حديث الثورة والرياضيات

هناك كلمة أساسية تحكم هذه الحياة وتأتي من الرياضيات التي لم نتعلمها في المدارس أبداً: التصادفية (الاحداث الاحتمالية) stochastic .. يشير هذا المصطلح إلى أن كل النظم التي حولنا هي نظم “معقّدة complex” تقبل العديد من المدخلات العشوائية ولا يمكن التنبؤ بنتائجها فحالتها غير قابلة للتحديد non-deterministic أو عشوائية. وهذه الفكرة أساسية في التعامل مع أي من الظواهر الاجتماعية والطبيعية المحيطة بالانسان، فتحليل هذه الظواهر يستلزم ادخال عامل الاحتمالية عند بناء أي من التوقعات بناء على المعطيات الحالية.
هذا الكلام ينسحب على العلاقات الاجتماعية بكل مستوياتها وصولاً إلى العلاقات الدولية وكذلك المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي في أي دولة. وينسحب بالتأكيد على التصورات الثوريّة” للأحداث في سوريا التي انقضى من عمرها 3 سنوات إلى الآن.

الثورة – أو أي نوع من الحراك الشعبي – لا يمكن التنبؤ بمجرياتها ببساطة، وأي كلام عاطفي معسول حول النتائج المبهرة للحراك الشعبي، إنما هو غالباً من نوع “التفكير بالتمني wishful thinking”. ولا أفضل من الأمثلة التاريخية في هذا الاتجاه.
الثورة الفرنسية (1789) التي غيرت وجه العالم مرّة واحدة وإلى الأبد باتجاه الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، جلبت الخراب والدم والدمار لفرنسا وأوقعتها في أزمة اقتصادية كبرى رفعت سعر الخبز عشرة أضعاف في السنة الأولى فقط بعد الثورة، واستمرت 10 سنوات حتى استطاعت تثبيت الحكم الجمهوري (1799) الذي أتى بنظام استبدادي آخر هو نظام الامبراطورية النابليونية (1804)، والذي أسّس لسلسلة من التوسعات والتقلصات في الدولة وصلت إلى حدّ احتلال باريس من قبل القوى العظمى وفرض معاهدات استسلامية عليها كان أولها سقوط باريس بيد التحالف السداسي ونفي نابليون إلى سانت هيلين (1814) بعد سنتين فقط من وصول جيوشه إلى موسكو. ولم تنتهي سلسلة الأخذ والردّ في الحروب حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع أن هذه الحروب ليست نتيجة للثورة الفرنسية إلا أن الثورة لم تؤدّ إلى الحلم الذي كانت تنشده إلّا في القرن العشرين وكنتيجة للحربين العالميتين الأولى والثانية وإنشاء عصبة الأمم وظهور فلسفة المنظمات الدولية والشراكات الاقتصادية (السوق الاوروبية المشتركة تحديداً).

ثورة أخرى تعطي مثالاً أوضح على النتائج العكسية للحراك الشعبي هي الثورة الشيوعية في روسيا (ثورة اكتوبر 1917) التي رفعت شعار الشيوعية أكثر الايديولوجيات الحديثة قرباً من اليوتوبيا الاجتماعية (جمهورية أفلاطون مثلاً) حيث العدالة بأرقى أشكالها وحيث الفرد هو المجتمع والمجتمع هو الفرد، وحيث تنتفي الملكية الشخصية وتنتفي معها الندرة والعوز والصراعات الطبقية. ولكن ثورة العدالة هذه لم تعش طويلاً حتى أثمرت حكماً استبدادياً أصبح في وقتنا الحالي مثالاً للقهر الاجتماعي ولكبت الحريات وتسلط الدّولة وقمع الحياة الفكرية. ويعتبر ستالين الذي حكم 30 عاماً (بين 1922 – 1952 ) هو من أسّس لأعتى الدكتاتوريّات في العصر الحديث.

بالنتيجة، الثورة السوريّة، أو أيّاً أعطيت الاسم لهذا الحراك، لن تستطيع أن تتنبّأ بنتيجته، ولن تستطيع أن تغطيه بحلمك الجميل، وتعطيه لوناً يشعّ تفاؤلاً وحيويّة. بل على العكس تماماً، التوقّعات السلبية هي الأكثر صحّة بالنظر إلى التاريخ السّياسي والجيوسياسي لسورية والمنطقة.
عندما قيل هذا الكلام في بدايات الأزمة، كان الحماس الثوري العاطفي يطغى على عيون الكثير من مثقفي المنطقة ورُفض من مبدأ أنه سباحة ضد التيار ولا محالة يصبّ في اتجاه خاطئ معاكس للصيرورات التاريخية المتمثّلة في التغيير والتطوّر والارتقاء. أما الآن، وبعد ثلاث سنوات من الاحباطات المتوالية، آن لنا أن نخلع ثوب السطحيّة عن تفكيرنا ونسمّي الأشياء بأسمائها وأن نعرف، حتى وإن كانت المركب غارقة بالتأكيد، فإن هناك فرصة للنجاة علينا أن نبحث عنها مهما صغرت. والبحث عنها يبدأ بالانطلاق من الواقع، ونبذ التخيّلات اليوتوبية المغرقّة في التصورات الجميلة اللاواقعية، وبالتالي يجب أن نذعن أن المستقبل القريب يحمل من الصعوبات ما لا يمكن تصوّره وأن التغيير المنشود بطيء بما لا يمكن احتماله. وبناء على ما سبق يجب أن نعيد حساب أولويّاتنا وخطواتنا المقبلة وتحليلاتنا لرسم صورة أكثر واقعية مستقبل بلدنا والمنطقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق