«نيسان الأحمر»: دولة الطوائف لا الرعاية / حسام عيتاني

لم يجد لبنانيون كثر ما يفسرون به اليقظة المفاجئة للتحركات النقابية التي تعم الشارع اللبناني غير تراكم القضايا وتأخر تحصيل الحقوق بسبب توقف مجلس النواب عن التشريع منذ بداية الأزمة الحكومية في آذار (مارس) 2013.

فور الإعلان عن استئناف الجلسات التشريعية مطلع نيسان (ابريل) الحالي، تحركت هيئة التنسيق النقابية التي يشكل اساتذة التعليم الرسمي قوتها الضاربة، مطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب التي تبنتها حكومة نجيب ميقاتي قبل فترة وجيزة من استقالتها. تحرك ايضاً مياومو مؤسسة كهرباء لبنان مطالبين بتثبيتهم في ملاك المؤسسة، ومتطوعو الدفاع المدني، حتى ليخيل ان قدرة قادر أحيت النقابات من بين الأموات وأن «نيسان الأحمر» يحمل وعود ثورة اجتماعية تطوي آثام الانقسام الطائفي وموبقاته.

الحال الطبيعي هو ان يطالب كل ذي حق بحقه وسط تصاعد الصعوبات المعيشية والتضخم وتدهور القدرة الشرائية في اقتصاد مأزوم. ولا يوجد ما يحول دون تعليق عدد من الناشطين الآمال على نجاح الحركة المطلبية وقضيتها الاجتماعية في إيجاد صيغة جديدة لوحدة اللبنانيين ترتكز على استعادة الحقوق الضائعة بالتآزر والتكاتف مع قضايا مكافحة العنف الاسري وتعزيز السلم الأهلي. ذلك أن الاحتقان الطائفي الذي عاشه لبنان في الشهور الماضية على نحو دفعه الى حافة حرب اهلية مفتوحة، زيّن لمعارضي الحرب كل مقاربة تبعد عنهم وعن بلدهم كأس الحرب المرّة، بغض النظر عن صدور تلك المقاربة من الوهم او الواقع.

وفي بلد لا سلطة حقيقية فيه خارج منظومة الطوائف والمصارف المتداخلة والمتضافرة، كان بحث أصحاب الحقوق عن مساندة زعمائهم الطائفيين يداني السلوك العفوي بل الغريزي. فبعد إقرار مجلس النواب قانوني تثبيت مياومي الكهرباء ومتطوعي الدفاع المدني، لم يجد هؤلاء ما يمنع رفع صور رئيس مجلس النواب وحركة «أمل» نبيه بري، وأن تصدح اصواتهم بالدعاء له بطول العمر. لا يهم هؤلاء السبب الذي منع الرجل من اقرار هذه المطالب قبل اعوام ولا حقيقة ان انكماش الاقتصاد الكلي وتراجع النمو والتضخم ستأكل مكتسباتهم القليلة قبل ان تدخل الى جيوبهم. المهم ان «الزعيم» وهبهم ما هو لهم، بالاتفاق مع غيره من «الزعماء» ولمصلحة هذا الجمع من البؤساء.

هذه الوقائع التي يود شباب متعبون من محاربة الوحش الطائفي التعويل عليها كرافعة لحراك شعبي مؤسس لوعي وطني جامع، تُذكر في واقع الأمر بسلسلتين من المشكلات. الاولى لبنانية الطابع، تتعلق بالكيفية التي تدير بها القيادات الطائفية – المالية شؤون القطاع العام باعتباره جزءاً من الغنائم والأسلاب التي حازت عليها عند تقاسم الأنفال. المسألة لا تدور حول حسن الادارة بل على القدرة على توظيف كل حركة مهما كانت بسيطة كتثبيت مياوم في ملاك الدولة، في آلية تأبيد الزعامات النافذة. جانب ثان هنا يكمن في ان كل التحركات المطلبية تركزت في القطاع العام الذي يشكل قاعدة شديدة الأهمية لبناء النفوذ وديمومته، وهو نفوذ يتقاسمه زعماء الطوائف كل على طائفته فيحصر الدخول الى جنّة الادارة الرسمية بمن يبدي الولاء.

تبرز هنا المسألة الثانية التي يتشارك فيها لبنان مع غيره من الدول العربية وهي انفصال الدولة عن المجتمع. وكما سبق القول، فالقادة الطائفيون يحتكرون حقوق التوظيف في القطاع العام، ما يمنع موضوعياً نشوء ولاء للدولة عند الموظف يعلو على ولائه لـ «مرجعيته» السياسية التي يلتزم بخدمتها وتلبية احتياجاتها مهما تعارضت هذه مع القوانين والانظمة. من هنا يمكن فهم صمود أعداد هائلة من الموظفين في الادارة فيما تتدنى انتاجية القطاع العام. فهؤلاء يبقون خارج المساءلة القانونية والادارية ما داموا يحظون بتغطية عرّاب الطائفة التي ينتمون اليها. ومن هنا ايضاً يمكن فهم ظواهر عجيبة في الاقتصاد اللبناني مثل تدني واردات الجمارك على رغم ارتفاع الاستيراد واضطرار الخزينة الى دفع خسائر تقدر ببليوني دولار سنوياً لسد عجز مؤسسة الكهرباء التي لم تجد بعد، على رغم الاموال الضخمة التي أنفقت عليها ومرور اكثر من عقدين على نهاية الحرب الاهلية، السبيل لإنتاج الكهرباء طوال ساعات اليوم.

لكن السؤال يطرح نفسه هنا، عن معنى المجتمع اذا كانت الطوائف المتحالفة – المتناحرة، هي السيد الحقيقي لهذه «الدولة». ثمة اتفاق بين الباحثين الاجتماعيين على صعوبة تبني تعريف دقيق للاجتماع اللبناني بسبب الانقسامات الطائفية المكرسة في الدولة والاقتصاد والثقافة. والأقرب الى الواقع ان الدولة الطائفية في لبنان تشبه آلة تصنع نفسها ونظائرها كلما بدا أن الخارجين عليها حققوا هدفاً في مرماها. بهذا المعنى تختلف الدولة اللبنانية عن شبيهاتها العربيات الأبعد عن مجتمعاتها والتي نجحت منذ عقود (بل قرون في حالتي مصر والمغرب) في بناء كيانات مستقلة استقلالاً شبه تام عن مجتمعاتها.
عليه، يكون المجتمع اللبناني تجمع الفئات المهمشة التي لا ترغب في إعلان الولاء لعرّابي الطوائف ولا تجد في الوقت ذاته منفذاً الى تحقيق مصالحها. فتبقى خارج «الدولة» تنتظر تحركاً نقابياً هنا وتجمعاً غير طائفي هناك، لتعلق عليهما آمالاً تعرف هذه الفئات قبل غيرها انها الى الاوهام اقرب، وأن الدولة في لبنان لن تكون أبداً دولة رعاية ما دامت نتاجاً للطوائف ومصالحها.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This