حكاية مصر الآن / يوسف رخّا

ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. كان منتخباً لكنه كان طائفياً. كان منتخباً وطائفياً لأنه إسلامي وكان يؤسس لدولة الخلافة متأخراً ثلاثة قرون. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة إثر انهيار التجربة الديموقراطية. لم يمر عامان على التجربة حتى انهارت. هكذا تتعاقب الأحداث في دولة الانقلاب بعد ستة عقود كاملة من حدوثه، حيث الرئيس هو الزعيم والبوليس والإعلام الموجّه.

بعد ستة عقود يتنحى الزعيم فيسلِّم السلطة للقيادة العسكرية. كان احتجاج تلاه اقتراع تلاه تأسلم ثم تداخَل الثلاثة وامتلأت الشوارع قتالاً. كانت ثورة لكنها ليبيرالية. وكانت ديموقراطية لكنها أفغانستان. ظل الجيش هو السلطة القادرة على عزل الرئيس ولم تكن جمهورية. وكان الرئيس المنتخب قد عَيّن قائداً للجيش هو أكثر الجنرالات تديناً في ما يشاع، من الاستخبارات الحربية. الآن ما كاد يتم لِلَافِظي الإسلاميين مرادُهم حتى عاد أرباب الجمهورية الأولى ومعهم طائفيون أقل طمعاً في السلطة وجعلوا الجنرال المتديّن زعيماً كما في القديم. وعاد الإعلام الموجّه عبر القطاع الخاص والناس تتكلم عن البوليس وكأنه لم يتسبب في الاحتجاج الأول. هكذا بدأت عبادة الزعيم من قبل أن يصبح رئيساً. صارت نداءات لتولّيه المنصب وبات السؤال متى يترشح حتى اضطر لإعلان أنه لن يدير للجموع. وكانت بذاءات محبّيه سنداً لوضع القانون في “الفريزر” كما يحدث في مصر منذ 1952. حدث تفويض تلاه استفتاء وحدثت وطنية.

لمع الأزهر والكنيسة وكيان جديد أقل ثباتاً قائم على الديانة الوهابية فضلاً عن الجيش والشرطة كما يردد المذيعون. بهذه الأدوات بدأت تتأسس دولة الـ لا-انقلاب- ولا-خلافة. إنها تتأسس درءًا لأفغانستان لا يزال المجتمع الدولي ينكر اقترابها مع أنها وصلت إلى بلاد مجاورة واستقرت. وفيما الزعيم يغنّي للرعية كان أرباب الخلافة يعلنون الجهاد على الطاغوت. طفق الرئيس المنتخب للجمهورية التونسية يتحدث دفاعاً عن نظيره المسجون في أرض الكنانة فيما المصريون يُقتلون في ليبيا لأنهم غير مسلمين. كانت احتجاجات تلاها اقتراع تلته أعمال إرهابية. كبرى مقار الداخلية تتفجر والملتحون يَعدمون المجندين على قارعة الطريق.

وكانت الحكومة تحتجز زعماء صغاراً ممن تسبّب تبالههم في صعود الإسلاميين والفوضى وهم يتحدثون ببلاهة عن الشرف والعلمانية. مع الوقت تبلبلت لغة الكلام. لم يعد للألفاظ معنى وقد أصبح صعود الزعيم بوصفه ضمان وجود أي دولة أمراً مفروغاً منه ولا داعي لكل هذا الزبد على السطح. يقولون: دولة القانون ودولة المؤسسات.

يقولون: العلمانيون الانقلابيون الكفرة. يقولون: الخونة العملاء أدوات المشروع الأميركي لتقسيم المنطقة. ثم يشهرون أسلحة بيضاء لا يلبثون أن يقذفوا بها وراء ظهورهم ليتعانقوا وهم يصرخون بهلع مكتوم: الثوابت الوطنية. رأيتُ أزهرياً مستنيراً على الشاشة يشهد أنهما مبعوثان من عند الله: الزعيم ووزير الداخلية. لكن حين ظهرت أم المجند لتؤيد الزعيم ضد الإرهابيين الذين أجهزوا على ابنها وهي ترتدي النقاب اتضح أنها هي الأخرى إسلامية. وبدا لي أن الجمهوريتين إذ تتحدان على عقاب الجماعة التي جاء منها الرئيس المنتخب وربما تعاطف الزعيم نفسه مع توجهها ذات يوم، إنما تتحدان فعلاً وإنهما هما الجماعة.

بعد أسابيع بدأت تُذاع مهاتفات خاصة سُجلّت بلا سند قانوني معلن قبل شهور كثيرة لتُثبِت الخيانة على أرباب الديموقراطية. احتُفِل بجهاز من اختراع الجيش يعالج أبشع الفيروسات بلا كيمياء أو جراحة وأُعلن مخطط لربط النيل بالكونغو من أجل تعويض خسارة السد الإثيوبي. وعوقب في هذا النطاق من قال إن الدعاية لمشروعات خرافية لم تعد مجدية.

كانت إعادة إنتاج سافلة للوعي نفسه الذي حوّل الجمهورية الأولى إلى شيء لا يحميه من أفغانستان إلا انقلاب عسكري لكنها هذه المرة مادة فكاهة. صار الاشتباك مع الواقع تهريجاً ولا سيما منه الصادق المتشنج. كأن كلاً منهم مهرج يظن نفسه سياسياً. ولو لم يُبد أحد اهتماماً بسؤال الدين في المجتمع أو نوع النشاط الاقتصادي الذي يجلب دخلاً أو معنى الاقتراع تحت وطأة الثوابت فما الغريب؟ قلت لأكثر من صحافي أجنبي إن الإسلام السياسي نفسه أكبر انتهاك لحقوق الإنسان فقيل لي إنني لست ديموقراطياً.

وقلت لصحافيين مصريين إن الإنجاز الوحيد الممكن منذ 2011 هو فصل المؤسسة العسكرية عن مؤسسة الرئاسة لكنهم كانوا يركّزون على تفاصيل أخرى. الشرعية والإرهاب والثورة وماذا أيضاً.

ضباب يزحزح المشهد إلى وراء والمذيع المهندم يردد: اليأس خيانة. فخلاف المشاكل القائمة منذ كان الزعيم الأول الذي استبد بالحكم ثلاثة عقود وربما نغزة فجيعة، أين المسار التاريخي في تقليب قمامات أنت تعلم أنه لن يعاد تكريرها؟ ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة. بدا أن هناك خلافاً حول ما إذا كان عزله من جانب الجيش هو ثورة ثانية أم استكمال للثورة الأولى أم أنه مثل الذي سبقه قبل ستين عاماً مجرد انقلاب عسكري. لكن الحقيقة أنه لم يكن هناك خلاف.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق