من أجل أصول فقه أكثر إنصافا للمرأة

“إذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط 
فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا ورضائنا بما نحن فيه 
من هوان وسقوط” (الطاهر الحداد) 

لئن كان من المتفق عليه أن وضع المرأة في العالم الإسلامي محكوم بعوامل يتداخل فيها الاجتماعي بالاقتصادي والسياسي والثقافي فإن مما ظل يمثل موضوع خلاف دور العامل الديني ومسؤوليته إزاء الدونية التي تسم هذا الوضع في أغلب مناطق العالم الإسلامي وإن بدرجات متفاوتة، حيث تتوزع المواقف بين منكر هذه المسؤولية إنكارا كاملا من منطلق ما أتى به الإسلام لفائدة المرأة من حقوق وما حظيت به من تكريم بفضله، ومحمل العامل الديني المسؤولية الكاملة من منطلق رفض التمييز بين الإسلام رسالة وتصورات عامة في التنظيم الاجتماعي وقيما أخلاقية وعقائدية والإسلام تاريخا وحضارة وتمثلا وفهما واجتهادا بشريا وهو الموقف الذي يتبناه عادة الاستشراق الكلاسيكي والطروحات الدائرة في فلكه وفي فلك التفسير الآحادي الإيديولوجي للظواهر التاريخية. أما الموقف المتوسط بينهما فإنه ينبني على التمييز العلمي بين الإسلام بوصفه دينا ورسالة قابلة لتعدد القراءات والتأويلات وفقا لتحولات المجتمعات ولتطور المعارف وأدوات القراءة والتأويل والثقافة والتاريخ الإسلاميين بصفتهما إنتاجا وإنجازا بشريين بكل ما تحمله الصفة البشرية من نقص ونسبية. الرسالة قابلة لإعادة القراءة والفهم والتأويل في ضوء المكتسبات المعرفية الحديثة وبدافع الأسئلة التي يطرحها علينا عصرنا في آن ومن أجل أن نجيب نحن بعقولنا الخاصة وبأدواتنا الخاصة في المعرفة عن هذه الأسئلة المخصوصة بعصرنا وبمجتمعاتنا فلا نظل مرتهنين للأجوبة التي قدمها أسلافنا لأسئلة طرحتها عليهم عصورهم ومشاغل عصورهم . أما ما أنتجه المسلمون من الإنتاج الثقافي والتاريخي فإن أصحاب هذا الموقف يؤكدون على بشريته وتاريخيته وذلك حتى لا يلتبس بما هو من الرسالة ولا يقدس بمثل ما تحظى به رسالة الإسلام في ضمائر المسلمين من تقديس . والنسبية تقتضي أن نميز في هذا الموروث أو الإنتاج البشري بين ما لا يزال صالحا وقابلا للاستفادة منه وما لم يعد صالحا لعصرنا ولمجتمعاتنا ومن ثمة لا نرى حرجا في أن نتخلى عنه ونتركه دون أن نرى في ذلك ضيرا يمكن أن يلحق بالإسلام ،فكم شهدت كل الثقافات والأديان من ظواهر وخبرات تم تجاوزها نتيجة حركة التطور الطبيعي الذي يخضع لقوانينه كل الظواهر وكل المعارف. 

 إن لهذا الموقف الوسطي امتدادات في مجالات عدة وله تصورات بشأن كثير من القضايا من بينها قضية التشريع . ومن ضمن مواضيع التشريع الأساسية التي انصبت عليها الاجتهادات موضوع المرأة .والملاحظ أن الارتباط بين قضية التشريع وقضية المرأة سمة ميزت الفكر العربي الإسلامي الحديث منذ مطلع عصر النهضة ،إذ قاد التفكير في ضرورة مراجعة الأسباب التي أدت إلى التخلف الحضاري العام إلى ضرب من الوعي بالارتباط الوثيق بين جمود التشريع الإسلامي وعجزه عن تقديم حلول للمشاكل المستجدة وأجوبة للأسئلة الراهنة من جهة وما بلغه وضع العرب والمسلمين من انهيار حضاري من جهة ثانية وما كانت تعانيه النساء من إقصاء عن كل الوظائف الاجتماعية من جهة ثالثة. والثابت أن العلاقة الجدلية بين هذه الأركان الثلاثة ظلت تتحكم في أغلب الرؤى الإصلاحية منذ مطلع عصر النهضة إلى اليوم ، فالتخلف الحضاري العام ناتج عن ضرب من التضامن بين إقصاء العقل من مجال التشريع والركون إلى ما استقر وثبت من أقوال الفقهاء ومن تقاليد المذاهب التشريعية ،وإقصاء القوى الاجتماعية الحية من مجال الفعل التاريخي بسبب الفقر والجهل والاستبداد بشتى أشكاله وبمختلف فواعله وإقصاء النساء عن كل مشاركة في المجتمع والفضاء العام.

ومن هنا كان أكثر أبواب الفقه الإسلامي حظوة بإعادة التفكير والاجتهاد هو الباب الخاص بأحكام النساء أو “الأحوال الشخصية” وانتشر شيئا فشيئا الاقتناع بأن تحرير النساء من هيمنة العقلية التقليدية المنغلقة والذكورية مشروط بتحرير العقول من هيمنة الثقافة التقليدية المحافظة من جهة وبتحرير الشريعة الإسلامية من الفهم الفقهي القديم الذي استنفذ كل إمكانيات الاجتهاد والإضافة . فما السبيل إلى هذه الغاية عمليا؟ 

1)ليس من السهل مراجعة أحكام فقهية فرعية كالأحكام الخاصة بالنساء إذا لم تتم مراجعة سائر البنى التي تتكون منها المنظومة التشريعية الإسلامية ، ونحن نعتبر هذه المنظومة مثلثا ضلعه الأول أصول الفقه والثاني تفسير القرآن الكريم والثالث هو الفقه أو أحكام الفروع ،وهي أضلاع متلازمة تلازما يستحيل معه إعادة بناء أحدها دون إعادة بناء البقية
من أجل فقه جديد أكثر إنصافا للمرأة لا بد من أصول فقه جديدة ومن آليات جديدة في تفسير القرآن وتأويله
2)من المعلوم أن العلوم الإسلامية جميعها ظلت منذ نشأتها إلى حدود بداية القرن 15ه /نهاية القرن 20 م بناء ذكوريا بصفة مطلقة ،فالمرأة كانت في الغالب غائبة لأسباب تاريخية كثيرة ليس مجال التوسع فيها ،أو مغيّبة بأحكام اعتبرت شرعية كحكم اشتراط الذكورة في تولي أغلب الوظائف العلمية والدينية والإدارية والسياسية ،وحتى في بعض الحالات التي ظهرت فيها نساء كان لهن مواقف واجتهادات فإنه تم تغييبهن وتهميش اجتهاداتهن فلم نسمع للمرأة صوتا يعتدّ به في هذه العلوم . ومن المعلوم أن كل بناء ثقافي إنما هو بناء قائم على مراعاة مصالح أصحابه وهو يعكس رؤيتهم للكون وللإنسان وتصوراتهم حول نظام المجتمع وحول أدوار الأفراد ومواقعهم فيه وحول توزيع السلطة، وهذا البناء الذكوري هو أهم الأسباب وراء ما تعانيه النساء في العالم الإسلامي من هضم للكثير من حقوقهن تحت غطاء يصور دائما على أنه شرعي. إن استئثار هذا البناء بسلطة الفهم والتفسير والتشريع قد آل على مر التاريخ إلى استئثار الرجال بالسلطة مطلقا وإلى تهميش النساء اجتماعيا وإقصائهن من جهة،كما أدى من جهة أخرى إلى تهميش ،إن لم نقل تكفير،أي اجتهاد أو قراءة يخالفان السائد وينطلقان من منطلق إنصاف المرأة ،ومثال الطاهر الحداد ليس الوحيد في هذا المجال وإن كان من بين أعنف الأمثلة إلى جانب الشيخ محمود محمد طه السوداني ،إضافة إلى موقف الرفض القاطع حينا وموقف الاستهجان والسخرية أحيانا من القراءات والاجتهادات النسوية المعاصرة والتي بدأت ترسم ملامح خط قائم بذاته في سياق قراءات الإسلام المتعددة .

من أجل فقه أكثر إنصافا للنساء يجب تفكيك البناء الذكوري للمنظومة التشريعية والثقافية الإسلامية وإعادة بنائها من وجهة نظر أكثر إنصافا تجاه النساء وأكثر تمثيلا لهن حتى يتحقق الانتقال من المنظومة الذكورية إلى منظومة الإنسان،لا أومن بمنظومة نسوية ولا أقبل استبدال حيف بحيف أو قراءة إقصائية بأخرى تحمل نفس سماتها ما عدى تبادل أدوار الفاعلية والمفعولية ،أطالب بقراءة تضع في المركز منها الإنسان،انظروا في القرآن ستجدون لفظ الإنسان وما جرى مجراه في اللسان العربي أكثر الألفاظ استخداما سواء أكان في وضع مخاطب بالرسالة أو مكلف بها أو موضوعا من مواضيعها،إن في ذلك تعبيرا على أن الإنسان ،بعيدا عن الاعتبارات الجنسية هو المحور والمركز من الرؤية القرآنية،فلم لا نعود إلى هذا الأصل؟

3)تقتضي إعادة النظر في أصول التشريع الإسلامي عددا من الخطوات المنهجية أولها في رأينا هي التمييز بين الأصول الدينية فعلا -وهي القرآن والسنة المؤكدة والثابتة – والأصول البشرية وتشمل سائر الأصول وهي الإجماع والقياس وغيرهما من الأصول الثانوية على أساس أن الصنف الأول هو الملزم شرعيا أما الثاني فإنه لا يتمتع بنفس مرتبة الإلزام التي للأولين ، فإذا تبين أن بعض الأحكام المبنية على إجماع انعقد في عصور ماضية لم تعد منسجمة مع عصرنا صار من المشروع لنا أن نعيد النظر فيها وأن نبطلها إذا تبين أن ضررها أشد من نفعها(انعقاد الإجماع مثلا في إطار الفقه المالكي على إباحة الحُبُس المعقّب وعلى أن هذا الحبس لا تدخل فيه الأعقاب من النساء) .إن مراجعة مفترضة في ضوء هذا التمييز كفيلة بتحرير النساء والعقول ومن ورائهما المجتمع بأكمله من وطأة الآلاف من أحكام الفروع الفقهية، التي تشدها إلى المصادر الشرعية صلات واهية جدا بينما هي كبلت المجتمع وحالت دون تطوره على امتداد قرون طويلة ،من ذلك الأحكام التي بنيت على أقيسة بعيدة وضعيفة على غرار الحكم بإيجاب الولاية على أموال المرأة قياسا على ولاية النكاح والحال أنه لا وجود في النص الشرعي قرآنا وسنة ما يبرر هذا القياس ولا ما يبرر إحلال هذا الحكم -البشري-محل الحكم الشرعي الذي نصّ على ولاية المرأة على مالها ولاية غير مشروطة. 

يقتضي إنصاف النساء التمييز الموضوعي بين الأحكام الشرعية فعلا والأحكام ذات الأصول المبنية على اجتهادات بشرية واعتبار هذه غير ملزمة وإنما هي قابلة للمراجعة إذا اقتضت المصالح ذلك والكف عن الإيعاز بالتوازي والمعادلة بين هذين الصنفين في الشرعية الدينية ،وهو ما يقتضي بدوره مراجعة كاملة لمنظومة أصول الفقه التي سوت في المشروعية بين ما هو من أصول قرآنية وما هو قائم على اجتهادات بشرية ،لقد آن الأوان لرفع الشرعية عن أحكام كان الكثير منها مناقضا لمقصد من أهم المقاصد الإلهية وهو العدل ولإنصاف.

4)إذا اعتبرنا أن القرآن الكريم هو رأس أصول التشريع الإسلامي وهو مصدر الشرعية الأصلي الأول فإن ذلك لا يتعارض مع الإشارة إلى أن الأدوات والمناهج التي تم بواسطتها تأويل القرآن واستنباط الأحكام منه هي أدوات ومناهج بشرية، وهي نتاج نوعية المعرفة المتاحة آنذاك ومستواها ،كما لا يتعارض مع القول بأن تلك التفاسير والاستنباطات كانت محكومة بمشاغل الفقهاء ورؤاهم ووجهات نظرهم وآفاقهم الذهنية والمعرفية وبأوضاع عصورهم ومجتمعاتهم ،وهي حقيقة تشرع لنا إمكانية مراجعة تلك التأويلات والاستنباطات من جهة وإعادة تأويل القرآن بما يتيحه لنا عصرنا من معارف وأدوات وهي بالضرورة أكثر وأفضل مما كان لأسلافنا مادام“حظ كل جيل من العلم أوفر من حظ من سبقهم” بطبيعة التراكم المعرفي، وفي ضوء ما يطرحه علينا من أسئلة وما يقترح من حلول أقدر على تحقيق الانسجام مع متطلبات مجتمعاتنا المعاصرة .

5) لا تنفصل هذه الخطوة المنهجية الأولى المتمثلة في التمييز بين ما هو إلهي وما هو بشري عن الخطوة الثانية المتمثلة في التمييز من داخل القرآن الكريم نفسه بين ما هو من التشريع وما هو خارج دائرة التشريع ولكن أسقطت عليه عبر التاريخ مضامين تشريعية. فآيات التشريع في القرآن لا يتجاوز عددها في أوسع التفاسير ،أحكام القرآن للقرطبي أشمل تفسير فقهي متخصص في تفسير آيات الأحكام، الخمسمائة آية على مجموع 6236 آية وليست محدودية المضمون التشريعي قياسا إلى مجموع النص القرآني أمرا غير ذي معنى،بل إن الدلالة الأولى لهذه المحدودية هي إعطاء الأولوية للبعد التعبدي لسائر ما في القرآن من نصوص ومضامين ،ومن ثمة التأكيد على أن القرآن نص ديني-تعبدي في الأصل وليس نصا تشريعيا ،كما يتصور بفعل تضخيم الفقهاء للجانب التشريعي على حساب بقية المكونات والوظائف، مستدلين بآية لا تتعلق بالمرة بهذه النواة التشريعية المحدودة تخصيصا ولا حتى بالقرآن عامة ، وإنما هي وصف “للكتاب” الذي يدخل تحت طائلة العلم الإلهي تخصيصا ، لعله ذلك القائم في “اللوح المحفوظ”:“ما فرطنا في الكتاب من شيء” (الأنعام6 /38) ، وهي آية ذات دلالات واسعة تقتضي النظر والتدبر بعيدا عن التفسير الذي حصرها فيه الفقهاء، فقد سمح هؤلاء الفقهاء المفسرون لأنفسهم بأن يقوّلو القرآن ما لم يقل أو أكثر مما يقول أو غير ما يقول، بحكم القواعد التي أرسوها في تأويل القرآن الكريم وفي استنباط الأحكام منه والتي قدموها في هيئة قواعد مطلقة ونهائية لاتتغير طالما ظل القرآن “بلسان عربي مبين” وطالما أن تلك القواعد هي ذات قواعد ذلك اللسان. إنهم قوّلوا القرآن ما فهموا أنه يقوله،وما تصوروا أنه المقصد الإلهي، فوضعوا بذلك مدوّنات فقهية -تشريعية تحتوي على آلاف الأحكام المفصلة والدقيقة والنهائية التي ظلت تتوالد توالدا لا حد له بواسطة آلية سموها “القياس على المَقِيس” حيث يتحول كل فرع إل أصل يقاس على حكمه حكم الطارئ والجديد في سلسلة من الأقيسة لا تكاد تنفض حتى تفقد كل صلة لها بالقرآن ،بل وبسائر المصادر التي عدت شرعية ،و لو دققنا فيها النظر النقدي وأعملنا فيها العقل لوجدناها أحكاما واستنباطات بشرية صرفا، إنهم أحاطوا تلك المدونات بسياج من العصمة والشرعية ومنعوا الاجتهاد فيها على مدى قرون طويلة وتشددوا في الأخذ بها والاقتداء بتعاليمها متناسين الكثير من الايات التي ترجح أن التشريع لم يكن الغاية الأولى ولا المشغل الأكبر في القرآن بقدر تجاهلهم الدعوة المتكررة في القرآن الكريم إلى عدم الغلو في الدين “يا أهل الكتاب لا تُغْلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحقَّ” (النساء 4/17) و“قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقِّ” (المائدة 5/77) 
يقتضي إنصاف النساء إذن مراجعة جذرية للمناهج والأدوات التي تم بها تأويل القرآن الكريم وللآليات التي استنبطت بواسطتها الأحكام منه حتى لا يستمر الفقهاء في خلط ما هو ديني قرآني بما هو بشري تأويلي، وفي التسوية بينهما لشرعنة السلطة التي اكتسبوها عبر التاريخ بفضل احتكار مشروعية تفسير القرآن واستنباط الأحكام الشرعية منه . 

6)-التمييز بين الحكم والقاعدة الحكمية من جهة وما هو من آداب السلوك والمعاملات:
جاء في النص الكريم “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها”(النور 24/ 27 ) هذه الآية داخلة بصفة لا لبس فيها في مجال آداب السلوك ،ولكن اعتمدها الفقهاء في استنباط العديد من الأحكام الملزمة ،وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكثير من الآيات التي تحمل حِكَمًا وخِبْرَاتٍ عامة ومواقف وتصورات كما هو الشأن في هذه الأمثلة “إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم” (التغابن 64 /15) والآية“يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم” (التغابن 64/14)أو الآية “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”(الكهف18/46) تعبر جميعها عن جملة من التصورات بشأن الحياة وموقع المال منها، وعن علاقة الإنسان بالإنجاب وعلاقاته بذويه، وظفها الفقهاء طويلا لإحكام القبضة الذكورية على النساء بحجة طبيعتهن القائمة على الشر والفتنة والكيد للرجال،ولتقريع الإنسان بسبب غلبة الطموحات المادية على طبعه وتحميله تبعا لذلك مسؤولية كل فساد. 

7)-التمييز بين الآيات التي جاءت حكما وتلك التي هي إخبار لا غير : في القرآن عدد هام من الآيات ذات الدلالة الإخبارية ،فهي إخبار بما كان وبما حصل في أزمنة مضت أو بحقائق عامة أو بخبرات بشرية حاصلة ،ولكن الفقهاء عاملوها معاملتهم لآيات تشريعية فاستنبطوا منها أحكاما ،على غرار الآية“مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً” (آل عمران3/ 97) التي استنبطت منها كثير من أحكام الحج.

إن إقامة هذه التمييزات سيؤدي لا محالة إلى الحد من المدى التشريعي للنص القرآني وستعيد إليه طبيعته الأصلية بوصفه نصا تعبديا يحمل رسالة مطلقة إلى العالمين في مطلق الأزمنة والأمكنة ،لا يمثل التشريع إلا مقصدا ثانويا جدا من مقاصده ،فإذا أردنا أن نحدّد الأحكام القرآنية الحقيقية توجّب علينا أن نفعل ذلك في ضوء شروط القاعدة القانونية (دقة الوضعية موضوع الحكم ،دقة الحكم ووضوحه وقابليته للإجراء،محدودية هامش التأويل) ومن الواضح أن عدم اتفاق الفقهاء والأصوليين على تحديد ضوابط دقيقة لما يعد حكما هو الذي يفسر اختلافاتهم الكبيرة في تعيين آيات الأحكام عددا(أكثر من 500آية في كتاب أحكام القرآن لابن العربي، في حدود 500 عند الأمام الغزالي ،300 في كتاب تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي السايس وهو حديث وبلغ عددها أقل من 100 آية في التفسيرات المعاصرة -محمد سعيد العشماوي(مصر) ومحمد شحرور(سوريا) والصادق بلعيد(تونس) مثلا،وفي تمييز الآيات الحكمية من الآيات غير الحكمية (مثال اعتبر أبو بكر بن العربي63 آية من النساء حكمية بينما انحصرت عند السايس في أربع آيات) . 

إن اللافت للنظر أن أغلب ما اعتبره الفقهاء آيات تشريع متعلق بالنساء وبمجال الأحوال الشخصية والقانون المدني عامة ،وكأنه الميدان الوحيد الذي يحتاج فيه إلى الاحتكام للشرع أما سائر المجلات فلا ضير أن يحتكم فيه إلى غير ذلك من مصادر التشريع!! 

8)-التمييز بين العموم والخصوص :
ضبطت مدونات أصول الفقه ضبطا يوهم بدقة مفرطة قواعد العموم والخصوص وقالوا هناك ماهو خاص في لفظه عام في معناه ،وهناك ما هو خاص في لفظه ومعناه وما هو عام في لفظه خاص في معناه وما هو عام في لفظه وفي معناه ،وضربوا لكل هذه الحالات أمثلة من القرآن الكريم ، ولكن عند التطبيق شهدت هذه القواعد النظرية صنوفا من التلاعبات جعلت القطع بما إذا كان مخصوص اللفظ عاما في دلالته ومن ثمة في حكمه أم خاصا في حكمه أيضا أمرا معقودا بترجيحات الفقيه ومن ثمة باختياراته أكثر مما هو محكوم بالقواعد اللغوية النظرية المضبوطة مسبقا. فهل تعتبر الآيات المخصوصة بالرسول وأزواجه مثلا قابلة للتعميم؟ ومتى تكون خاصة يقصد بها الخاص؟ ومتى يقصد بها العام؟ لماذا اعتبرت نساء النبي لسن كأحد من النساء“يا نساء النبي لستنّ كأحد من النساء”(الأحزاب33/32-33) عندما تعلق الأمر بفرضية زواجهن بعد وفاة الرسول ولم يعتبرن كذلك عندما تعلق الأمر بالحجب فتم تعميم حكم الحجاب المنزل أصلا فيهن على سائر المسلمات في عموم الأزمنة والأمكنة؟ ماهي معايير الفصل بين ما هو قابل للتعميم وما يظل مخصوصا محضا؟ هل كان ذلك بحكم الآية :“وما كان لكم أن تؤذوا الرسول وأن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا”(الأحزاب33/53)؟ وما المانع أن يكون نفي اعتبار نساء الرسول كغيرهن من النساء شاملا لكل ما جاء بشأنهن من أحكام بما في ذلك حكم الحجاب مثلا؟ إن الكثير من آيات الأحكام مخصّص بمخاطب معين أو بظرف أو بشرط ،ولكن كثيرا ما تمّ “التلاعب”بهذه المخصِّصات ففُعِّلت في حالات وأُبطِل مفعولها لتُعمَّم الأحكام المخصوصة في حالات أخرى ،وكان الفاعل في كل الحالات هو إكراهات التاريخ ومصالح المستأثرين بسلطة التأويل والتشريع.

9)-إعادة تأويل دلالة التنزيل منجما ودلالة الناسخ والمنسوخ
من المعلوم أن القرآن الكريم نزل منجما على امتداد 23 سنة اختلفت خلالها طبائع الآيات المنزلة باختلاف وضع الإسلام والمسلمين،فغلبت الآيات الاعتقادية والوعظية والخلقية والاعتبارية على آيات الفترة المكية الأولى بينما لم يظهر المشغل التشريعي إلا خلال المرحلة المدينية ،ما دلالة هذا النهج الإلهي؟ “القصد الأول للقرآن تأسيس أركان الدين والدعوة إلى التوحيد وتهذيب النفوس ووضع مبادئ الأخلاق”(أحمد أمين،فجر الإسلام ص 228) وهذا في مكة أما في“العهد المدني فقد وجد المجتمع الإسلامي الأول وقامت الحاجة إلى وجود تشريع ينظم حياة هذا المجتمع من الداخل وإزاء العدو الخارجي، ومن ثمَّ اتخذت أحاديث النبي هذا المنهج وبذلك قامت حكومة الله”(محمد سعيد العشماوي:أصول الشريعة، ص 129).

من المعلوم كذلك أن الخاصية التي طبعت النهج القرآني في تنزيل آيات التشريع هي خاصية التدرج ،فلم يقرر مثلا المنع التام والمطلق لما كان مباحا ومعمولا به في سياق مجتمع الدعوة وإنما توخّى التدرج من الكراهة إلى المنع المشروط “لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى” فإلى المنع “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه”..فما دلالة هذا النهج الإلهي؟وما الحكمة منه ؟ إنها خاصة مراعاة الأحوال والأخذ باستعدادات الناس ،فلو لم يكن كذلك لنزلت آيات الأحكام دفعة واحدة ،منظمة دقيقة ولما احتاج الله في ظرف لم يتجاوز بضعا وعشرين سنة إلى أن ينسخ حكما بحكم مراعاة لسنة التبدل والتطور “ونحو من عشرين سنة من حياة النبي في تأسيس الإسلام كفت ،بل أوجبت، نسخ نصوص بنصوص وأحكام بأحكام اعتبارا لهذه السنة الأزلية (سنة التبدّل والتطور التي يسير عليه الكون) فكيف بنا إذا وقفنا بالإسلام الخالد أمام الأجيال والقرون المتعاقبة بعدُ بلا انقطاع ونحن لا نتبدّل ولا نتغير؟” (الحداد ،إمرأتنا ص 12) “وبذلك كانت شريعته نتيجة ما في الحياة من تطور ،لا أنها فصول وضعت من قبلُ لحمل الحياة على قبولها وهذا من أهم أسباب انتشاره المدهش في الزمن القليل”(الحداد ،إمرأتنا ص 12).

إن إدراك المقاصد الإلهية البعيدة من وراء النسخ وتنزيل القرآن منجَّما يتيح لنا أن نستخلص مبدأ رئيسيا من المبادئ والأصول التي يجب أن نعيد في ضوئها تأويل الأحكام الشرعية لتكون أكثر إنصافا للمرأة وهو مراعاة تبدل الأحوال وتغير الأوضاع حتى لا يظلّ التمسّك الحرفي ببعض النصوص والتأويلات القديمة ضارا بالإسلام وبروحه المتصلة بالحياة في تطورها وتبدلها بمقدار إضراره بالمرأة، أكثر المتضررين من إغلاق باب الاجتهاد ومن التمسك بالنهج القديم في التشريع ،وهذا المطلب ممكن إذا جمعناه إلى قاعدة أخرى وهي:

10) الفصل والتمييز بين ما أتى به الإسلام وما جاء من أجله:
ويعني هذا خاصة التمييز بين الدلالات الحرفية التي تفيدها الآيات في ذاتها والمقاصد الكبرى والجوهرية التي جاء من أجلها الإسلام وضمّنها في كتابه العزيز “وهي جوهره ومعناه وما يبقى منه خالدا بخلوده كعقيدة التوحيد ومكارم الأخلاق وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس وما هو في معنى هذه الأصول”(الحداد،إمرأتنا..ص13) أما تلك الدلالات الحرفية فهي متصلة بما “وجده الإسلام من الأحوال العارضة للبشرية والنفسيات الراسخة في الجاهلية قبله دون أن تكون غرضا من أغراضه فما يضع لها من الأحكام إقرارا لها أو تعديلا فيها باق ما بقيت هي فإذا ما ذهبت ذهبت أحكامها معها وليس في ذهابها جميعا ما يضير الإسلام وذلك كمسائل العبيد والإماء وتعدد الزوجات ونحوهما مما لا يمكن اعتباره حتى من الإسلام”(الحداد ،إمرأتنا ،ص13).

ومن أجل ضرب بعض الأمثلة لمثل هذا التمييز المذكور يمكننا أن نسأل مع الحداد أيضا: هل جاء الإسلام لتزكية نفوس المخطئين والمجرمين وتطهيرها من روح الشر وإصلاحها وغرس روح الخير فيها بما يضع لها من طرائق التزكية أو جاء ليقتص منهم بإقامة الحد تنكيلا بهم وبما صنعوا؟ هل جاء الإسلام بالمساواة بين عباد الله إلا بما يقدمون من عمل كما يستفاد من عدد كبير من الآيات ،أم إنه جاء ليجعل المرأة بمجرد أنوثتها-التي لا خيار لها فيها ولا مسؤولية لها إزاءها، أدنى حقا في الحياة من الرجل بذكورته التي لا مزية له فيها؟هل جاء الإسلام بتشريعات الزواج لتمكينه حتى يثمر عائلة هانئة مطمئنة وأزواجا وأبناء أسوياء سعداء فتنمو بذلك الأمة أو إنه جاء ليطلق يد الرجل في التصرف في المرأة تحت غطاء القوامة وفي الزواج بجعل الطلاق تحت إمرته حتى تصبح المؤسسة العائلية ريشة في مهب ريح الأهواء والانفعالات ولحظات الغضب وبؤرة لإنتاج أشخاص غير أسوياء مصابين بأمراض نفسية؟ هل مقصد الإسلام أن يجعل من كل زوج سكنا للآخر يطمئن إليه ويربت على كتفه عند الإعياء من أعباء الحياة ويتساعدان في مواجهة صعوباتها وفي القيام بشؤون بناء عائلة أم إن غاية الإسلام أن يجعل للرجل على المرأة جسدا وروحا وفكرا وكيانا مطلق السلطة فيتحكم في كل تصرفاتها الجليل منها والبسيط؟

لقد حاول بعض الفقهاء وعلماء أصول الفقه منذ القرن السابع إعادة بناء المنظومة التشريعية الإسلامية على مقالة المقاصد من أجل إيجاد حلول للإشكاليات والمآزق التي انتهى إليها التشريع الإسلامي المبني على مبدأ العلل ،و كانت تلك المحاولات وليدة المتغيرات التاريخية التي ما فتئت تعيشها المجتمعات الإسلامية، ومازالت هذه المحاولات مستمرة إلى اليوم وإن تفاوتت مستوياتها وفعاليتها من بلد إلى خر،وهي تحتاج حتى تؤتي أكلها إلى تجديد حقيقي في أدواتها المعرفية حتى لا تظلَّ دائرة في حلقة مفرغة لأنها لم تقدر على أن تصنع لنفسها منفذا تخرج به من سطوة تلك المنظومة الأصولية المغلقة.

11) أما المصدر الأساسي الثاني فهو السنة النبوية ولعل الإشكاليات التي يثيرها هذا المصدر أكثر بكثير وأخطر من تلك المرتبطة بالمصدر الأول ،القرآن .فالمعلوم أن عدد الأحكام الشرعية المبنية على دليل من السنة النبوية أكثر بكثير من تلك المبنية على دليل من القرآن فضلا عن كون عدد هام من الأحكام المستنبطة بدليل من القرآن تم استنباطها عن طريق تأويل النص القرآني بواسطة الحديث النبوي وهذا مدخل آخر من المداخل التي وسعت سلطة هذا الأصل على التشريع الإسلامي ،رغما عن إرادة الرسول نفسه عندما أنكر في أكثر من مناسبة معاملة أقواله واجتهاداته بمثل ما يعامل به القرآن .

أما أهم ما يحتاج إلى المراجعة بالنسبة إلى هذا الأصل فهو:
*المشروعية المبالغ فيها والتي وصلت إلى حدّ وضع السنة في نفس مرتبة القرآن من التقديس وتجاهل ما كان يردده الرسول صلى الله عليه وسلم“ما أتيتكم به من الله فخذوه وما جئت به من نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب” أو قوله“أنتم أدرى بشؤون دنياكم”دليلا على إنكاره إعطاء طابع تشريعي لأعماله وأقواله ،كما أن رفضه تدوين أقواله حتى لا تلتبس بالقرآن وحتى لا تعامل بمثل ما يعامل به القرآن من تقديس دليل ثان على أن الفارق بين القرآن والسنة إنما هو تماما كالفارق بين الإلهي والبشري.

*وجوب مراجعة الظروف التي تم خلالها جمع الحديث النبوي وإخضاعها للنقد التاريخي،فالمعلوم أن عملية جمع الحديث النبوي وتدوينه قد تزامنت مع مناخ بلغ فيه الصراع على السلطة الزمنية أشد لحظاته،لحظة الفتنة الكبرى ،وقد أصبح الدين، بكل مكوناته ،الأداة الأساسية التي بها أدير ذلك الصراع ،ما يفسر أن النسبة الأكبر من الأحاديث الموضوعة والضعيفة تعود إلى تلك اللحظة .وهذا ما يقتضي بدوره تجاوز منهج المحدثين في نقد الحديث لقصوره ،وذلك بإخضاعه لكل إمكانيات النقد في الأسانيد وفي المتون على حد سواء وعدم الاقتصار على نقد السند ،والاستفادة في هذا السياق من الإمكانيات المعرفية التي تتيحها الدراسات الأنثروبولوجية حول الثقافات والعقل الشفويين.

*وجوب مراجعة موقع الحديث النبوي من المنظومة التشريعية الإسلامية ،فلا يعقل أن نستمر في معاملة آلاف الأقوال بالتقديس الذي عوملت به في إطار الفقه السني دون أن نكون على بينة من صحتها التاريخية ولا على ثقة من مصداقية رواتها،هذا فضلا عن كون الرسول لم يكن على علم بما كان وما سيكون لتعامل أحاديثه بمثل ما يعامل به النص القرآني ،فالرسول بشر وما يعلمه محدود بحدود بشريته ،نسبي بنسبية المعرفة البشرية ،ما كان ينطق عن الهوى فيما كان فيه مبلِّغا عن الله ،ولكنه كان “بشرا يخطئ ويصيب” في ما ينطق به اجتهادا من نفسه ،طبقا لما أصدع به هو نفسه ،فلم نتغافل عن هذه الحقائق البديهية البسيطة؟ لم ننكر أن الكثير من الأحاديث المنسوبة إليه صارت غير “معقولة” بمعايير عقلانية اليوم؟لم ننكر أن الكثير من الأحاديث المنسوبة إليه تحمل معطيات خاطئة بمعايير معارفنا اليوم؟ هل الاعتراف بهذه الحقائق أكثر نيلا من شخصه أم إن ما ينال منها أكثر هو الاستمرار في ترويج صورة له قابلة للكثير من المطاعن من وجهة نظر الوعي الحديث والمعارف العلمية الثابتة ؟

تظلّ هذه الأفكار ، وإن كانت تحتاج إلى الكثير من التدقيق والبلورة حتى تشكّل برنامجا متكاملا وهو ما لا يسمح به هذا المقال المحدود ،في حاجة إلى برنامج آخر،برنامج تفكيكي يتولى تفكيك ما أعتبره أوهاما كبرى ظلت المحدِّد للوعي التشريعي والفاعل في ما تعانيه المجتمعات الإسلامية من مفارقات بين واقع تشريعي محكوم في أغلب جوانبه بقوانين وضعية ،ووعي تشريعي مازال ،بفعل تلك الأوهام،مصرا على أن الشريعة هي مصدر التشريع فعلا أو يجب أن تكون مصدره الوحيد إن لم تكن كذلك في الواقع ،ونوجز هذه الأوهام في النقاط التالية عسى أن تتاح الفرصة للتفكير المعمق فيها وللعمل على تفكيكها.

أ-أول هذه الأوهام وأخطرها وأعمقها أثرا هو توهّم أن المجتمعات الإسلامية قد انتظمت طيلة تاريخها طبقا للأحكام الشرعية . إن قراءة تاريخ هذه المجتمعات قراءة نقدية فاحصة تثبت أن هذا الاعتقاد وهم وأن أغلب المجتمعات الإسلامية كانت منتظمة طبقا لتشريعات متعددة المصادر لم يكن للمصدر الديني ضمنها إلا موقع محدود جدا.
ب- الاعتقاد بأن كل ما هو مجموع في مدونات الفقه والفتوى أحكام شرعية ،وأنها تبعا لذلك هي أحكام إلهية لا يجوز للبشر التصرف فيها بالتغيير أو بالإبطال ،وهذا الاعتقاد كذلك وهم كبير ،إذ يكفي أن نستعين بالإحصاء لنتبين هامشية عدد الأحكام ذات المصدر الشرعي فعلا قياسا إلى الأحكام ذات المصادر البشرية-الوضعية.

ج- الاعتقاد بالتطابق الكامل بين تفاسير المفسرين وتأويلات المؤولين واجتهادات الفقهاء من جهة والدلالات التي يقصد إليها الله في نصه والمقاصد الكبرى التي يرمي إليها في ما جاء في كلامه المنزل من جهة أخرى ،وهذا الاعتقاد موهوم هو الآخر ويكفي أن نستعرض بعض مظاهر الاختلاف في الفهم والتفسير والتأويل حتى نتبين أن مثل هذا الاعتقاد وهم يروّجه أصحابه من أجل توسيع القداسة المخصوصة بالكلام الإلهي حتى تشمل فهومهم ،ويكفي أيضا أن نلاحظ أن هذا النص “لا ينفذ” وأنه قابل لقراءات أخرى لا تحد ولفهوم أخرى لا تتطابق إطلاقا مع فهوم السابقين ،فما هوالفهم المعبر عن القصد والدلالة الإلهيين؟ أم إن القول بفهم واحد ونهائي قول لا معنى له ،فضلا عن كونه معارضا تماما للمقصد من قوله تعالى : “قل لو كان البحرُ مِدادًا لكلماتِ ربِّي لنَفَدَ البحرُ قبل أن تَنْفد كلماتُ ربي ولو جئْنا به مددًا”( الكهف18 /109) أليس المقصود بهذه الكلمات التي لن تنفد إطلاقا هو هذه الطاقة التي تتمتّع بها النصوص الكبرى ،ومثالها القرآن الكريم ،على أن تلهم وتعلّم وتنتج نصوصا لا نهاية لها إلا بنهاية قراء ذلك النص؟
هذه بعض من الأوهام الكبرى التي تؤكد مبدأ تحسّسه الحداد وحاول البرهنة عليه وإن لم يصرح به ،مبدأ أن لا حرية للنساء المسلمات إلا بتحرير العقل الإسلامي من تلك الأوهام الكبرى التي تحكمت فيه طيلة قرون وحالت دونه وبناء معرفة نقدية . 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق