خطاب القـبيلة في البحوث المونوغرافية التاريخية المغاربية

  إن المتتبع لموضوع القبيلة في بلدان المغارب يلاحظ أن البحث في موضوعها تتقاسمه تخصصات مختلفة في العلوم الاجتماعية، فكانت محط أنظار السوسيولوجيين والانتروبولوجيين والمؤرخين والاقتصاديين والجغرافيين وغيره (1)ومهما تعددت التصورات والمقاربات حول موضوع القبيلة في بلدان المغارب، فإن مضامين ومحددات هذا المفهوم تظل نسبية ولا يمكن تعميمها، نظرا لتعدد أصناف القبائل تبعا للملابسات والظروف التاريخية العامة، السياسية والاجتماعية والثقافية التي نشأ المجتمع القبلي وتطور فيها (2).

     ومن جهة تاريخية، فقد بدأ التطرق لموضوع القبيلة وعلاقتها بالدولة في بلدان المغارب منذ القرن الرابع عشر مع الأطروحة الخلدونية التي تعير اعتبارا كبيرا لدور العصبية والدعوة الدينية في حياة القبيلة، وتكمن أهمية النظرية الخلدونية في توصل صاحبها إلى تحليل علميّ وشبه مادّيّ لتاريخ القبائل المغاربية (3)، ومعلوم أن هذه النظرية تعطي أهمية قصوى لعاملين أساسيين لتحليل تاريخ المجتمعات القبلية، أوّلهما دور العامل الاقتصادي في دراسة هذه المجتمعات، وثانيهما اعتبار العصبية القبلية المحرّك الأساسي لتطوّر المجتمع القبلي (4).
لقد ساعدت كتابات ابن خلدون على تزكية العديد من الأطروحات التاريخية والانثروبولوجية والسوسيولوجية لأنّ نظرته إلى القبيلة تتمسّك بفكرة السكونية وتمحور التاريخ الدائريّ (5).
وإذا كانت مقاربة ابن خلدون تتوفّر على درجة عالية من المعقولية التاريخية، فإنه لا بدّ من إثارة السؤال التالي حولها: إلى أيّ حدّ يمكن سحب تلك المقاربة على التجمعات القبلية في العهد الحديث؟ (6). بمعنى آخر هل تمّ تجاوز النموذج الخلدونيّ حاليا؟ وهل فقد صلاحيته لتفسير تاريخ التجمّعات القبلية؟


     يبدو أنّ النسق النظريّ لابن خلدون هو من جهة نتاج لما قام به المؤلف من استقراءات في التاريخ الإسلامي الوسيط، ومن جهة أخرى نتاج للاحتكاك بانعكاسات أحداث القرن الرابع عشر الميلادي، لمعاينتها وللمشاركة في البعض منها، وكذلك باعتبار أنّ النموذج الخلدوني أفقد الكثير من شموليته فيما تلى من فترات وحقب خاصة لما استولى الأتراك على تونس والجزائر وأصبحت السلطة في المغرب ضعيفة ابتداء من السعديين(7).


     مع الاحتلال الفرنسي لبلدان المغارب طرحت قضية القبيلة من جديد كموضوع رئيسي لمحاولة تفسير هذا الكيان الذي لعب دورا كبيرا في التصدي للمخططات الاستعمارية، وتراكمت حوله الدراسات، ورغم عديد المساهمات التي قاربت موضوع القبيلة من طرف العديد من الباحثين المرتبطين بالاستعمار أمثال “دوتي” و”ميشو بلير” و”جون ديبوا” و”جون كانياج” وآخرون، فقد جاءت نتائج أبحاثهم دسمة من حيث مضمونها التصويريّ ولكن فقيرة من حيث أبعادها النظرية (8). وقد جاءت صورة القبيلة في هذه الكتابات مفعمة بمظاهر الرفض والتعنت والفساد، والرغبة في الاستقلال عن الحكم المركزيّ والصراع المتواصل مع هذا الجهاز الأخير.
 
  ففي تونس جاءت الكتابات الفرنسية التي اختصت بتاريخ القبيلة تؤكّد أن تاريخ  القبيلة ارتبط بمبادئ الرفض ومعارضة السلطة والانقلاب عليها، واعتبار ذلك لدى البعض من الخصائص الفطرية لدى البدو، وهو ما أعاق في نظرهم تشكل سلطة مركزية قوية (9). ثم حشر التاريخ القبلي في معسكر معارض على الدوام لتاريخ المستقرين في القرى والحواضر وتقديم البدو في حالة استنفار وإغارة متواترة عليهم (10).


والحقيقة أن مثل هذه الأحكام التي تلفظت بها الكتابات الاستعمارية حول القبيلة في تونس، لم تخرج بدورها عن الأحكام التي تلفظت بها هذه الكتابات عن القبيلة في المغرب، حيث وصفت هذه الأخيرة أنها الأساس الذي شيّد عليه المجتمع المغربي، وتتميّز القبيلة فيه بخروجها عن السلطة المركزية (المخزن)، في الثنائية المشهورة “بلاد المخزن” / “بلاد السيبة” (11)، وقد صيغت هذه الثنائية بشكل يؤكد الانقطاع بين مجال يخضع للمخزن وآخر يعارضه في مناخ غياب السلطة وتناحر المجتمع القبلي (12)، ثم ثنائية عرب / بربر على المستوى العرقي، والشرع / العرف على المستوى القانوني، ثم السهل / الجبل على المستوى الإيكولوجي.
وخلال بداية القرن العشرين عرف البحث الاجتماعي والأنتروبولوجي جدالا حول مسألة القبيلة بين أوساط الباحثين، وقد اختلفوا في إعطاء آراء حولها، ويمكن تقسيمهم إلى فريقين:

 الفريق الأول:
     وتمثله السوسيولوجيا الفرنسية خاصة أعمال جاك بيرك (13)، والذي يحاول أن يقف عند النقائص التي أحدثتها النظرة الانقسامية، ودعا إلى إعادة النظر في التراث الخلدوني وفي التأويلات الفرنسية التي نسجت على منوال المقدمة، ولا بدّ من وضع القبيلة على محكّ الصيرورة التاريخية وعدم إسقاط التعريف الجاهز على القبيلة (14).


لقد قدم جاك بيرك تحليلا دقيقا وعميقا لمدلول القبيلة في شمال إفريقيا سواء في هذا المقال أو عند دراسته لقبيلة سكساوة البربرية، وقد ركز الباحث على أنه لفهم مدلول القبيلة يجب الاعتماد على عوامل عديدة ومتشعبة أهمها العامل الإيكولوجي والأعراف والتقاليد والاقتصاد والجغرافيا والتاريخ.


 الفريق الثاني:
    ركّز على التحليل الانقسامي وأبرز الانقساميين في المغرب، نجد “إرنست كيلنر” و”دافيد هارت” أمّا في تونس فنجد “لوسيت فالنسي”، وقد أحدثت النظرة الانقسامية (15)، جدلا حول مسألة القبيلة، وتعدّ الانقسامية من بين النظريات التي تمارس إغراءً كبيرا على الباحثين في ميدان المجتمع القروي خاصة المغربي، وربما كان هذا ناتجا عن وجود قبائل عدة ناطقة بالبربرية، خلافا للجزائر وتونس اللتين لم تحظيا بالاهتمام الكبير حيث كانت هناك مرونة اكبر في استعمال النموذج الانقسامي، فتونس لا تتوفر على قبائل ناطقة بالبربرية لأنها خضعت منذ عهد بعيد لسلطة مركزية كان لها دور أقوى مما عرفته باقي المناطق المغاربية (16).
إذن كيف جاءت القبيلة عند الانقساميين؟ للإجابة عن هذا السؤال نأخذ عينات من دراسات مجهرية لباحثين هما: “أرنست كيلنر” حول المجتمع المغربي و”لوسيت فالنسي” حول المجتمع التونسي.


لقد حاول “كيلنر” أن يسقط النموذج الانقسامي في دراسته حول صلحاء الأطلس (17)، وبين أن المجتمعات القبلية البربرية في الأطلس ذات نسب أبويّ تنعكس أبعاده وعلاقته القرابية على المجال الجغرافي بحيث نجد لكل قبيلة مجالها المحدّد (18)، كذلك وجود أعيان يقومون بالتحكيم في أوقات النزاعات ويشرفون على الانتخابات التي تنبني على مبدأي التناوب والتكامل في التنظيمات السياسية داخل القبيلة (19)، وتتميز هذه القبيلة بالهامشية نظرا لتطلعها إلى الاستقلال الثقافي والسياسي عن الحكم المركزي والإدارة المخزنية من جهة، وميلها الطبيعي إلى الديمقراطية من جهة ثانية (20).
إن النموذج الانقسامي الذي يقترحه “كيلنر” يقدّم في أحسن الأحوال إطارا لفهم الواقع القبلي، هذا المجال الذي يسميه بـ”المدار التاريخي” أي مجال القبائل الخارجة عن السلطة المركزية، لكن صلاحية هذا التفسير الانقسامي تضعف كلما اقتربنا من مراكز السلطة والمدن الحضرية (21)، إذن هذه هي خصائص التنظيم الانقسامي كما حدده “كيلنر” حول قبائل الأطلس في المغرب.
   
      في حين ذهبت “لوسيت فالنسي” خلال بحثها حول المجتمع التونسي خلال القرنين 18 و19، وركزت على ما أطلقت عليه بمصطلح العثافة، وبينت أن الفصائل التونسية كانت تخضع لتنظيم انقسامي تتجلى معالمه الأساسية في:
 عدم الاعتراف بالوجود الفردي لأنّ الفرد لا ينفصل على الجماعة مع اعتبار القبيلة أعلى مستوى التنظيم الاجتماعي (22).
 الاعتماد على السلالة الأبوية إذ يركّز النسب على مؤسّس السلالة (23).
 تتفرّع كلّ قبيلة إلى أجزاء يتجلّى دورها في الإبقاء على العنف الجماعيّ وضبطه في آن واحد، ويتعلق الأمر بمبدأ الانصهار والانشطار (24).
 إن مجتمع ما قبل الإستعمار تتخلّله نزاعات أفقية بين قسمات متشابهة بينما تنعدم فيه جميع أوجه التراتب الاجتماعي العمودي، ويرجع ذلك إلى ضعف المستوى التكنولوجي وبساطة تقسيم العمل (25).
رغم ما أثارته النظرية الانقسامية من نقاش واسع في أوساط الباحثين المهتمين بمجتمعات المغارب، فإنها تعرضت للنقد والرفض من قبل بعض الباحثين ومنها على وجه الخصوص انتقادات المغربي عبد الله العروي (26)، والتونسي الهادي التيمومي (27).

    هذه إذن وباختصار شديد جملة الخطابات الموروثة عن موضوع القبيلة في بلدان المغارب، قبل أن تظهر المونوغرافيات المغاربية كتيّار استغرافي جديد، هذا التيار سيعيد بناء الخطاب حول القبيلة بمفاهيم ومناهج ومقاربات وإشكاليات جديدة.
ما هي إذن هاته الأمور التي صيغت بها إشكالية القبلية؟ وكيف جاءت القبيلة في متن المونوغرافيات القبلية والتي تتخذ من الدراسة المجهرية موضوعا لها؟
سنحاول مقاربة هذه النقطة بالوقوف عند بعض نماذج من المونوغرافيات الرائدة سواء في المغرب أو تونس.

      ففي المغرب شكلت أطروحة أحمد التوفيق (28)، نموذج الخطاب الجديد حول القبيلة، فقد كان عنوان الأطروحة يشير إلى هدفه وهو دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر دراسة تاريخية دقيقة يكون فيها البحث عن تصور يتضمن نقد بعض التنظيرات، والتي أنجزت حتى الآن حول تاريخ المغرب، وتظهر الصفة النقدية لبحث أحمد التوفيق في مظهرها الأول في اختياره الموضوع، وقد اختار أحمد التوفيق تناول نموذج محدد هو قبيلة إينولتان، وبرر اختياره هذا بقوله:
” قد يبدو أن المجال المكاني للبحث ضيق إلى أدنى ما يمكن أن تتناوله دراسة تاريخية، كما قد يبدو كذلك أن الفترة الزمنية المختارة قصيرة، مضطربة اضطرابا لا يمكن أن يستبعد من أسبابه الظروف التي خلقتها المضايقات العسكرية والاقتصادية للمغرب (29).


ويرتبط تحديد موضوع الأطروحة بهذه الكيفية بانتقاد النظريات التي كانت سائدة حول تاريخ المغرب، خاصة من طرف الأجانب ، ويبرّر أحمد التوفيق بعض تناقضاتها مع حقيقة الواقع التاريخي الذي تريد أن تفسره، وفي هذا الصدد يقول أحمد التوفيق:
” غير أن هؤلاء الباحثين قد اعترض جميعهم مشكل المصطلحات عند وصف الوحدات المختلفة الأحجام في التنظيم الاجتماعي للقبائل، ولم يترددوا مع ذلك في استعمال مصطلحات دارجة في علم الانتروبولجية، وفي الاقتباس من المصطلحات الإدارية الاستعمارية، ومن التسميات المحلية، مرادفين بينها بشكل يثير الالتباس، فقد مال مونطاني إلى استعمال تسميات لها علاقة بالتجمعات السكنية، بينما لاحظ بيرك أن أهل سكساوة لا يميزون بين القرية الصغيرة والقرية الكبيرة، وأنهم كانوا يستعملون “الموضع” وهي تسمية عربية فارغة، بينما نجد “هارت” يستعمل العشير لترجمة الربع عند بني ورياغر في الريف.كما أن تاقبيتش عنده ليست هي تاقبيلت التي ركز عليها “مونطاني” و”بيرك” في الأطلس الكبير، بل هي ما ترادف عندهم القبيلة أي مجموع بني ورياغر.


وعندما نكتب بالعربية، فإما أن نلتجئ مباشرة إلى القاموس العربي لنختار ألفاظا “مناسبة” للتقسيمات المحلية، وبذلك نسقط التقسيمات القبلية للرحل على تنظيم المستقرين ونقع في خطأ تزكية تعابير الإخباريين والموثقين وحتى في الاستعمال الشفوي لكلمة تاقبيلت، مثلا، وإما أن نلجأ إلى ترجمة مصطلحات الباحثين الأجانب وبذلك نترجم إلى العربية، ترجمة غير صحيحة، مصطلحات لا تطابق التقسيمات الفعلية للقبائل، وهنا نقع في خطا مركب، فإذا رجعنا إلى “لسان العرب” لابن منظور، نجد أن التقسيمات القبلية غير دقيقة، سواء في مضمونها أو في درجتها، فلا نميز بشكل واضح بين الفصيلة والعشيرة، ولا بين العمارة والبطن والفخذ …إلخ، ولكن بما أننا لا نرمي من وصف تقسيمات إينولتان على مقارنات واسعة، فإن مشكل المصطلحات يبدو اقل حدة وإلحاحا (30)”.


وقد حدد أحمد التوفيق تقسيمات قبائل إينولتان وحدد مستويات كل واحدة وكانت على الشكل التالي:
[“العظام” أو “إيخصان” (مفردها إيخص) كوحدة روابطها أدنى إلى روابط التحالف منها إلى أواصر القربى (31)، ثم الأفخاذ (مفرد فخذ) وهو ما اسماه مونطاني وبيرك ب”تاقبيلت” لأنّ “تاقبيلت” تطلق في الاصطلاح الشفوي المحلي وعند الموثقين، على كل جماعة يعنيها التداول في شان ما، سواء في مستوى قرية واحدة، أو فخذ واحد، أو ربع من الأرباع، أو مجموع اينولتان (32)، ثم الأرباع وهي أربعة أرباع: ربع دمنات وربع كطيوة، وربع إيواريضن، وربع آيت شتاشن، وكان كل ربع يتكون من عدة أفخاذ، وفي مستوى الربع تنتفي كل دعوى للنسب المشترك (33)، و”اللف” وهو الحلف الحربي أو السلمي بين الأسر داخل الفخذ، من أجل السلطة أو لأجل ردّ الاعتبار، وكانوا يسمون هذا الحلف بدورهم “أمقون”] (34).


نفس العمل قام به عبد الرحمان المودن الذي استثمر مفهوم المجال لفهم بنية البوادي المغربية قبل الاستعمار (35)، وقد لاحظ من خلال معاينة لحوض قبائل إيناون وهو يعطي  أهمية للجانب الاقتصادي في دراسته لنماذج من قبائل هذا المجال، وقد خرج بخطاب حول القبيلة مفاده:
“بقدر ما كان مفهوم القبيلة من المكبوتات لدى الفقهاء والكتاب، تهافت عليه المستعمر منذ ما قبل عقد الحماية بكثير، ولا مناص لدراسة تاريخ القبائل اليوم، على الأقلّ فيما يتعلق بالقرن الماضي، من الرجوع إلى ما تركه الرحالة الأجانب من أوصاف عن حياتها، فروعها، عدد سكانها وعاداتها، كما اطلعوا عليها أثناء أسفارهم، بيد أن الأوصاف الاستعمارية شحنت مفهوم القبيلة بشحنتين متناقضتين تستدعيان الرفض على حد سواء.


القبيلة هي إما الجمهورية البربرية الأصلية التي تعبر عن العبقرية المحلية، وتحتمي بالجبال في مواجهة المخزن العربي في السهل، أو هي جحافل العرب الغزاة الذين استحوذوا على السهول، لكنهم يفلحون في السطو أكثر مما يبرعون في الحرث، وهم الأساس لبلاد المخزن.
وإذا لم يعد من الضروري الإطالة في الحديث عن خلفية هذا التمييز، فإنّه من اللازم التأكيد على ما قد يتعلق بمفهوم القبيلة اليوم، من حمولة عاطفة، تجعل البعض يرى في التشبث باستعماله نوعا من الموقف الطائفي في حين يعتبر البعض الآخر ذلك من باب البحث عن خصوصية ثقافية، وهما زعمان لا يقل احدهما إجحافا بالواقع عن الآخر (36)”.
وفي موضوع آخر يشير الباحث: ” أن القبيلة على الأقل إلى القرن 19م، وبعض تقسيماتها إلى وقتنا الحاضر، لا تعني بالنسبة لأعضائها بعض المصالح المشتركة المحددة فقط، بل أخطارا خارجية موحدة كذلك، وواجبات متقاسمة أيضا، مما كان يجعل من القبيلة ومن تقسيماتها تعبيرا عن مجموعات ملتحمة لدوافع اقتصادية (أرض، مرعى) أو لأغراض دفاعية (في مواجهة مجموعات أخرى أو المخزن) أو لحاجة إدارية (توزيع الواجبات)” (37)”.
إذا كان الخطاب المونوغرافي حول القبيلة في المغرب قد حاول محاورة العلوم الاجتماعية ودخوله في نقاش مع الباحثين أمثال “روبير مونطاني” و”جاك بيرك” و”إرنست كيلنر” وغيرهم (38)، فكيف قدّم الخطاب المونوغرافي حول القبيلة في تونس؟ هل سلك نفس منعرجات البحوث المونوغرافية في المغرب أم كانت له إشكاليات ومنطلقات أخرى؟


لقد بقيت الكتابة حول القبائل في تونس متأثرة بتيارين بارزين، الأوّل وهو موروث عن ابن خلدون ويقوم على الصراع الدائم بين العصبية القبلية والسلطة، والثاني على نظام البنيات المحلية.
ومعلوم أن البحث التاريخي للفترة الحديثة لتونس قد انصب في أعماله الأولى على البناء الفوقي للسلطة من جهة، وعلى المراكز الحضرية من جهة ثانية، ومعلوم انه لم تأت مقاربة التاريخ القبلي وتحولاته في تلك المساهمات إلا عرضا، ومنذ بداية الثمانينات من القرن العشرين تزايد الطموح من لدن العديد من الباحثين لفتح آفاق جديدة نحو التاريخ الاجتماعي القبلي على نحو مختلف.
فقد اختار توفيق بشروش في مؤلفه “ربيع العربان” نقل الوثيقة الرسمية الخاصة بهذا الرهط من الأهالي من دهاليز الأرشيف الوطني التونسي إلى معلوم العموم، وعلى منواله وضع أحمد جدي مصنفه حول قبائل الفراشيش (39).
أما التوجه الثاني فقد اعتمد تاريخ القبيلة كموضوع بحث إذ أنجز عبد الحميد هنية قسما هاما من عمله “الملكية والاستراتيجيات الاجتماعية بتونس (ق16-ق19)” لتحول المشهد العقاري في حوض مجردة، وذلك في علاقته بموازين القوى الحضرية الناهضة والقبلية المتحيزة (40)، كما خصص الأزهر الماجري بحثه لقبائل الماجر والفراشيش مبرزا إشكالية علاقة المركزي بالمحلي ومدى فاعلية تلك التجمعات القبلية في مجالاتها، وخصص مبروك في عمله القبيلة في تونس (ق 16 – ق19) مساهمة في تسليط الأضواء على مسيرة تشكل علاقة القبيلة بالمكان.
يظهر من المساهمات السابقة مدى طبيعة الإشكاليات التي طرحها الباحثون التونسيون حول مسألة القبيلة، والتي تختلف في العمق مع الإشكاليات التي عالج بها المؤرخون المغاربة قضية القبيلة.


كيف عالج الخطاب المونوغرافي التونسي إذن مسألة القبيلة؟
لقد انطلق الباحثون التونسيون الذين اشتغلوا حول مسألة القبيلة باتخاذهم نماذج أبحاث محدودة في الزمان والمكان، وانطلقت جل هذه الدراسات من السؤال الاستنكاري “لجاك بيرك” عن مدلول القبيلة في شمال إفريقيا، إذ طرح القبيلة من جديد (41) كبنية اجتماعية وكظاهرة تاريخية ثم كقضية فكرية (42) في أجندة الأبحاث المونوغرافية التونسية جاء نتيجة إتهام القبيلة في إعاقة تشكل أجهزة السلطة المركزية (43).
فإن أخذنا على سبيل المثال الدراسة المجهرية لقبائل الماجر والفراشيش لـ”الأزهر الماجري” نجده ينطلق من إشكاليات ومقاربات منهجية بغية الوصول إلى فهم أوضح لظاهرة القبيلة بعيدا عن زوايا النظر والمقاربات من طرف المعالجة الخارجية (السوسيولوجية الاستعمارية – الانقسامية) حيث حاول أن يبرز جدلية العلاقة بين المحلي والمركزي، بتعبير آخر حاول أن يبرز دور المحلي (أي القبائل) في بناء السلطة المركزية ومساهمته في تثبيت مجالات سيادته بالأطراف (44)، ومن الأسباب والدواعي التي دفعت الباحث أن يشتغل في موضوع القبيلة عموما والماجر والفراشيش تحديدا هي كثرة اهتمام الانتروبولوجيين والأثنوغرافيين وعلماء الاجتماع الغرب بفكرهم وبحوثهم بالمجتمع المغاربي ولا سيما القبلي (45).
لقد أشار الباحث إلى أن احتفاظ المجموعات القبلية الكبرى في البلاد التونسية بأسمائها وبمجالاتها وبنوع من الهوية الجماعية المحلية، تفيد أن هذه التركيبة الاجتماعية مازالت حيّة رغم ما تعرضت له من تفكيك وتشتيت من قبل السلط التي تعاقبت على البلاد التونسية (46)
وفي تحديده لمفهوم القبيلة في الماجر والفراشيش يقول الباحث:
“علما أن داخل المجموعة التي ندرسها تتداخل هذه المصطلحات وتختلط وتتكثف الضبابية أكثر فأكثر لوجود مصطلحات محلية لا تخضع للنماذج المذكورة، إذ يطلق ماجر والفراشيش على أنفسهم أحيانا تسمية العرش، ويقال عرش ماجر وعرش الفراشيش، وأحيانا أخرى يطلق على أحد أجزاء ماجر أو الفراشيش اسم العرش، من ذلك عرش أولاد وزاز أو عرش سقطمة.كما يطلق أيضا مصطلح “النجع” وجمعه النجوع، حيث تذكر بعض الوثائق “نجع ماجر” و”نجع الفراشيش” ، ولقد عثرنا على بعض الاستعمالات الخاصة من ذلك تسمية “البردعة” ووجدنا في الوثائق “بردعة ماجر” و”بردعة الفراشيش”، وهذا المصطلح ليس خاصا بالفراشيش وماجر بل يهم أغلب المجموعات القبيلة باعتبارها وحدات غارمة … وتستعمل الوثائق أيضا تسمية “الحلة” من ذلك “حلة الفراشيش” أو “حلة الماجر” (47).


وقد خلص الباحث في خطابه حول القبيلة:
“إلى كون واقع التنوع والاختلاف داخل التركيبة القبلية هو الذي أفرز هذا الشعور بالقرابة وغذّاه، وذلك من اجل بناء وحدة بشرية وشعورية منسجمة وقادرة على مواجهة مختلف أنواع التحديات الداخلية منها والخارجية، غير أن هذه الحقيقة لا تتنافى مع وجود قرابة دموية فعلية تربط أفراد ومجموعات القبيلة أو العرش خصوصا في مستوى قسماتها النووية والصغرى والمتوسطة كالعشيرة والدوار والفرقة ” (48).


وشكّل بحث مبروك الباهي مقاربة أخرى لموضوع القبيلة في تونس، فباتخاذه السباسب الوسطى كمثال، حاول الباحث أن يعطينا خطابا حول هذه المجموعات القبلية التي اتخذها عينة لدراسته، بعيدا عن خطابات الأبحاث الاستعمارية والانثروبولوجية من جهة، ومحاولة ترصد مدونة الإخباريين المحليين من جهة ثانية، فكانت الحصيلة النهائية لخطاب القبيلة عنده كالتالي:
” لقد كانت تلك التجمعات خاضعة لأنظمة عرفية وقواعد تواصل داخلية وبيقبلية والتزامات موروثة مع السلطة المركزية برعاية أهل الميادين في التجمعات، وفضلا عن ذلك فمن الضروري الإشارة في هذا الصدد إلى انه لا القبيلة ولا الزاوية قد تموضعت في منزلة مقلقة لسلطة البايليك في تونس على غرار قبائل السيبة المغربية أو الزاوية السنوسية في ولاية طرابلس العثمانية، لا يمكن رد ذلك الهدوء إلى قوة الردع السياسي الذي تعرضت له القبيلة في السباسب منذ القرن 17 على أهمية هذا العامل، بل إن ميل تلك العروش إلى تنويع استغلال الأرض وتقدم متانة الارتباط بما في مناطق سيرورة الحوز الوراثي غير المتنازع فيه يشكل إلى جانب تواضع الدور التعبدي لزوايا السباسب الوسطى (49)”.
ويضيف الباحث أن القبائل في السباسب الوسطى ومنذ القرن الثامن عشر قد ولى عندها مفهوم الاستقلال عن السلطة المركزية في إستراتيجيتها وحل مكانه الولاء والتبعية واللجوء لعدالة الباي في حلّ النزاعات حول الأرض وطلب حماية سلطته ومعونته ضد تحديات وإغراءات البعض من الفرق والعروش (50).
لكن الباحث سرعان ما يعتبر انه رغم تمكن السلطة المركزية من الهيمنة السياسية على المجال وبدو الإيالة، بواسطة أدوات الرقابة وفرض التبعية المختلفة مثل المخزنة والمحلة والجباية ومنظومة الأعيان فإنها بقيت دون ذلك في مستوى أنظمة دوائر التنظيم الداخلي للعروش والفرق سواء منها العرفية أو الرمزية الولائية (51).


الهوامش:
   1- الأكحل (المختار)، “القبيلة “، ضمن موسوعة معلمة المغرب ، ج 19 ، مطابع سلا ، 1989 ، ص 6605 .
    2- المنصور (أحمد) ، المغرب قبل الاستعمار ، المجتمع والدولة والدين (1792-1822) ، ترجمة محمد حبيدة، المركز الثقافي العربي ،
      بيروت / الدار البيضاء ، 2006 ، ص 23.
    3- الحماص (محمد) ،  الاستعمار الفرنسي وقبائل الوسط و الجنوب بالبلاد التونسية 1881-1950: جلاص، الهمامة، الفراشيش، أولاد سعيد(الوردانة)،المهاذبة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2008، ص 10.
    4- نفس المرجع ، ص 10.
    5- مقدمة كتاب الانتروبولوجيا والتاريخ: : حالة المغرب العربي، ترجمة عبد الأحد السبتي و عبد اللطيف الفلق،  دار توبقال، الدار البيضاء، 1988، ص 07.
6- الباهي (مبروك)،  القبيلة في تونس في العهد الحديث (ق 16-ق19) من بداوة الجمل إلى بداوة الخروف و الحوز: السباسب الوسطى مثالا، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بصفاقس، 2005،  ص 14 .
   7- المداس (المختار) ، القبيلة والسلطة : تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب ، المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي والتقني ،
      الرباط ، بدون تاريخ ، ص 12-13 .
    8- نفس المرجع ، ص 26 .
    9- الباهي (مبروك) ، القبيلة في تونس … ، مرع مذكور ، ص 10 .
    10- نفس المرجع، ص 10.
    11- الهروي (الهادي) ، القبيلة، الإقطاع والمخزن : مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث   1844-1934 ، إفريقيا الشرق ،
        الدار البيضاء ، 2005 ، ص 45 .
    12- السبتي (عبد الآحد) ، “التاريخ الاجتماعي ومسألة المنهج : ملاحظات أولية … ، مرجع مذكور ، ص 46-47 .
    13- بيرك (جاك) ، “في مدلول “القبيلة” في شمال إفريقيا” ، ضمن الأنتوبوجيا  و التاريخ …مرجع مذكور ، ص 113-125 . و
Berque (J.), Les Structures sociales du Haut Atlas, PUF. Paris, 197814-    = مقدمة كتاب الانتروبولوجيا والتاريخ … مرجع مذكور، ص 715
   15- دوركايهم هو أول من استعمل مفهوم الانقسامية في أطروحته “تقسيم العمل الاجتماعي” حيث أشار أن المجتمع القبايلي في الجزائر كنموذج للمجتمع الانقسامي، في الثلاثينات اكتشفت الانثروبولوجيا الانجلوساكسونية دوركايهم وموس والسوسيولوجية الفرنسية، فكان راد كليف براون أول من تطرق لمفهوم البنية الدوركايمي أثناء قيامه بتأسيس نظرية القرابة، وقد كان افانس بريتشارد مساعد راد كليف براون وناشر أعمال دوركايهم بالإنجليزية وهو أول من عاين من خلال البحث الميداني أمثلة من المجتمعات الانقسامية خاصة في قبائل النواير بالسودان وبرقة بليبيا، ثم استعارها باحثون ليسقطوها على المجتمعات المغاربية من أهمهم فالنسي وكيلنر وهارت وآخرون، بنسالم (ليليا) ، “التحليلات الانقسامية … ، مرجع مذكور، ص 11-31 .
    16- بن سالم (ليليا) ، “التحليل الانسامي …”، مرجع مذكور ، ص 26-27 .
    17- حمودي (عبد الله) ، “الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة ، ملاحظات حول أطروحات كيلنر”، ضمن الانتروبولوجيا والتاريخ …، مرجع مذكور ، ص 62
   18- الهروي (الهادي) ، القبيلة ، الإقطاع والمخزن …، مرجع مذكور ، ص 57 .
    19- نفس المرجع ، ص 58.
    20- نفس المرجع ، ص 58.
    21- المنصور (محمد) ،  المغرب قبل الإستعمار: المجتمع و الدولة و الدين (1792-1822) ،ترجمة محمد حبيدة، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 2006، ص 27 .
    22- الحماص (محمد) ، الاستعمار الفرنسي…، مرجع مذكور ، ص 27.
    23- نفس المرجع ، ص 21.
    24- نفس المرجع ، ص 22.
    25- نفس المرجع ، ص22.
    26- العروي (عبد الله) ، “نقد الأطروحة الانقسامية” ، ضمن الانثروبولوجيا والتاريخ …، مرجع مذكور ، ص 127-131.
    27- التيمومي (الهادي)، انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر، مثال 1906، المجتمع التونسي للعلوم والآداب والفنون ، بيت الحكمة ، 1993 ، ص 45-47 .
    28- التوفيق (احمد) ، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (اينولتان 1850-1912) ، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط ، 1983 .
    29- التوفيق (أحمد) ، المجتمع المغربي …، مرجع مذكور ، ص 9.
    30- نفس المرجع ، ص 109-110.
    31- نفس المرجع ، ص 121.
    32- نفس المرجع ، ص 127 .
    33- نفس المرجع ، ص 129 .
    34- نفس المرجع ، ص 132 .
    35- حبيدة (محمد) ، تاريخ المجال ومجال التاريخ ، رباط الكتب ، عدد 6 ، 2009.
    36- المودن (عبد الرحمان) ، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية  بالرباط ، 1995 ، ص 138.
    37- نفس المرجع ، ص 139.
    38- حبيدة (محمد) ، تاريخ المجال …، مقال مذكور.
    39- الباهي (مبروك) ، القبيلة في تونس … ، مرجع مذكور ، ص 38 – 39 .
    40- نفس المرجع … ، ص39 .
    41- إشارة هنا للكتب التي اطلعنا عليها : الباهي (مبروك) ، القبيلة في تونس …. مرجع مذكور.و الماجري (الأزهر) ، قبائل (ماجر والفراشيش خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (في جدلية العلاقة بين المحلي والمركزي) ، منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات  منوبة ، 2005. و الحماص (محمد)، الاستعمار الفرنسي … ، مرجع مذكور .
    42- الماجري (الازهر) ، قبائل الماجر والفراشيش … ، مرجع مذكور ، ص 27 .
    43- الباهي (مبروك) ، القبيلة في تونس … ، مرجع مذكور ، ص 17 .
    44- الماجري (الازهر) ، قبائل الماجر والفراشيش … مرجع مذكور ، ص 4.
    45- نفس المرجع ، ص 23.
    46- نفس المرجع ، ص 27 .
    47- نفس المرجع ، ص 29-30 .
48- 119  = نفس المرجع ، ص 513 .
    49- الباهي (مبروك)، القبيلة في تونس …مرجع مذكور ، ص 435.
    50- نفس المرجع ، ص 435.
    51- نفس المرجع ص 437.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق