لا تنسوا هنريات

كلمة الافتتاح التي ألقتها الأستاذة رجاء بن سلامة في النّدوة الفكريّة التي نظمتها جمعية الأوان يوم السبت 5 أفريل 2014، تكريما للأستاذ طرابيشي ببيت الحكمة (المجمع التونسي )، بقرطاج. 

سيّدي رئيس جامعة منوبة، حضرات الضّيفات والضّيوف، أساتذتي الأعزّائي، سيّداتي سادتي، شكرا لحضوركم، وقبولكم دعوتنا إلى الاحتفاء بأحد المفكّرين الملتزمين بالتّنوير في العالم العربيّ. ستكون مساهمة الأستاذ جورج طرابيشي في الترجمة والكتابة والفكر موضوع ثلاث جلسات علميّة حرصنا على أن تشارك فيه أجيال مختلفة. وحرصنا على أن تكون ملمّة قدر المستطاع بمختلف جوانب حياة جورج طرابيشي وفكره، وإن كان ذلك صعبا في مساحة يوم واحد.

عندما بدأت كتابة هذه الكلمة ألحّت عليّ فكرة : “لا تنسوا هنريات”. فكّرت أن أشذّ على الجماعة، وأن أقوم بانقلاب سلميّ غير سياسيّ أتحدّث فيه عن هنريات المترجمة والكاتبة، والقاصّة، زوجة المترجم والكاتب والمفكّر. أكره الانقلاب في السّياسة، وأحبّ الانقلاب في الفكر. 

لكن لا تنسوا أمورا من أخرى، ربّما هي من نفس القبيل، قد تنسى. قد أنسى أنا نفسي، فلا أريد أن يكون لكلامي لهجة الخطباء والوعّاظ. 

1-لا تنسوا الرّقابة، ولا تنسوا أنّها تتّخذ “أقنعة ووجوها مختلفة”، وهذا عنوان إحدى كرّاسات الأوان التي نشرناها. نشرناها، وككلّ منشورات رابطة العقلانيّين العرب، راجعها، وسهر عليها الأستاذ جورج طرابيشي. لن أنسى أنّ ما جمعنا حول رابطة العقلانيّين العرب هو الرّقابة المسلّطة على المفكّرين والمبدعين، من السّلط السياسيّة والدّينيّة. والخطوط الحمر المفروضة كانت تتّصل بالسّياسة وبالمقدّسات الدّينيّة أو ما يعدّ كذلك، أو بما يمكن أن نعتبره مقدّسات قبليّة ذكوريّة، قد تتّخذ قناع الدّين. وإلى اليوم، في البلدان النّاطقة بالعربيّة يحكم بالسّجن على شاعر من أجل قصيدة، وعلى مفكّر من أجل فكرة. إلى اليوم يجب أن نحوّل حرّية الإبداع والتعبير والمعتقد والضّمير إلى نضال يوميّ، حتىّ وإن ضمن الدّستور هذه الحقوق كما هو الشأن في تونس.
الأستاذ جورج هو الذي سمح لي بنشر كتابين سنتي 2005 و2008 هرّبت موادّهما إلى شبكة الأنترنيت، يأسا من نشرها في الصّحف العربيّة. فشكرا له. شجّعني، على جمع الشّتات، وعلى نشر المطويّ.

2-لا تنسوا خيانة المثقّفين. وهذا عنوان كتاب لجوليان باندا وكتاب لآدوارد سعيد. وخيانة المثقّفين في العالم العربيّ اتّخذت الأشكــال التّالية :
*الولوع بالطّغاة اتّكاء على عكّازة الوحدة العربيّة، والممانعة. فطاغية بلد عربيّ ليس كذلك في بلد عربيّ آخر. بحيث أنّ المتمرّد على طاغية بلده يمكن أن يكون مولعا بطاغية بلد آخر. وهذا التّقاسم للأدوار سمح بالكثير من الاتّجار بالفكر، والكثير من الإعاقة لمشروع التّحديث السيّاسيّ.
*مجاملة الفقهاء ورجال الدّين، اتّكاء على عكّازتي الهويّة والثّوابت. 
أعتقد أنّ الأستاذ جورج طرابيشي كان حريصا على تجنّب الانزلاق إلى موقع المثقّف الخائن، وأعتقد أنّ رابطة العقلانيّين نشأت ضدّ الرّقابة وضدّ غوغائيّة النّخب التي خانت مهمتها، وجاملت الطّغاة، وكرّست الحسّ المشترك. 

3-لا تنسوا العلمانيّة
“العلمانيّة” هي الكلمة المنبوذة التي تعوّض دائما بغيرها. وقد سبق أن اعتبرتها أليفا موحشا، ننكر وجوده عندما يوجد، وننفر منه رغم حاجتنا الأكيدة إليه. فمن أهمّ ما تأكّدنا من ضرورته في نهاية الأمر- بعد أن تحرّكت شعوبنا هنا وهناك- هو العلمانيّة أو المبدأ العلمانيّ. في تونس يقرّ الدّستور الجديد بضرورة تحييد المساجد ومنع التّكفير، ويقرّ بحرّيّة التّعبير والمعتقد والضّمير، وتتّفق الأطراف السياسية الفاعلة نظريّا على الأقلّ على أن لا أحد يمثّل الإسلام. وهذا هو جوهر العلمانيّة في الحقيقة، أو هذا هو مبدؤها أو طريقها. والمغالطة التي تمّ ترويجها هي أنّ الأنظمة السّابقة كانت علمانيّة. هناك على الأقلّ حدثان يبيّنان نبذ الأنظمة السّابقة للعلمانيّة، أوّلها منع نظام بن علي تكوين جمعيّة تدافع عن العلمانيّة سنة 2008، ومنع السّلطات السّوريّة ندوة عن العلمانيّة سنة 2009، بحيث انعقدت في دائرة صغيرة بعد إصرار المنظّمين على عقدها.
العلمانيّة، حتّى وإن لم تسمّ كذلك، هي أمامنا إذن وليست وراءنا. لكنّنا ننسى ذلك. والأستاذ جورج لم يكتف بالدّفاع عن العلمانيّة بل دعا إلى أن تكون موضوع “براكسيس” ثوريّ سمّاه “جهاديّة دنيويّة”.

4-لا تنسوا التّحليل النّفسيّ
كان للأستاذ جورج طرابيشي إسهام أساسيّ في ترجمة التّحليل النّفسيّ إلى العرببّة، أو طرق باب اللّغة إلى أن يفتح، قسرا أو عن طيب خاطر، لتقبل معرفة صعبة قائمة على كلّ المفارقات.
وأشهد أنّ ترجمة الأستاذ طرابيشي لأغلب أعمال فرويد حرّرت بعض النّفوس. حرّرت من قرؤوا “الطّوطم والتّابو”، و“مستقبل وهم”، و“رجل الفئران”… حرّرت من كانوا تائقين إلى الخروج من استبداد الأوهام الجماعيّة والفرديّة.

-أخيرا، لا تنسوا هنريات. إلى جانب كلّ رجل عظيم امرأة قد لا تقلّ عنه عظمة. إلى جانبه، رفيقة له.
هنرييت عبودي هي من مواليد حلب. حاملة لإجازة في الحقوق من الجامعة اليسوعية ببيروت. عملت في الصحافة العربية والفرنسية (“الثورة” السورية و“الصياد” و“الأسبوع العربي” اللبنانيتين و“آرابيز” الفرنسية).
ترجمت إلى العربية أكثر من عشرة كتب تمحورت حول تحرر المرأة وفكر الأنوار ومنها : “المرأة المدجّنة” لجرمين غرير، و“المرأة عبر التاريخ” لمونيك بييتر، و“حول تحرر النساء” لألكسندرا كولونتاي، و“نقد مجتمع الذكور” لروجيه غارودي وآخرين، و“فلسفة الأنوار” لفولغين، و“1789: ثورات الحرية والديموقراطية” لروبرت بالمر، و“رسالة في التسامح” لفولتير.
وأصدرت أربع روايات: “الظهر العاري” و“خماسية الأحياء والأموات” و“كيمياء البشر” و“وداعاً يا ماردين”، ومجموعة قصصية: “الدمية الروسية”.
وهي من أوّل من عرّف بأفكار سيمون دي بوفوار منذ ستّينات القرن المنصرم. قرأت بعض ترجماتها وأقاصيصها، فاكتشفت قلما بديعا وفكرا ثاقبا.
مرحبا بالرّفيقين في تونس.

• نفتح ملفّا في الأوان عمّن احتفينا به في تونس، ننشر فيه النّصوص التي قدّمت خلال النّدوة، ونفتح شاهية من يريدون مواصلة الاحتفاء بهذا العلم من الفكر النّقديّ العربيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق