تدريب الجمهور على أن يصبح جمهوراً / بشار عباس

«عبد الرحمن» الذي ينهض من بين مقاعد الجمهور ليعترض مع صديقه «فرج» على الوقائع والمجريات التي يشاهدانها على الخشبة، على طريقة «ستّ شخصيات تبحث عن مؤلّف» ثم بعد ذلك يشرعان بسرد الذكريات عن قريتهما البعيدة، هل كانا من الجمهور؟ الحديث طبعاً هنا عن مسرحية «حفلة سمر من أجل خمسة حزيران». السؤال نفسه ينسحب على «الجمهور» الذي اعترض على قتل الشخصيّة الرئيسة، ثم لم يوافق على النهاية في مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر». قطعاً الجواب: لا. إنّهم ممثلون، تدرّبوا على العرض، واطّلعوا على النص، كل منهم أدّى شخصية كانت على الورق، فلا يُمكننا أن نفترض، بأي حال من الأحوال، أن تدخّلهم في الفعل الدرامي هو تفاعل بين الجمهور والخشبة، ولا يعني جلوسهما في مقاعد الجمهور، البتة، أنهما أصبحا من الجمهور، فالمسألة لا تتعلّق بمكان الجلوس. بل بجوهر تعريف كل من الجمهور والممثلين، ذلك أن الشخصيّات شيء؛ والجمهور شيء آخر مفارق ومخالف تماماً.

لكنّ سعد الله ونوس، وفي أكثر من حوار، يشرح معنى مسرح التسييس كالتالي: «هو المسرح الذي يؤكّد دور الجمهور داخل العرض المسرحي بأن يتواصل مع العرض من جهة، ومن جهة ثانية يسمح للجمهور في الصالة بأن يطرح رأيه في الحدث، وذلك بالتأكيد على التفاعل بين مساحتين وهما الخشبة والجمهور عبر حوار حي ومرتجل» إن هذا الكلام جميل بذاته، ولكن له تتمة، فلقد كان ينقصه أن يُرفق بتعريف جوهري سابق له، ولا ينبغي له أن يقوم من دونه، ألا وهو تعريف «الجمهور» نفسه، فلا يمكن الحديث عن علاقة الجمهور بالخشبة دون تبيان ما هو المقصود بكلمة جمهور، ثم ماذا بقي من الارتجال العفوي؟

كسر الوهم

في محاولة شاقة لاقتفاء أصول ومنابع بدعة درامية اسمها التسييس، وسوء فهم تاريخي كبير ألحقَ بالغ الأذى بالمسرح السوري وامتد إلى سائر الدراما المحلية بأشكالها المتعددة، فإنّنا نصل إلى المتناقضات الحادّة الأربعة التالية في مسرح سعد الله ونوس، ليست متناقضات بمفردها، ولكن إجبارها أن تجتمع معاً يجعلها كذلك: أولاً: مسرحية «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» للويجي بيرانديلو، إذْ تقوم الشخصيات باقتحام الصالة، ثم ترتقي الخشبة لتسخر وتعترض على أداء الممثلين وتصوّرات المخرج عن الدراما، فتناقش بذلك سؤالاً كبيراً يرتبط بجوهر المسرح: هل المسرح وهم؟ إذا كان الجواب نعم فهذا يعني أن الحياة أيضاً وهم، لأنّه انعكاس وامتداد لها وجزء أصيل لا يبرح عنها. ثانياً: برتولت بريشت الذي ذهب أن يقوّض الجدار الرابع لكي يُصالح بين الفن والموقف الماركسي الصارم من الأيديولوجيا، فالفن وفقاً للمادية التاريخية جزء من البنية الفوقية، أي من الأيديولوجيا التي هي وهم، وبذلك لا يعود المسرح مقبولاً إلا بكسر الوهم، أو «الإيهام» كما ترجمها أحدهم فذهبت مثلاً. وثالثاً: أورين بيسكاتور ومسرحه السياسي كأداة للثورة، وحامل للأيديولوجيا في استجابة لتبعات خسارة ألمانيا في الحرب الأولى. رابعاً وأخيراً: أروين شو المندد بمبدأ الحرب في نصّه «ثورة الموتى» عبر عدد من الشخصيات اللائي عادت من الموت، وتظهر مثقّبة بالرصاص منددة بذهابها للقتال.

المتناقضات السابقة الأربعة مشتملة معاً في عمل واحد شكّل انطلاقة ونّوس كصاحب اتجاه مسرحي؛ «حفلة سمر من أجل خمسة حزيران» مثالاً؛ فالجنود القتلى الأربعة الذين تدب فيهم الحياة يتطابقون مع شخصيّات مسرحيّة «ثورة الموتى». اعتراض شخصية «عبد الرحمن» وصديقه «فرج» ونهوضهما إلى الخشبة يتماثل مع «ست شخصيّات تبحث عن مؤلف» مع فارق أنّ بيرانديللو جاء بالشخصيات من خارج الصالة بينما دسّها ونّوس بين الجمهور! مناقشة أسباب النكسة يتماثل مع مضمون مسرح بيسكاتور السياسي الذي نهض بأعباء ما بعد هزيمة ألمانيا في الحرب الأولى، وأخيراً إلغاء الجدار بين الجمهور والخشبة جليٌ أنه من المسرحي الألماني بريشت.

لقد استمدّت تلك المسرحيّة قيمتها مع «مغامرة رأس المملوك جابر» من القيم الأدبية والفلسفية والفنية لكل من الأعمال والاتجاهات المسرحية الأربعة على حدة، ثمّ من ضخامة وراهنية وفداحة الموضوع نفسه، وهو نكسة حزيران في المسرحية الأولى وقطع الرأس في الثانية. ذلك أخفى على النقّاد والدارسين حقيقة خطيرة، وقد صار لزاماً أن ينتبهوا إليها وهي أنّ المسرحيتين الآنفتا الذكر لا تشتملان على أي عنصر جوهري من عناصر القصّ، لا حبكة فيهما، ولا شخصيّات تمتلك مواصفات محددة، لا أهداف رئيسة ولا عقبات، لا صلة بين البداية والمنتصف والنهاية. النهاية المبتورة لـ«مغامرة رأس المملوك» معصومة من الانتقاد، ببساطة لأن الجمهور الذي تدرّب مسبقاً أن يؤدّي دور الجمهور – فعل ذلك نيابةً عن النقّاد، فهل يملك أحد أن يقول شيئاً وقد شهد شاهدٌ من أهل العرض؟ البداية في مسرحية النكسة شيء، والمنتصف شيء آخر مفارق، بينما النهاية تقررها الشخصيات على هواها وليس وفقاً لخط سير الأحداث، لا يفعل الكاتب ذلك من خلال تطوير الحبكة، بل عبر ليّ عنق الأحداث والظروف وسمات الشخصيّات لكي تأتي متفقة مع مفهوم التسييس، ذلك المفهوم الضبابي غير الواضح، والذي يتحدّث عن العلاقة بين الجمهور والخشبة دون أن يكون لديه أدنى فكرة عن تعريف الجمهور نفسه؛ إنّه لم يدخل الصالة من تلقاء نفسه، لم يخرج طوعاً من المنزل قاصداً المسرح، لم يكن ماراً بجانب الصالة فدخل، بل جمهور جاء به المخرج والكاتب مسبقا، جمهور يعرف صنّاع المسرحية، يتقاضى منهم الأجور، يشاركهم البروفات، ويجلس منتظراً أن يتدخّل عند اللحظة الدرامية المناسبة، وهذا ليس من الجمهور في شيء، وليس فيه من معنى الجمهور سوى أنّه يجلس ليس على الخشبة، بل على كراسي الصالة؛ هذا التعريف غير منطقي وغير مقبول البتة.

المتناقضات الأربعة

المتناقضات السابقة الأربعة ينتمي كل منها إلى زمان مختلف، وجغرافيا مختلفة، وظروف شتى، بل إنّها معاً تكاد تختصر تاريخ ومكتسبات المسرح الأوروبي منذ أواخر القرن التاسع عشر حتّى ذهاب ونّوس لدراسة المسرح في أوروبا أواخر الستينيات، فهل كان من المعقول والمجدي إلقاء كل هذه التجارب على كاهل جمهور محلّي قام منذ بضع عشرات السنين بطرد صاحب رائد المسرح السوري أبي خليل قباني بالبيض والبندورة الفاسدة؟ وهو أيضاً جمهور لمّا يألف عادات حضور المسرح، بل إنّه لمّا يغادر المسرح الترفيهي تماماً، وهو المسرح الذي قد تتخلل عروضه وصلة غنائية مع راقصة مسرح دبابيس والأخوين قنوع مثلاً وحتّى وإن غادره مسافة خطوتين فإنّه لا يزال يتلفّت بشغف إلى المسرحيات الكوميدية المصرية المتلفزة.

إن التركيز على المتناقضات الأربعة التي تؤلّف التسييس كشكل، أصاب معظم أعمال ونّوس بضعف بنيوي ومضاميني في عنصر القصّ، يمكن اقتفاء أثر ذلك في نص ظهر لاحقاً بمعزل عن التسييس، وهو «يوم من زماننا – 1993» الذي ولأنّه لا يفترض أن يُعرض وفق مبدأ التسييس أو المتناقضات الأربعة بتعبير آخر، فإنّه يشكّل مادّة دراسية ونقدية للحكم على تجربة ونّوس دونما أصبغة فنية أوروبية.

لا نعرف سمات الشخصيّة الرئيسية «فاروق»، ولا نعلم عن هدفه الرئيس أو عقبته. فقط يستخدمه الكاتب بطريقة تشبه المراسل في الأفلام الوثائقية المتخصصة بالرحلات ليجوب بنا على المؤسسات التعليمية والدينية والحكومية، والتي تعاني جميعها من مكائد «فدوى» بينما الأخيرة انتهت إلى هذه الحال جرّاء نقطة تحوّل في شخصيتها مرتبطة بمسألة العذرية، وهكذا تكيد بالمؤسسات جميعها ـ على فكرة «فدوى» هذه مقتبسة عن شخصية «مدام باتشي» في «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» و«فدوى» هذه هي الشخصية الوحيدة المزوّدة بمواصفات محددة، وماضي واضح، فتنافس بذلك شخصية «فاروق» على مرتبة الشخصية الرئيسية. وفقاً لمبدأ زمن العرض والظهور فإن «فاروق» هو الشخصية الرئيسية، ولكن سمات الشخصية الشبه واضحة لدى «فدوى» تجعلها كذلك أيضاً، ثم يكتشف أخيراً أن زوجته أيضاً قد امتهنت الدعارة عند «فدوى» لأنّها تشفق عليه من الفاقة والعوز، وتنتهي المسرحية بموتهما معاً، وبانقطاع أي تنويه بمستقبل سائر الشخصيات الأخرى، بما يُنافي مبداً القص الذي يجهد في تقليد التاريخ والتشبّه به، فإذا كانت الشخصية الرئيسة – «فاروق»، التي قادت القصّة مع شخصيّة الزوجة سيموتان معا، فمن نجا وبقي ليُخبرنا القصة؟ ما يُشير إلى هشاشة عنصر القصّ بعد إذْ نقوم بشفط دهون وشحوم «التسييس» عنه، يبقى من الواجب الإشارة أن ذلك النص المسرحي لا يُعقل أن يكون زمنه الواقعي يوم واحد فقط، وقع ذلك مع الكاتب لأنها من المرات النادرة التي واجه فيها العلاقة بين الزمنين الواقعي والدرامي.

عن ملحق السفير الثقافي
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This