الفيلسوف والمدينة

(عندما أكون وحيدا- لا أكون وحيدا إنما أعود في هذا الحاضر إلى ذاتي في صيغة الأخر. ثمة شخص ما حين أكون وحدي. وواقع أن أكون وحدي يعني أن أنتمي إلى هذا الزمن الميت الذي هو ليس زمني أو زمنك أو الزمن المشترك مع الآخرين. إنه زمن شخص ما. وهذا الشخص هو ما يبقى هنا حين لا يعود هنالك أحد. هذا الشخص هو الهو المبهم. صيغة الغائب التي يشارك فيها كل الغائبين. لكن من ذا الذي يشارك فيها حقا؟ ليس هذا أو ذاك. ليس أنا أو أنت. إذ لا أحد يشارك في صيغة الغياب.) موريس بلانشو

لعل شعورا عميقا في حس التوقع الذاتي بأنني معني ومقصود بأفق السؤال قد فجره ألم عنف متخيل الكتابة والواقع. فورطت نفسي في قراءة النص، بدوافع الذكاء الانفعالي الاجتماعي في الإحساس بألم الآخرين، ومعايشته كمساحة تقاطع نفسي ثقافي اجتماعي مشترك للتواصل الإنساني. الكاتب هنا لا ينتظر جوابا لأنه لا يطرح سؤالا، بل يفكر، أي ينصت إلى ممارسة جدارة الإنصات لنداء الحياة والكينونة والوجود. الجدار نزع جبته الصوفية التي كانت تحمي الفقراء من قسوة صهيل موت برد الأتراح في الأجساد المحرومة من ضوء فجر مذبوح، شنقته حبال الليل البهيم دون شفقة ولا رحمة ، والرصيف تخلى عن صبره المزعوم في حمل تعب أوساخ الناس الذين يرهقهم عار ستر أوساخهم… إن عذابات ألم عنف متخيل الكتابة تزلزل أعماق العلامات في الدلالة والتدليل والمعنى، وفي إيحاءات اللغة واستعاراتها، لتعري ألم عنف الواقع، وهو يتستر في وهم نسق مغلق لاعتقاد فكري خائف، لا يجد برهان قوته في داخل منطق حجته، بل هي خارجه في إرهاب غدر سلاحه، ذاك منطقه وعقلانيته و حقيقته المتعارف عليها والمتداولة، بحكم زمن العادة والطقوس والأفكار والعلاقات والدلالات والمعاني المتوارثة أبا عن جد. الألم هنا يتجاوز أزمة الأبوة الملعونة الممتلئة إلى حد الفراغ التي تحيل إلى أزمة السلطة والدولة، فالموت، الآن هنا، قد وصل إلى مرحلته القصوى الأحادية العمياء التي تسمى ب “امبريالية الموت”. الموت لا يعني الابن الملعون الذي يمكن أن يدفن وفق جدلية الموت والحياة، الحزن والفرح، البكاء والضحك، صمت التجهم وكلام الابتسام…عزاء مطلق ونهائي لا يكتفي بتفتيت الزمن، بل يود الإجهاز عليه.

لا مكان يسعه ولا كائن في منأى عن سطوة ألم عنفه الطاغي، فهو لا يفسح مجالا لحياة أحياء يوحدهم موت الميت، كامتداد في المستقبل الصاعد في جرأة مغامرة المجهول الأتي، باعتباره مخاطرة فعل متوثب حي و حركي، له سيرورة ديناميكية متطورة تصنع الحياة حتى عن طريق الموت كما في التغيير والثورة، لكنه ليس كذلك إنه انقلابي ضد الزمان و الحياة والوجود. إنه ألم كاسح في صورة حزام ناسف، لا يرتوي سراب عنفه بهلوسة نكوص اضطراب الديمومة، كسفر في الماضي، بل تفجره ألغام شهوة نفسية عارمة موغلة في القدم لألم الدماء والخراب، تجربة نووية في عمق الذات والمجتمع والحياة تتخطى مفاعيل أسلحة الدمار الشامل، فلم لا يبسط الوجود سؤاله لمن يحسن الإنصات: لماذا يجلس ذلك الأب وحيدا؟ هكذا سيرورة الغد الآتي أفلت، و ليس هناك أي بصيص لأمل الحياة، فامبريالية الموت تعلن موتهم المحتوم في موتت الابن الملعون: الأسرة، العائلة، الأقرباء، الجيران و الأصدقاء… إنها غائبة اختلافات قطائع الحياة هذه بحروفها كبيرة، أو قل بالأحرى هي وحدات انفصال حية تقطع وتمزق متصل الموت لتخفف ألم عبئه عن دائرة أهله والمقربين. لا شعاع لأمل الحياة في النفق الأسود لمقبرة الموت، فمن إذن يقوى على حضور العزاء وهو ميت، وفي أقصى تقدير مشروع موت؟ لا حضور لعزاء في غياب الحياة…

غياب ينشر ظلال الموت خانقا شانقا الأفق الرحب للحياة والوجود. فكيف لمدينة غادرتها الحياة وصارت أكثر من مقبرة مأوى لأشباح اغتيال الحياة أن تعلن الحضور والعزاء؟ إن المسالة تتجاوز نقص المدينة الحالمة بالعدالة والحياة والوجود، وهي تفكر أفق كمالها في نظرية ممارسة العقل البشري لإرادته في اختيار التعاون والتفاعل والتكامل والتآزر، واعتماد العزاء المتبادل، كما تتجاوز اختلالا غير سوي في جلسة الأب الوحيد في عزلة الفراغ، وهو يتأمل إرجاع الأثر من حياة بخسها تواصله المشوش الميؤوس مع الوجود عبر ابنه الملعون. لو أن الأمر تعلق بعنف اهتزاز مرجعيته، وتواري هيبة قداسة سلطة طوطم إحالته، كمعايير وقيم ورؤية وتنشئة ونمط تفكير و أسلوب حياة، لهان موت العزاء بانتصار اختلاف صيرورة الحياة، و فهمنا بأن الشيطان كما يقال يختفي في التفاصيل، لكن الأمر المحير أن يكون ألم عنف الموت واسطة للتقرب إلى الله، و المدينة قربان آخرة لممارسة التشهيد، والتنزيل للعالم الغيبي في العالم المرئي . إن الأمر هذه المرة محير حقا بعد “أن صار هذا الجيل المجنون يحبذ المقبرة على المدينة” . فمن نفخ روح الألم في ذاكرته الفطرية التي جعلته قادرا على استحضار إرهاب الغيب في الحياة الدنيا، وخلق هذا الغياب على صورته لسفك الدماء؟ إنه لأمر محير أن يمتد الله عميقا في تفاصيل حمى ألم الغياب المرهب الذي طال الحياة والكينونة والوجود.

إن ما يميز ذلك الأب الذي يجلس وحيدا هو ما يخفيه كحضور قوي لألم الغياب لحياة يلتهمها موت الآخرة بشراسة باسم الغيب الإلهي في عالم الشهادة. أب ليس أكثر من صندوق صوت ليس فقط للصراع حول السلطة في مدينة حولتها آلة الموت إلى مقابر، بل هو في حقيقته ينتصب سؤالا مملوءا بنداء الوجود.
“لقد خبر الإنسان كثيرا من الأمور.
ووضع أسماء لعديد من السماويات،
منذ أن كنا حوارا،
و استطاع بعضنا أن يسمع من البعض الآخر” هيلدرلن

***ملحوظة لا استطيع أن اخفي خيبتي العارمة بسبب فشلي المؤلم في القبض على الضوء الهارب الذي لاح في أفق قراءتي لنص فتحي المسكيني لماذا يجلس ذلك الأب وحيدا؟ 
فليحاول بعضكم حسن الإنصات أحسن مني لحمل العبء مع هذا الأب الممسوس… 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق