دكتاتورا .
ولكنّ خطة الدكتاتور لم تندثر من سياسات ودساتير الشعوب والدول الحديثة. فهيئة الخلاص الوطني Le Comité de salut public التي تشكلت بُعيد الثورة في فرنسا هي الهيأة التأسيسية لحكومة الثورة التي تم التواضع عليها بهدف مواجهة الاخطار التي تهدد الجمهورية خلال النصف الثاني من سنة 1793. وفضلا عن هذه الهيأة، تشكلت هيأة اخرى عرفت بهيأة الأمن العامComité de sûreté générale / غير ان هذه الثانية انحرفت انحرافا خطيرا كما معروف بنشرها لما اصبح يعرف فيما بعد بالرعب الثوري La terreur révolutionnaire الذي ادى الى مقتل واضطهاد الآلاف من الفرنسيين في تلك الفترة. ويمكننا القول ان الدكتاتورية، رغم ظهورها المبكّر في الجمهورية الرومانية القديمة، هي الوريث المعاصر للأنظمة السياسية القهرية التي كانت تظهر كطغيان او كاستبداد في الدول القديمة والوسيطة والحديثة. غير انها تختلف عنها كثيرا من جهة آليات اشتغالها.

ولعلّ المثال الابرز على استنساخ هذه الآلية الدستورية الرومانية وعلى انحراف الدكتاتورية في الزمن المعاصر يتمثل في سنّ الرّايشستاغ Reichstag في المانيا لقانون السلطات التامةLa loi des pleins pouvoirs لفائدة”أدولف هتلر“يوم 23 مارس 1933. ذلك هو القانون الذي حوّل هتلر فيما بعد، كما هو معروف، من مجرّد رئيس وزراءChancelier لدولة ديمقراطية يتمتع حزبه بأغلبية نسبية في الانتخابات العامة التي أطاحت بحكومة”وايمار“، الى فوهرر Fuhrer يدّعي تجسّد الإرادة الكلّية للشعب الالماني في شخصه (قائد كليانيChef totalitaire) ويدعو الى بناء رايخReich الالف سنة، رغم ان الفصل الخامس من قانون السلطات التامة يحدد مدة صلاحية هذا القانون بأربع سنوات: من 23 مارس 1933 الى 01 أفريل 1937. فخطّة الدكتاتور خطيرة بهذا المعنى لأنها تحتوي على التهديد الكامن بتحوّل الدكتاتور من منقذ Salvateur الى طاغية او الى قائد كلياني. ولكن معنى الانقاذ يظل مقوما لمفهوم الدكتاتور خلافا للطغيان ومعنى المحدودية يظل مقوما له خلافا للاستبداد.

5- من الخلط الى الاختلاط (أو التخبّط السياسي لنظم الحكم في العالم العربي):
التخبط ليس سمة الخطابين السياسي والصحفي السائدين بل هو يتعلّق بمنطق الممارسة السياسية للأنظمة القائمة في العالم العربي دون ان يعني ذلك بطبيعة الحال ان الخلط الذي يتسم به خطاب السياسيين او الصحفيين هو انعكاس مباشر لذلك. فبعض الحكام يتصرّف احيانا كمستبدّ يتمتّع بسلطات مطلقة يسخّر جزءا منها لخدمة وطنه ( وهو ما ينطبق على كلّ الحكّام في العالم العربي اليوم)، ولكنّه يبدو احيانا أخرى كطاغية يسلك ازاء شعبه سلوكا مدمّرا. ليس من الصعب العثور على الامثلة في سلوك الحكام طيلة العقود التي تلت تأسيس الجمهوريات والممالك والإمارات العربية. بل ان بعض تلك الانظمة القهرية تتوخى احيانا اسلوب الانظمة الشمولية عبر اعتمادها على التعبئة الشاملة Mobilisation totale و على عسكرة مجتمعاتها وتعميم الرقابة الامنية عليها بشكل توتاليتاري. مما يدفع المرء الى الدهشة ازاء انظمة تقليدية ذات بنية قروسطية من جهة، ولكنها، من جهة أخرى، تستخدم آليات حكم اختصّت بها انماط اخرى من انظمة سياسية ظهرت في القرن العشرين. وإذا عدنا الى مثال”بن علي“المذكور اعلاه، فانه من البيّن ان بداية عهده شكّلت – أو هكذا تمّ تقديمها على الأقلّ –”مرحلة انقاذ دكتاتورية“واضحة بدا فيها وكأنه يضطلع بمهمة اصلاحية مؤقتة يهيّأ من خلالها البلاد لمرحلة ديمقراطية مستقرة بعد الانحراف الطغياني العارض الذي طبع اواخر المرحلة البورقيبية. (الميثاق الوطني مثالا). ولكننا نعرف ما حدث فيما بعد من انحراف جعل”دكتاتورية الانقاذ“تتحوّل الى”رقابة توتاليتارية“شاملة احيانا والى”طغيان فردي“احيانا اخرى (الفساد والنزعة الأوليغارشية Olgarchiqueواستفحال البلوتوكراسيّة ploutocratique ). وقد جاء كلّ ذلك وراء غطاء من البروباغاندا الديمقراطية المثيرة للاستغراب. كذلك هو الشأن بالنسبة الى ليبيا او العراق: فالتحسّر الذي يبديه العراقيون والليبيون على نظامي الشهيدين صدّام حسين ومعمر القذافي يشهد على ان حكمهما لم يكن طغيانا بأتم معنى الكلمة وعلى انه كان يتضمّن بعدا استبداديا ودكتاتوريّا وطنيّا ايجابيا في علاقتهما بشعبيهما. وتوجد امثلة اخرى في العالم العربي المعاصر على انظمة تبدو في ظاهرها مونارشيات استبدادية تقليدية ولكنّها تستخدم في ممارستها للسلطة على شعوبها آليات تشبه تماما تلك التي تمارس في الانظمة الشمولية. فأين نحن من مفهوم الاستبداد الشرقي لدى ماركس؟ لذا فان القول بان نظاما ما استبدادي وطغياني وشمولي في نفس الوقت قد لا يخلو من وجاهة نظرا لتعقيد الانظمة نفسها على صعيد الواقع. غير انه لا يبدو مرتكزا لدى كثرة غالبة من الكتاب والسياسيين على تمثل واضح لمدلولات تلك المفاهيم…

6- في الانتقال الديمقراطيTransition démocratique : ”سلطة ديمقراطية“أم”مرافقة حذرة للفوضى”:
هل يمثل الانتقال الديمقراطي ديمقراطية؟ نحن هنا نستعيد السؤال الذي طرحه كريستيان بيدغارايِ Christian Bidegaray سنة1993 في مقال له حول الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية ( –Peut-on qualifier la transition de démocratique ? ) والجواب طبعا لا. فالمجتمع الذي يجري ما يسمّى انتقالا ديمقراطيا يكون قد خرج للتوّ من مرحلة نظام قهري غير انه لم يتمكن بعد من تركيز المؤسسات الدائمة للديمقراطية المستقرّة. ولكن ما هي على وجه الدقة طبيعة هذه المرحلة التي قد تستغرق سنوات طويلة من تاريخ الشعوب؟ فإذا لم تكن ديمقراطية، هل يصحّ ادراجها ضمن احد اصناف الانظمة السياسية الاخرى؟ المؤكد انها ليست استبدادا ولا طغيانا لتناقضهما جوهريا مع فكرة التحول نحو الديمقراطية. ومن المؤكد ايضا انها ليست توتاليتارية لان ذلك يعني استحالة هذا الانتقال نهائيا. فما هي اذن؟ ألا تكون في النهاية عصيّة عن كل تصنيف؟ هلاّ تكون ضربا من الفوضى التي لا يمكننا التنبّؤ بمفضياتها ؟

يرى نيكولاي غيو Nicolas Guilhot، وجوب ربط هذا المفهوم بجذور نظرية ماركسية. اذ ان فكرة الانتقال هي فكرة ماركسية ترتبط بتصور خلاصيMessianique او مسيحي للتاريخ وبنظرية المرور من الرأسمالية الى الشيوعية. ويعني ذلك ان واضعو هذه الفكرة يستلهمونها من سجلّ نظري مادي تاريخي. ولكنّ آلية الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية في التصور الماركسي للتاريخ هي الدكتاتورية التي يسميها ماركس بدكتاتورية البروليتاريا، في حين ان الاقدار قد لعبت هنا دورها لكي ينعكس اتجاه الانتقال التاريخي بعد ثورات 1989 من انتقال نحو الشيوعية الى انتقال من الاشتراكية الى الديمقراطية. أي استبدال ما يمكن ان نسميه بالانتقال الدكتاتوري ( دكتاتورية البروليتاريا) نحو الشيوعية بانتقال ديمقراطي نحو الديمقراطية. ولكن السؤال يبقى هنا متعلقا بطبيعة آلية هذا الانتقال. اذ أي ضرب من السلطة السياسية يرافق الانتقال الديمقراطي؟ هل يمكننا القول انها سلطة سياسية ديمقراطية؟

البيّن كما يظهر وكما تدل التسمية على ذلك انه يُراد منها ان تكون مرحلة اعداد للديمقراطية تهدف الى تفادي الانحراف نحو الدكتاتورية أو الطغيان والى تجنّب منزلق ما يسمى بالرعب الثوري (ذلك الرعب الذي يكون مصاحبا لدكتاتورية الانتقال الاشتراكي نحو الشيوعية مثلا : الستالينية، ولا يعقل طبعا ان يكون مرافقا للانتقال نحو الديمقراطية). و هو ما يفسّر اهمية هذه السيرورة في تجارب بعض الشعوب اليوم. غير انه من المفيد التذكير انه لم يحدث ابدا في التاريخ ان نشأت ديمقراطيات مستقرة عبر مثل هذه الآليات المفتعلة. الديمقراطيات العريقة المعروفة لم تنشأ فجأة ولم تكن نتاجا لعملية مصطنعة كالتي نسمّيها اليوم انتقالا ديمقراطيا، بل كانت ثمرة لتراكم ثقافي واجتماعي وسياسي طويل الامد لم يكن ممكنا دونها قيام ذلك الهيكل المؤسسي الذي تتجسّد من خلاله الديمقراطية المستقرة. فما الذي اعدّته مجتمعاتنا فعلا للديمقراطية حتّي تقيم مسارا مؤسساتيّا نحوها؟ ألا يكون الانتقال Transitionمجرّة نقلة Translation صورية لا غير؟ ألا يقودنا ذلك الى اعادة النظر في اسس الديمقراطية الدائمة وفي علاقاتها بكل من الانتقال الاصطناعي اليها من جهة، ودكتاتورية الانقاذ وضرورة البناء طويل الأمد من جهة أخرى؟ 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق