“محمد: النبي ورجل الدولة”

قد يكون من المفاجئ، أو على وجه الدقة من المفارق صدور كتاب عن شخصية النبي محمد كنبي ورجل دولة الآن ومن سوريا- دمشق. فقد صدر عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، كتاب بعنوان “محمد النبي ورجل الدولة” (2014)، من تأليف مونتغمري واط وترجمة الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي حمّود حمّود. يعتبر المستشرق مونتغمري واط من رجال مرحلة من مراحل الاستشراق هي آخر الاستشراق الكلاسيكي وبداية الاستشراق الحديث، حيث يتضح تماماً تأثر المؤلف بالنقد التاريخي والسيسولوجي الذي أسس له كل من ثيودور نولدكه، و آرثر جيفري. كتاب “محمد النبي ورجل الدولة” الكتاب الثالث لمونتغمري واط في السيرة النبوية، وذلك بعد كتابيه المشهورين، “محمد في مكة” و “محمد في المدينة”. ويعتبر هذا الكتاب ملخصاً للكتابين السابقين.
يحتضن الكتاب تسعة فصول مع مقدمة تقنية للمترجم وملاحظات من واط حول المصادر والبيبلوغرافيا.

تفصل الفصول الثلاث الأولى عن شخصية محمد كنبي انطلق من سياقه التاريخي وتعقيدات هذا السياق مع ما كان يحيط به في ظل بداية أفول الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية. من هنا تأكيد المؤلف على ضرورة قراءة محمد وفق الحاضنة التاريخية التي أولدته. هكذا، فإنه يقرأ الوحي وفق الشرط الديني الداخلي من جهة، وتموضع هذا الشرط الداخلي مع الأفكار الدينية الأوسع، أي الأفكار اليهودية والمسيحية. لكن مع إصرار النبي على فرادة ما كان يأتي به. أي تدخل في ملابسات وتفاصيل الوحي والإرادة للخروج بدين جديد.

بينما تأتي الفصول اللاحقة لتشير إلى الامكانات التي تميزت بها شخصية محمد كرجل دولة بدأ من اختياره للمكان الذي هاجر إليه (يثرب المدينة) مرورا بطرائقه وأساليبه لتوسيع رقعة نفوذه، وليس انتهاء برغبة منافسة الفرس في زمن انحدارهم مع التأكيد على السعي الجاد لتكوين أمة على نمط الفرس والرومان. ثم ليأتي الفصل الأخير كتقييم للمؤلف حول شخصية محمد.
يتحدث الفصل الأول: “الفتى الموهوب”، عن المناخ السياسي والاجتماعي الذي نشأ فيه اليتيم الذي أصبح لاحقاً نبياً، موضحاً التنافس بين القوى العظمى المتمثلة بالإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية وتنافسها على المركز التجاري المكي والطرق التجارية غرب الجزيرة العربية.

أما الفصل الثاني: “نداء النبوة”، فيبدأ من ظروف مكة وقت ظهور الدين الجديد، ويتحدث عن الرسائل الأولى من القرآن وعن المسلمين الأوائل، كما يشير إلى مدى تأثير اليهودية والمسيحية على الدين الجديد، بحسب ما يرى المؤلف (إنه يشير تحديداً إلى التأثير الشفاهي، لا الكتابي). وفي “نداء النبوة”، في الفصل الثالث، يتضح أيضاً مدى الأهمية الاجتماعية للأفكار الدينية الجديدة. يختص الفصل الثالث في توضيح وشرح المعارضة وطرائقها وأساليبها في التفكير والاستراتيجية والتي واجهت الدين الجديد، حيث يبدأ المؤلف من بيت الأرقم وليتعرض إلى حادثة الآيات الشيطانية، ويسهب في الجدل الفكري الذي تناول الدين الجديد في عصره ومقاطعة بني هاشم التي نتجت عنه.

أما الفصل الرابع، فإنه يتحدث عن توجه أعين المسلمين الأوائل إلى المدينة بعد التضيق الخانق عليهم من قبل سادة قبيلة قريش، ليعرض إلى مناشدة أهل المدينة والهجرة إليها والأشهر الأولى فيها.
الفصل الخامس، “استفزاز المكيين”، فإنه يركز على موضوعتين، وذلك عبر خطين متوازيين أولهما الخلاف مع اليهود، وثانيهما الغزوات، ومن ثم المعارك ضد المكيين “معركة بدر”.
هكذا ليدخل واط في الفصل السادس “فشل رد المكيين”، ليتحدث عن توطيد أركان المدينة وطرد بني قينقاع والنضير، ويشير الى السرايا والغزوات التي تمت بعد معركة بدر حتى وقوع معركة أحد والتداعيات التي نتجت عنها والاستحقاقات التي تركتها هذه الأحد على المسار السياسي النبوي في يثرب.

أما الفصل السابع، “كسب المكيين”، فإنه مخصص للآفاق الجديدة للدعوة الإسلامية وسبل كسب المكيين ومن ثم خضوع مكة، حيث هنا يسهب واط في “فتح مكة”، مع تحليل تاريخي لما تخلل ذاك، ويركز هنا على الدور الذي لعبه أبو سفيان في ذلك ومن ثم ليتناول المؤلف توطيد نصر المسلمين فيها.

الفصل الثامن، “الحاكم في شبه الجزيرة العربية” فإنه يتحدث عن امتداد آفاق رغبة التوسع لتشمل الجزيرة العربية، والخطوات المرافقة لهذا الطموح خصوصاً مع تدهور الامبراطورية الفارسية ونتائج هذا التدهور على المنطقة.
وأخيراً الفصل التاسع، “تقييم”، فهو فصل تقيمي يحاول فيه المؤلف نقاش شخصية النبي محمد من مظهره وأسلوبه في الحياة وصولاً إلى سؤال هل كان محمد نبياً، وهو آخر عنوان من الكتاب.

 من اللافت في الكتاب هو حياد المؤلف النسبي تجاه الموضوع المدروس. وهذا شكل قلما نلحظه عند المستشرقين. ولكن وكما أشرنا فإن مرد هذا الحياد كون مونتغمري واط سليل مدرسة النقد التاريخي، وهو أمر أكثر ما تحتاجه مجتمعاتنا، وخاصة الآن مع تعويم الظاهرة الدينية بشقيها السياسي والاجتماعي دونما عودة إلى الأصول التاريخية لهذه الظاهرة. ومع ندرة الدراسات العربية ذات البعد التاريخي للتراث الاسلامي، فإنه يغدو هذا الكتاب بداية جيدة لسجال قد يؤسس لمحاولة تأريخ طال انتظارها. وبالفعل، إنه من المهم ظهور هذا الكتاب بعد أن كان حبيس المكتبات الغربية لفترة طويلة (أصدرته منشورات أكسفورد سنة 1961).

وأخيراً تجب الإشارة إلى جهد المترجم في الكتاب. حيث يتضح الجهد الذي قدمه المترجم عبر الترجمة الواضحة والسلسة وعبر جهده المشكور في التوثيق والتحقيق. حيث يشير المترجم إلى ندرة توثيقات المؤلف. وهو الأمر الذي وضع هذه المهمة على عاتقه، فلا يكاد يفلت حدث هام من توثيق المترجم إلا وعزاه المترجم إلى مصادره الأصلية، مما زاد في غنى الكتاب.
الكتاب رغم أنه صدر في لغته الأصلية منذ سنوات، ورغم تقدم الدراسات الإسلامية في الغرب بعده، إلا أنه يبقى من التراث النقدي الغربي، حيث من الواجب قراءته، وبخاصة في ظل الفقر الكبير الذي تشهده المكتبة العربية. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق