جورج طرابيشي ودوره في التنوير العربي (3)

“الانقلاب السني”.. كان هذا هو العنوان الفرعي الذي أراده المفكر العربي جورج طرابيشي لمشروعه الأخير، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، غير أنّ النّاشر اللبناني التمس من أستاذنا جورج تعديل العنوان درءاً لما قد تثيره عبارة الانقلاب السني من سوء فهم بسبب حساسية الوضع اللبناني. وهكذا كان.

غير أني كنتُ ولا أزال أعتبر “الانقلاب السني” هو العنوان الأكثر انطباقاً والأدقّ تعبيراً عن مضمون هذا الكتاب الذي كانت قراءتي له بمثابة ورشة اعتكاف استغرقت مني شهراً من الخلوة القرائية أو يزيد.
لا أدري إن كان بوسعي أن أقول إنّ هذا الكتاب قد قرأته فعلا؛ إذ لا يبدو الماضي هنا هو زمن الفعل المناسب، فربّما الأدقّ أن أقول أني ما أنفك أقرأه. ثم أني أقرؤه وأقرأ معه، وأقرأ به باستمرار. ومن ثمّ لا أعرف أيّ توصيف أعبر به على هذه القراءة التي لا تحتمل الختم ولا تكتمل.

الكتاب حدثٌ ثقافي، مشروع قائم ومستقل بذاته عن رباعية نقد نقد العقل العربي، تتويج لربع قرن من نقد النقد، بناء جديد على أنقاض النقد المنقود، لكنه بناء يفتح ورشات جانبيّة قابلة للإنجاز، وهذا هو أكثر شيء شدّني إلى هذا المشروع.

أقول، إن هذا الكتاب/ المشروع، لهو مشروع فاتح لمشاريع مضادّة للتاريخ الرّسمي.
ومثلاً :
مشروع أوّل بصدد تاريخ ما يسمى بالفتوحات الإسلامية من خلال ارتباط الدعوة المحمدية بجغرافية أم القرى وفق التحديد القرآني.
مشروع ثان يتعلق بتاريخ النص المرجعي للتشريع ومداه : ( القرآن عموما أو المصحف حصراً) أو ( القرآن أو المصحف + الحديث النبوي ) أو (القرآن أو المصحف + الحديث النبوي + الحديث الصحابي) أو ( القرآن أو المصحف + الحديث النبوي+ الحديث الصحابي+ الحديث التابعي)…إلخ.

مشروع ثالث –وهذا يشدّني في هذه الأثناء بصدد الانتقال من الوحي الرباني إلى القرآن المحمدي وصولاً إلى المصحف العثماني. أو بلغة أحرى علاقة الانقلاب السني بما يصطلح عليه طرابيشي بمصحفة القرآن.
مشروع رابع –وهذا أيضاً فكرتُ فيه على هامش قراءتي أو قراءاتي للكتاب- يتعلق بالسيرة الجنسية أو الحياة العاطفية لرسول الإسلام، حيث الفارق كبير بين معطيات العقل والتاريخ وغرائز رواة الحديث والسنة. 

وربما مشروع خامس يتعلق بالتاريخ التراجعي لحقوق الأقليات، وربما سادس بصدد ما قد يوازي الانقلاب السني عند الشيعة… إلخ
وفي كل الأحوال، ليس الانقلاب السني مجرّد انقلاب طارئ وجزئي، وإنما يتعلق الأمر بسيرورة انقلابية طويلة الأمد وطويلة المدى أيضاً. طويلة الأمد لأنها استغرقت قرونا طويلة من الزمن امتدت منذ المراحل الأولى لتدوين الحديث واكتملت مع ابن حنبل والانقلاب المتوكلي؛ وطويلة المدى لأن آثارها باقية إلى اليوم، وهي تعيق عملية الانتقال من إسلام القدامة إلى إسلام الحداثة.

لا يتعلق الأمر بمشروع مغلق يصنف الأسماء والأشياء وفق أطر مرجعية جاهزة ناجزة، ومن ثم يصدر أحكاماً قطعية ثم يغلق الباب على طريقة إما أن تقبل أقوالي أو تصمت، وهو أسلوب الكهنة بالتأكيد ومعهم بعض أساتذة المدرّجات أيضاً.

المفارقة التي يمسك بتلابيبها الناقد الكبير جورج –وأنا هنا مرّة أخرى أفكر به ومعه ومن خلاله- أن المسار الانقلابي بقدرما ابتعد تدريجيا عن روح الخطاب القرآني، وعن القيم الأساسية للخطاب القرآني لفائدة مدونة حديثية تم تضخيمها، فإنه التصق في الأخير بالنص الديني التصاقاً مطلقاً أكان النصّ قرآناً أم حديثاً. بمعنى أنّ ثمة سيرورة انقلابية مزدوجة فارقت قيم القرآن وجمدتها لأجل أن تمجد النص في الأخير. أي، افترقت عن الخطاب القرآني لكي تقدس النص القرآني والنص الحديثي أيضاً. وهذا ما حدث منذ الشافعي وصولا إلى ابن حنبل.
لربما كانت كلمة المفارقة نفسها من خصوصيات الفكر الإسلامي، وهذا ما لم ينتبه إليه الكثير من مفكري التراث الذين يميلون إلى إصدار الأحكام. ومثلاً، صحيح أن أحكام الإمام مالك كانت أميل إلى التشدّد، لكن –وهذا ما ينبه إليه طرابيشي- فإنّ دائرة النص عند مالك لم تكن مغلقة، إذ شملت أقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأهل المدينة، إلخ. وهذا ما كان يمنح للاجتهاد فسحة للانفلات من قبضة النص الجامد. ومن ثمة فإن تشدّد الإمام مالك كان يواري جرأة في الانزياح عن النص، بل كان مالك كثيراً ما يعرض في فتاواه أدلة الإباحة وأدلة التحريم على قدم المساواة، ويترك الاختيار للسّائل نفسه. وفي هذا انفتاح نسبيّ سنفتقده مع الأئمة اللاّحقين.
هذا الأسلوب في استنطاق المفارقات هو أكثر ما تعلمته من الأستاذ جورج.

لكني سأتكلم الآن أيضا كدارس سابق للفسلفة بالمغرب، لأقول :
لقد كنتُ من بين عشرات المغاربة الذين وقّعوا في بوتقة التّقسيم الجابري بين عقلانية المغرب ولاعقلانية المشرق. ولستُ أشكّ الآن في أن هذه البوتقة قد حرمتنا كطلبة من الانفتاح على عمالقة الفكر الفلسفي الفارسي، مثل ابن سينا، وصدر المتألهين الشيرازي، وأوقعنا في احتقار مدارس بالغة العمق والأهمية مثل إخوان الصفا، تحت طائلة الانتماء إلى “العرفان” الاسماعيلي، ثم جعلنا ذلك الغرور نردد خلف الجابري أنّ ابن حزم كان من أكثر الفقهاء عقلانية، فقط لأنّه مغربي ! والحقّ أنّه أندلسيّ على وجه التّحديد. وفي كل الأحوال، أليس مستغرباً أن يصدق المرء أنّ فقيهاً ظاهرياً يعتمد القراءة الحرفية للنص بدون اجتهاد بدون تأويل بدون استنباط بدون قياس بدون إعمال لأي قدر من العقل، قد يكون عقلانيا؟ ! إنها سقطة معرفية بكل المقاييس.

في المغرب، وبفعل هيمنة الأستاذ الجابري على الفلسفة ردحاً من الزّمن، وتحيّز جل أساتذة الجامعة للجابري عن غير دراية، وكذلك التهكم الصبياني –وأنا أأسف لنقل الصورة بأمانة- الذي كنا نسمعه من بعضهم على الأستاذ طرابيشي دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء أن يفهم ويفهمنا، فإننا بسبب كل هذا تأخّرنا في الاطلاع على مشروع طرابيشي النقدي، رغم أن خزاناتنا لم تكن تخلو من ترجمات الرّجل في الفلسفة والتحليل النفسي ودراساته في النقد الأدبي. والمضحك المبكي المخجل أيضاً أني سمعتُ وقتها مثل هذا التحيّز من قائد إسلامي ورئيس تحرير صحيفة إسلامية، وعندما سألته عن السبب قال لي بالحرف : أليس يكفيك أن واحداً اسمه محمّد والآخر اسمه جورج؟!

في كل الأحوال، تأخرت بدوري قبل قراءة المشروع النقدي لجورج طرابيشي، ثم –وربّما بسبب ذلك- شاءت الأقدار أن أقرأ ذلك المشروع قراءة تراجعية، أي من الكتاب الأخير إلى سائر الأجزاء الأربعة بدءاً من الجزء الرّابع.

كنت معتكفاً على قراءة ذلك عندما تلقيت نبأ وفاة الأستاذ الجابري. كتبت لجورج عبارة مقتضبة : هذا الصباح توفي محمد عابد الجابري، وأظنّ أن تعزية كتابية سيكون لها وقع كبير على المثقفين والإعلاميين المغاربة، اكتبها وانشرها حيثما شئت، وبدوري سأعمل على إعادة نشرها في نفس الصحيفة الحزبية التي كان الجابري مرتبطاً بها. وكم كانت فرحتي عظيمة عندما تجاوب مع طلبي. قال لي : نعم، تلقيت الخبر، وكنت أفكر فعلا في أن أكتب شيئا ما، وسأعتبر رسالتك تحفيزاً. في منتصف الليل توصلت بمقالته طالباً مني أن أتصرّف في نشرها. وهكذا كان إذ عملتُ على نشرها في نفس الصحيفة الحزبية التي ساهم الجابري في تأسيسها وكتب فيها آخر مقالاته. كان وقع أثر التعزية في المغرب أبلغ مما توقعت. كانت مثار أحاديث طويلة. وربما لأننا أمة عاطفية كما يقال، فقد بدأت المشاعر تتغيّر بسرعة قياسية. لا سيما وأن مفكراً مغربيا آخر هو عبد الله العروي لم يكلف نفسه عناء قول أي شيء عن وفاة غريمه الجابري، فقارن الكثيرون بين الموقفين، بين الرّجلين، بين الأخلاقين، وكانت المقارنة نقطة حاسمة لفائدة اسم جورج. وكان الأمر بالنسبة لمن أسميهم بالعلمانيين الصامتين في المغرب نصراً لأخلاق العلمانية.
ثم سخن بعض الدّم في العروق. وماذا بعد؟

لاحظتُ أيضاً أن الشباب السعودي المثقف لم يكن مرتاحاً لرؤية الجابري، وهذا بسبب الموقف غير الإيجابي للجابري من الفكر الشيعي والذي يصنفه ضمن العرفان الغنوصي المشرقي، ما يثير مشكلة مع الكتلة الشيعية في منطقة القطيف ومع الطائفة الإسماعيلية في منطقة نجران وغير ذلك. لقد كانت هناك حاجة ماسة إلى تصور أكثر وضوحا وجرأة لمسألة العلمانية بما تتيحه من حياد ديني ومذهبي للدّولة. لاحظتُ أن هذا الجيل السعودي، وبسبب الوعي بالمخاطر الفتنوية والإرهابية للانحياز الديني والمذهبي، فإنه مرتاح لتأصيل طرابيشي للعلمانية كحاجة إسلامية- إسلامية، وفي مقابله فقد كان الموقف الرّسمي –رغم أنه يعادي عموماً أهل الفكر- ميّالاً في بعض هوامشه إلى إتاحة الفرصة لفكر الجابري دون أن يمنح نفس الحظ لفكر طرابيشي.
وهنا قلت في نفسي : لقد كتبتُ عن طرابيشي مقالين في صحيفة السفير اللبنانية، فلماذا لا أكتب عنه في صحيفة سعودية؟ لماذا لا يكون هناك اختراق ما بالنظر إلى حاجيات وعي شباب أرض الحرمين؟
وفعلا، فقد كان هناك شباب سعوديون ساعدوني في تدبير “مؤامرة” الكتابة عن طرابيشي في صحيفة سعودية، أخيراً نُشر المقال في صحيفة البلاد وهي أعرق وأقدم صحيفة سعودية، والأدهى من ذلك هو العنوان وما أدراك ما العنوان ! كان عنوان المقال كالتالي : نبي جورج طرابيشي.

سأقرأ عليكم بعض ما قلته في ذلك المقال عن نبي جورج طرابيشي :
“هو إنسان كأيّها الناس، يحمل شيئاً من محاسن البشر وكثيراً من مساوئهم، يجوع ويشبع، يشتهي ويقنع، يعشق ويتوجع، لا عصا يشق بها البحر أو يجعلها تبدو حيّة تسعى، لا يكلم الموتى ولا هو يفهم لغة الهدهد أو النمل، لا يفسر أحلاماً ولا يعالج أسقاماً، لا يسخر الجن ولا يرسل العفاريت إلى أقاصي الأرض فتعود إليه قبل أن ترتدّ طرف عينه، لا شيء من هذه الخوارق والمعجزات كان يأتيها أو يدّعيها، كان أقرب إلى حياة الناس البسطاء منه إلى خوارق الأنبياء، كان أقرب إلى الشرط الإنساني بخصائصه ونواقصه، وكانت أمّه”تأكل القديد“كما يقول عن نفسه، ورغم ذلك فقد حوّله تراث الفقهاء والرّواة وعلماء الدين من”نبي بلا معجزة“إلى نبيٍّ لكل الخوارق والمعجزات والكرامات في الطب والفزياء والفلك وكل شيء، بل حتى في بعض الخزعبلات من قبيل الذبابة التي تقع في المشروب فتغمس بكلتا جناحيها لحكمة لم يدركها الطب بعد ! مشروع جورج طرابيشي ورشة كبرى لغاية تحرير العقيدة من الخرافة، وتحرير السيرة من أساطير الرّواة، وتحرير الإسلام من الرّؤية السحرية للعالم.”

أن ينشر مثل هذا الكلام في أرض الحرمين، وأن يُنشر مقال بذلك العنوان، فقد كان هذا إنجازاً مبهراً بكل تأكيد. غير أنّ الذي حدث بعد ذلك كان محزناً، فقد انتفض الكهنوت الوهابي على حين غرة، وحاول بشدّة وقسوة أن يسترجع قبضته الحديدية والتي تراخت عقب اعتداءات الحادي عشر من شتنبر، وهكذا تخلت الصحيفة عن أي تعامل معنا، ومنع معظم أصدقائنا من الكتابة في سائر الصحف السعودية، وتعرضنا للشتم في إحدى القنوات السعودية ( قناة الدانة )، واعتقل ثلاثة من أصدقائنا، أحدهم أمضى ما يقارب العام من دون محاكمة وهو يوقع على أطنان من الالتزامات، من بينها –ويا للعجب!- الالتزام بعدم التواصل مع المثقفين التونسيين والمغاربة، لم يوضحوا له من يقصدون بالضبط، لكن لعل موقع الأوان كان حاضرا في الأدهان، وشاب آخر أطلق سراحه بعد سبعة أشهر من دون محاكمة، وثالث لا يزال معتقلا إلى الآن، ومفكرون عقلانيون بارزون فرضت عليهم الإقامة الجبرية أو منعوا من السفر. غير أنّ كل هذا لم يكن محبطاً لهؤلاء. وحضورهم اليوم يدلّ عليهم. وكل الأمل أن تكون السنوات العجاف قد خفّت شدّتها ولو قليلا.

وإليكم هذا البوح الأخير :
لقد ناقشت جورج طرابيشي طويلاً في مآلات ما سُمي بالرّبيع العربي، ثم طوينا النقاش في انتظار بزوغ الأفق الذي لم يبزغ بعد، واليوم أكاد أدرك معنى الألم السوري عند مفكر يعرف ما تعنيه الحرب الأهلية والفتنة الطائفية، يعرف ذلك من خلال أحوال التراث وأهواله، ويعرف ذلك أيضا من خلال بيروت التي أحبّها وصرف فيها أجمل سنوات شبابه قبل اندلاع الحرب، لكن ليسمح لي أستاذي جورج بأن أبسط أمامه هذا البوح الصريح : لقد تعلمتُ منك بالتمام عدم التسرّع في إصدار الأحكام، تعلمتُ منك كيف أستقرئ المفارقات الثاوية خلف وحدة المظاهر، وكيف لا أحكم على الظواهر قبل أن أنفذ إلى الأعماق، تعلمتُ أكثر من هذا، كيف أبحث عن الأمل في عمق الألم، وعن الرّجاء في ثنايا الوجع، وأقتحم الوضاعة لأرى بشائر الرفعة. ومن يدري؟ لربّما صدق الشاعر الألماني هولدرلين يوم قال : من منبع الخطر ينبع المنقذ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This