إنعام كجه جي: العراق جينة وراثية / ايمان حميدان

تقدم الكاتبة العراقية المقيمة في باريس، إنعام كجه جي، نفسها كصحافية قبل ان تكون روائية. وهي تمارس مهنة الصحافة منذ 40 سنة متواصلة من دون توقف. إلا أن تقديمها لنفسها لم يمنع من ان تصل روايتها «الحفيدة الاميركية» (دار الجديد، 2008) الى قائمة البوكر القصيرة عام 2009، كذلك روايتها الاخيرة «طشاري» (دار الجديد، 2013).

حوارنا مع انعام كجه جي حول روايتها الأخيرة والكتابة والإقامة بعيدا عن العراق وحلم العودة.

÷ «طشاري» هي روايتك الثالثة، وكأنك تتابعين فيها ما بدأت به مع «سواقي القلوب» ومع «الحفيدة الاميركية»، رصد حيوات العراقيين التي بعثرتها الحروب في الداخل وفي الشتات… لنبدأ اولا بالعنوان؟

} قيل لي إنه غريب وغامض وغير مفهوم لغير العراقيين. هذه «الغينات» الثلاثة زادتني عناداً وتعلقاً به لأنني لم أجد ما هو أنسب منه للتعبير عن فكرة الرواية. إن الطلقة الطشّارية هي تلك التي يستخدمها الصيادون لإصابة أكبر عدد من الأهداف، فهي تنفلق وتتوزع في عدة اتجاهات. أليس هذا هو حال العراقيين في زمننا الراهن؟

÷ تماماً…ففي «طشاري» تحكين حياة العمة التي تعمل طبيبة في بغداد ثم تضطر لترك البلاد بسبب الحرب… الهجرة موضوع مؤلم في اعمالك الثلاثة… كأنه ألمك انت تعاودين حكايته؟

} في روايتي السابقة وصفت الهجرة بأنها «استقرار هذا العصر». وقد فتحنا أعيننا على مهاجرين لبنانيين تغربوا طلباً للرزق، ولاجئين فلسطينيين ألقى بهم الاحتلال خارج أراضيهم، ولم نكن نعرف أن كل بلد من بلداننا سيأخذ نصيبه من الطبخة المسمومة. مصر والعراق والصومال واليمن والسودان والجزائر وسوريا وهلم جراً… وإذا كانت النزاعات المحلية والحروب هي السبب الأول فإنني أظن أن الجو العام الملوث بالفساد والطائفية والتزمت هو الطارد الأكبر. عموماً، لست محللة سوسيولوجية لتتبع ظاهرة الهجرة بل كاتبة تجتهد في تحضير الأرواح الكسيرة وتحاول أن تصغي إلى ذلك الأنين الخافت لشخصيات قُصفت مصائرها وتحولت مساراتها ووجدت نفسها منزوعة من أرضها بفعل طيش سياسي وجمود عقائدي شامل. هل ينفع دس شيء من الوطن في زوادة السفر؟ ألم يكن محمود درويش يكابر حين كتب «وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر»؟

÷ ألهذا السبب تقدمين في روايتك الأخيرة صورة عميقة لواقع العراقي المهاجر قسراً والذي اخترع لنفسه عراقاً آخر عبر برامج الانترنت ومواقع التواصل؟

} لعلك لا تتخيلين نشاط العراقيين على هذه المواقع. إنها برلمانهم الحقيقي الوحيد، وهي متحفهم ومكتبتهم وصحيفتهم ومركز وثائقهم، و«الألبوم» الذي يجمع صورهم وأسطواناتهم وأشعارهم. يتعارفون ويتحاورون على الإنترنت، يتبادلون الأخبار، يتشاتمون، يتصالحون، يتقبلون التعازي، يرممون ذاكرة تتبدد ويستجمعون إرثاً «طشّارياً». هل جمح بي الخيال، أكثر من اللازم، حين لحقت بهم ورسمت مقبرة ألكترونية تلم شمل عظامهم المبعثرة في مثاوي القارات؟

÷ كأنك تخلقين بلداً افتراضياً، هل يمكن ان نشعر بالانتماء الى بلد افتراضي؟

} وهل تتصورين مفارقة الانتماء إلى وطن يقتل زملائي الصحافيين، بوتيرة منظمة، ويجري على أرضه اغتيال المثقفين والأطباء وأساتذة الجامعات وترويع الأقليات، وتُمسخ فيه النساء؟ أنا أكتب البلد الراقي الذي نشأت فيه والمجتمع السمح الذي كنت أعرف. كما أصف، بلغتي البسيطة، الكابوس العراقي منذ تراءت لنا نذره حتى غطانا ونحن نيام. وهناك تسمية محلية لعاصفة الرمل التي تهب هي «القاطرة»، أي الريح الحمراء التي تغشى الوجوه والأهداب وتنعدم فيها الرؤية. لكن التسمية مشتقة من القَطر، أي المطر. لعل الكتابة صلاة استسقاء، أو استدعاء، لأمطار تغسل طبقات الرمل.

÷ أن نكتب هذا يعني اننا خارج الوطن ولو بالمعنى المجازي. هل تتفقين مع هذا الرأي من خلال تجربتك مع الكتابة في الغربة؟

} لا أدري. أي لم أُفكر كيف يمكن للكتابة أن تختلف حسب المكان. لعل الكاتب يضع نفسه خارج الإطار حينما يكتب، أي في اللامكان. وفيما يخصني، فإن الغربة مفردة فضفاضة. وقد أمضيت في البلد الغريب من السنوات أكثر مما عشت من عمري في الوطن. وعندما أتلفت حولي في باريس وأجد آلاف السحنات العربية في الجامعات والمستشفيات والأسواق الشعبية ودهاليز المترو، أعود إلى فكرة أن الهجرة باتت من سمات هذا العصر، وهي قد تؤمّن استقراراً لا يتوفر، يا ويلي، عند المكوث في الأوطان. والآن، مع سؤالك، أظن أنني عندما أجلس للكتابة فإن الحدود تضمحل وتصبح الشاشة المضاءة أمامي هي الرحم الدافئ والطبيعي.

الشخص الآخر

÷ مع هذا، لا شك أن الهجرة والإقامة في مكان آخر قد غيرتا مكانك الحميم، أي أنت لستِ عراقية بمعنى التماس «الفيزيكي…» لكن تبقين عراقية…. هذا كله يخلق شخصا آخر. احكي لي عن هذا الآخر…؟

} هذا ما لن أتلعثم في الحكي عنه. وبالتأكيد فإنني لن أتعرف على هذا «الشخص الآخر» الذي تشيرين إليه. وأظن أنني لم أُخلق لأكون غير عراقية، حتى وأنا أحمل جنسية ثانية. ورغم كل مآسي تلك البلاد فإن امتياز الانتماء إليها لا يضاهيه انتماء. من ذا الذي لا يحب أن يكون من أرض سومر وبابل وسليل جلجامش وحمورابي ونبوخذ نصّر؟ أن يتنفس شميم المتنبي والجاحظ وأبي نواس والجواهري والسياب؟ أن يرتوي من الفراتيْن ويأكل التمر الخستاوي وينام القيلولة على تربة تحتها ثروة خزينة؟ لا أكون قريبة، بالمعنى الجغرافي، من كل ذاك، لكن التماس قائم وعميق. العراق جينة وراثية فذة وأنا أمينة على حمضي النووي.

÷ في روايتك «سواقي القلوب» تقدمين قصة العراقي اللاجئ الى باريس، يعيش بطل الرواية غريباً في المدينة التي تعرفينها جيداً والتي اصبحت مدينتك منذ أكثر من 30 سنة. كيف تصفين علاقتك مع الغرب؟

} علاقة حسن جوار ومعاملة بالمثل. قد يكون لارتباطي بالمكان الذي أقيم فيه بعض ملامح الديبلوماسية. ويخيل لي أن باريس تفهمني وأفهمها. وحين أُتابع مجالسها الثقافية وجدالاتها الأدبية أشعر بنفحة بغدادية تهبّ عليّ.

÷ في رواياتك الثلاث تفردين مكانا مهماً للمرأة. تقدمين بطلتك من مكان إنساني عام، ولا تطلقين عبرها خطاباً نسوياً مباشراً. ماذا تقولين ازاء هذا الموضوع انعام؟

} من يحب الخطاب النسوي المباشر؟ لقد رباني أبي، وهو الضابط الصارم والمحافظ، على الاحترام. كان رحباً في انسانيته وكنت محظوظة به. لم يسفّه لي رأياً ولا قمع أُنوثة. وأظن أنني كنت محظوظة مع كل رجال حياتي، تمتعت بقدر طيب من المساواة ولم أنخرط في صراع الأجناس. خذوهم بالتي هي أحسن. وأقول «أجناس» لأننا نعيش في عصر الخروج من ثنائية الجنسين وانبثاق هويات جندرية جديدة. إن قضية المرأة لم تكن شديدة الإلحاح خلال الفترة التي نشأت وقريناتي فيها، فالدراسة منتشرة والطالبات يأتين من كل المحافظات للدراسة في معاهد وكليات بغداد، الكل سافرات في الصفوف، والعباءة تُترك عند بوابة الجامعة، كما أن عمل المرأة مطلوب ومحبذ، وتعدد الزوجات نادر، والنساء في كل الوظائف والمراكز.

لم يكن القهر جنسياً بل سياسي، والتسلط والنزاعات الحزبية هي التي تسمم الحياة، ولم تكن المرأة بعيدة عن تلك الصراعات وقد خاضت في العمل الحزبي ونالت نصيبها، سواء أكان مغانم أو سجوناً. لكن ذاك زمن آخر. والمشكلة اليوم ليست في الرجل بل في الانغلاق الطائفي، أي ريح الخماسين التي تجرف مجتمعاتنا وتوقع في شباكها النساء والرجال.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. محمد صاحب الحلي

    السلام عليكم
    هل من معين احتاج الى وسيلة اتصال مع الروائية انعم كجه جي
    مع فائق الشكر والتقدير

أضف تعليق