جورج طرابيشي ودوره في التنوير العربي (4)

 

 يمثّل جانب هامّ من إنتاج جورج طرابيشي عنوانًا لما يسفر عنه الجدل الفكريّ بين المختصّين من ثراء وإبداع معرفيّين. هو جدل على درجة كبيرة من الأهمّيّة لأنّه يتعلّق بحقل معرفيّ له وقعٌ خاصّ في ثقافة مجتمع يريد تحقيق حداثة دون الانفصال عن الماضي: إنّه حقل التراث. لقد أخضع لقراءات مختلفة في إطار مشاريع فكريّة، بحثا عن مؤشّرات التحديث والعقلانيّة، وكشفا في الوقت نفسه عن مؤشّرات الجمود وعرقلة التغيير، وهما الركنان المتلازمان في كلّ عمليّة تحديث . وكان جدال طرابيشي مع محمّد عابد الجابري مدخلا من المداخل الهامّة المفضية إلى قراءة التراث، وتحديدا إلى تحليل العقل العربيّ في سبيل تحريره من إساره، إسار الشلل وانعدام الفاعليّة، بل ومناهضة التغيير والتجديد تحت عناوين مختلفة، في صدارتها ادّعاء الالتزام بحقائق “نصّيّة” تمتلك وحدها حقّ توجيه الواقع التاريخيّ والتحكّم فيه. وتحقيق النهضة العربيّة -كما يقول طرابيشي“- مرهون بتحرير العقل من خلال عملية نقد جذرية للتراث” . وإن كان للجابري من فضل عليه فهو إغراؤه بتوجيه الاهتمام إلى دراسة التراث، وجعْلُه يبدع في هذا المجال إبداعا لا يقلّ عمّا قدّمه في سائر المجالات التي استقطبت جهوده البحثيّة. لقد قدّم الجابري قراءةً لنصوص التراث هدفها الكشف عن طبيعة العقل العربي في مستوى الأنظمة الفكريّة التي أنتجها، معتبرا البعض منها سببا في استقالة العقل أو دخوله في مرحلة سبات، والبعض الآخر عنوانا لعقلانيّة مبكّرة هي التي يمكن أن تقود اليوم عمليّة التحديث. إنّه تصوّر إبستمولوجي بالأساس، لكنّه لم يعدم خلفيّات إتنولوجيّة في مستوى “عرب” # “أعاجم” و“مغرب” # “مشرق”، داخل العالم العربيّ الإسلاميّ. هذا التصوّر تحديدا كان محور الجدل بين طرابيشي والجابري: فهل إنّ عوامل تكبيل العقل العربيّ هي عوامل خارجيّة اقتحمت ساحة الثقافة العربيّة الإسلاميّة؟


لم يجد الجابري حسب رأي طرابيشي “من تعليل لظاهرة استقالة العقل في الإسلام سوى الغزو الخارجي – على منوال حصان طروادة- من قبل جحافل اللامعقول من هرمسيّة وغنوصيّة وعرفان ̎مشرقي̎ وسائر تيّارات ̎الموروث القديم̎ التي كانت تشكّل بمجموعها ̎الآخر̎ بالنسبة إلى الإسلام والتي اكتسحت تدريجيّا، وتسلّلا، ساحة العقل العربيّ الإسلاميّ حتّى أخرجته من مداره وأدخلته في ليل الانحطاط الطويل”. إنّه بذلك يسكت عن العوامل الداخليّة التي فعلت فعلها في هذا الأفول، ممتنعا “امتناعا شبه تامّ عن تفكيك آليّات أفول هذا العقل واستقالته، من داخله” . فكانت إضافة هامّة من طرابيشي، لا في الردّ على الجابري -فهذا عابر وظرفيّ- لكن في تفكيك الآليّات التي كبّلت العقل العربيّ انطلاقا من مكوّناته الداخليّة لا بالاقتصار على العوامل الخارجيّة التي ما فتئت منذ القديم تحمل وِزْر تخلّف هذه الثقافة. هذه الإضافة هي كتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، الكتاب الذي بيّن حقيقة الدور الإبستمولوجي والإيديولوجي الذي قامت به مختلف مكوّنات العقل العربيّ من حيث دعمه وتطويره، ومن حيث تكبيله وشلّ فعله المعرفيّ خاصّة.


لهذا الكتاب مركز محوريّ في ما كتبه طرابيشي في قراءته للتراث العربيّ الإسلاميّ. تتقاطع فيه جملة المقاربات والقضايا التي أثارها في مختلف كتبه في هذا المجال: المعجزة أو سبات العقل في الإسلام الذي صدر سنة 2008؛ ونقد نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة الصادرة بين 1996- 2004، وهي تباعا: ج1 نظرية العقل العربي- ج2 إشكاليات العقل العربي – ج3 وحدة العقل العربي- ج4 العقل المستقيل في الإسلام؛ وكتاب مذبحة التراث في الثقافة العربيّة المعاصرة الذي أعيد طبعه سنة 2006؛ وغير هذه ممّا كتب وأدلى بتصريحات، حول قراءة التراث.


ولا بدّ من الإقرار بدءا بأهمّيّة هذا العمل من حيث أنّه همّ عددا كبيرا من نصوص التراث، ولم يكن العدد مانعا له من أن يكون استقصائيّا دقيقا، بعيدا عن الانتقائيّة وتشظية النصوص لتحميلها دلالات مسبقة، ومسقطة.


ثمّ لا بدّ من الإقرار ثانيا بأنّه وضعنا في مواجهة مع إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل، خاصّة في التعامل مع التراث، هذا التراث الذي حوّله الفكر العربي منذ عصر النهضة إلى اليوم، إلى ركام معرفيّ متداخل فاقد لتاريخيّته المبيّنة لحدوده المعرفيّة، ولخصوصيّاته الإبستمولوجيّة التي تمايز بين مكوّناته. فقد راح كلّ مشروع فكريّ ينتقي منه ما ينسجم مع خطّته الفكريّة ومع خلفيّته الإيديولوجيّة، وبُنيت صروح قد يكون الصرح الواحد منها منسجمَ المكوّنات متماسكَ البنية الاستدلاليّة إذا نظرنا إليه من داخله أي في حدود ما يقدّمه من معطيات موجَّهة ومؤوَّلة، بينما وبمجرّد تغيير زاوية النظر إليه من خارجه، في علاقته بنصوصه المرجع، ينهار الصرح -أو بعضه- تبعا لاستحضار المعطيات والمقاطع النصّيّة المغيّبة -غالبا عن عمد وليس عن جهل- أو المحمولة على معان ليست قادرة على إنتاجها. ولهذه العمليّة في القراءة عموما -وفي قراءة التراث خصوصا- خطورة في أكثر من مستوى: الأوّل هو وقوعها في سوء الفهم mécompréhension، والثاني وقوعها في التعميم extrapolation، وفي كلتا الحالتين يظلّ التراث بكلّ ثقله المعنويّ، عصيّا عن التفكيك والتشريح تحت غطاء أنّ ما توصّل إليه هذا المشروع أو ذاك يعفينا من مهمّة إعادة النظر. فيظلّ -بمفاهيمه وآليّات تفكيره- فاعلا في العقل العربيّ المعاصر موجّها لاختياراته وتصوّراته، موغلا في إرباكه وإبعاده عن شروط التحديث الفكريّ وما يقتضيه من شروط النقد المنتج.


ومن المعلوم أنّ مفهوم التحديث نفسه لا يمكن أن يُطرح بمعزل عن التراث ، لذلك لا مناص من تشريح نصوص هذا التراث لتبيّن المعرفيّ العقليّ الإنساني المنفتح فيها، وكشف الإيديولوجيّ السلطويّ المحدود بحدود الأطراف التي يخدمها.
لقد شرّح طرابيشي التراث الدينيّ، وكشف عن آليّات تحوّل البشريّ فيه إلى إلهيّ، أو لنقل إلى استغلال البشريّ لسلطة المقدّس حتّى يحقّق أهدافا سلطويّة، بكلّ ما تحيل عليه السلطة من إغراءات الوصاية على الآخر والفوز بشرف تلقينه، والتحكّم في مصيره. 
منذ بداية الكتاب وخلال مختلف فصوله يقودك طرابيشي في رحلة فكريّة تحليليّة نقديّة ممتعة ومقنعة إلى حدّ كبير، ويوقفك على جُزُرٍ دلاليّة مهجورة ومنسيّة ومقصاة من القراءات المتداولة لنصوص التراث. هي دلالات تكشف عن طبيعة الأنظمة الفكريّة التي كانت تعمل على تشريع سلطة بشريّة بنسبتها إلى الله، وعلى منافاة العقل، وإلغاء الحقّ في الاختلاف.
 فما هي الآليّات التي شلّت الفعل المعرفيّ للعقل العربيّ وفق ما جاء في هذا الكتاب؟ إنّها ثلاث آليّات: آليّة تغييب القرآن، وخلق مصدر مقدّس آخر؛ وآليّة تغييب العقل؛ وآليّة احتكار الحقيقة.


1. آليّة تغييب القرآن
ظهرت هذه الآليّة في تحليل بنية الخطاب الذي عمل على توظيف المقدّس عبر خلق مصدر تشريعيّ مواز للقرآن، وهو الحديث. فقد أثبت طرابيشي من خلال الاستقراء الدقيق لمختلف النصوص أنّ وظيفة الرسول هي البلاغ، وليس التشريع. لكنّ أصحاب الحديث كان لهم رأيٌ آخر، أو لنقل فعلٌ آخر، فقد صاغوا مدوّنة حديثيّة ما فتئت تتضخّم عبر الزمن، ونسبوا إليها نفس الوظيفة التشريعيّة، جاعلين الرسول يتجاوز وظيفة البلاغ إلى وظيفة سنّ الشرائع، ولا يعدو عملهم هذا أن يكون إكسابا لخطابهم سلطة تضاهي سلطة الوحي. الأمر الذي مكّنهم من القيام بدور ثقافيّ واجتماعيّ -بل وسياسيّ- خطير، عبر الهيمنة على ضمائر العامّة الجاهلة الواقعة تحت سلطة المقدّس، والفاقدة لأدني الشروط المعرفيّة الباعثة على التساؤل في مشروعيّة هذه السلطة. فالتشريع الذي قُرن بمصدر إلهيّ، جمّد التاريخ، بل أخرج العرب من التاريخ . وهو الذي مثّل العقل النصّيّ الذي عرّفه طرابيشي كما يلي: “هو العقل الذي يقدّم تعقّل النصوص على تعقّل الواقع، أو يرهن الثاني بالأوّل” . لكن داخل هذا العقل والمنظومة المترجمة عنه، لم يقع طرابيشي في التعميم، بل كشف عن تمايزات داخله معتبرا أنّ هامش حرّيّة النظر العقليّ الموجود في مذهب لم يُفهم الفهم الدقيق -وهو المذهب المالكي- هو أهمّ من بقيّة المذاهب، مستدلاّ على ذلك بنماذج: مِثل عدم الحسم في تعارض الحديث، وهو ما سيقوم به لاحقا العقل التخريجيّ –حسب اصطلاح الأستاذ- ومِثل ردّ المأثور عن بعض الصحابة والإفتاء بخلافه، أو ردّ أحاديث مأثورة عن الرسول والحكم بغير حكمها ، أو إيلاء الاعتبار التشريعيّ لعمل أهل المدينة، أو الافتراض الفقهيّ “أرأيت لو”، أو الاستحسان أو المصالح المرسلة . ويستنتج خلافا للرأي السائد أنّ رائد مدرسة الرأي هو مالك وليس أبا حنيفة . وخلافا للشافعي الذي اعتبر النصّ المؤسّس ثنائيّا: قرآن وسنّة، اعتبر مالك هذا النصّ رباعيّ الأقطاب: الكتاب والسنّة وقول الصحابة والتابعين، وعمل أهل المدينة . فمرجعيّة مالك في مستوى السنّة، نبويّة صحابيّة تابعيّة، بينما هي عند الشافعي نبويّة خالصة. وهو ما يفضي إلى إتاحة هامش الحريّة في الأولى أكثر من الثانية . ثمّ مع الشافعي ستكتسب السنّة مصدرها الإلهيّ . ونجد في هذا الفصل تفكيكا لخطاب الشافعي يسفر عن الاستراتيجيا الخِطابيّة التي نجحت في الإيهام –في نهاية الأمر- بأنّ السنّة ذات مصدر إلهيّ.


2. آليّة تغييب العقل
 تجلّت هذه الآليّة خاصّة في ما سمّاه طرابيشي “بوثنيّة النصّ” مع ابن حزم الظاهري . إنّه كما قال: “هو الذي أشاد بالعقل، وهو الذي ألغاه”. وأهمّ ما في هذا المبحث هو الكشف عن القراءة التجزيئيّة للنصوص، التي تقف عند مقاطع منه لتحمّلها بعد ذلك ما ترغب الذات القارئة في إثباته من الدلالات والاختيارات الفكريّة. لا عقلَ عند ابن حزم إلاّ ما خدم النصّ، وليس للعقل الحقّ حتّى في مجرّد عمليّة القياس ، والواقع –واقع المسلمين على الأقلّ- عليه ألاّ يتغيّر حتّى يبقى وفيّا ومتطابقا مع التشريع المكتمل والنهائيّ الذي انزله الله . ثمّ لا حسنَ ولا قبحَ إلاّ ما علّمنا الله . وما دور العقل إلاّ الوقوف على الأحكام الموجودة بالضرورة في النصّ.
لذلك يظلّ العقل عند أصحاب الحديث عقلا تخريجيّا. والتخريج هو طلب المخرج، وهو “التحايل اللفظيّ ليخرج اللفظ عن المعنى الظاهر إلى معنى آخر، وحلّ التناقض في الحديث وما ينافي العقل منه، والغلط والنقص في الأحاديث” . وتعدّدت آليّات التخريج، وهي آليّات يصوغها الأستاذ طرابيشي في جهاز اصطلاحيّ دقيق تتمايز فيه المفاهيم رغم تقاربها الدلاليّ الكبير. وتتمثّل في ما يلي:


 المخرج التوهيمي، وقد مثّله ابن سلامة الطحاوي في كتابه “بيان مشكل الآثار ، وذلك باعتماده آليّة تأويل المتناقض من الأحاديث إلى درجة يصل فيها إلى ضرب من”التوهيم والتمويه“حسب عبارة الأستاذ طرابيشي ، فهو يفتعل الانسجام بينها ولا انسجام في الحقيقة. 
 المخرج النسخيّ، ومثّله ابن شاهين في كتابه”الناسخ والمنسوخ من الحديث“. وهو مخرج يراهن على آليّة النسخ لحلّ التعارض بين نصوص الحديث.
 المخرج الترجيحي، ومثّله ابن موسى الحازمي في كتابه”الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار“. وهو اعتماد التأويل”للجمع بين ما لا يقبل الجمع في ظاهره من متناقض الأحاديث“، وذلك قبل اللجوء آليّا إلى مسألة النسخ.
 المخرج التعادلي، ومثّله عبد الوهّاب الشعراني في كتابه”الميزان“. وهو”ضرب من الموازنة بين النصّين المتناقضين، بحيث يحتلّ كلّ منهما مكانه في إحدى دفّتي الميزان، وبحيث ينتفي التناقض بينهما ليتحوّل إلى محض اختلاف في الدرجة“.
كلّ هذه الخطابات حاولت تبرير النشاز الحاصل في مدوّنة الحديث ، بدءا من القرن الثالث للهجرة وصولا إلى القرن العاشر. وهي محاولات لا تعدو في الحقيقة تبرير السمات التي تعتري نصّا صاغته الذاكرة البشريّة بكلّ ما تحيل عليه من عوارض التاريخيّة. وبذلك، وعن طريق هذه المدوّنة، أصبح”الرسول مشرّعا له“، ولكن بشريّا لا إلهيّا هذه المرّة، كما قال طرابيشي.
 
3. الآليّة الثالثة: القضاء على التعدّديّة واحتكار تمثيل الحقيقة
كان ذلك مع انتصار أصحاب الحديث مع المتوكّل. وفي هذا المبحث، يقف طرابيشي وقوفا مدقّقا عند محنة خلق القرآن، معتبرا أنّها في جوهرها صراع على التحكّم في العامّة بين السلطة السياسيّة والسلطة الدينيّة سلطة أصحاب الحديث . ويكشف عبر توثيق يدعو إلى الإعجاب عن الدور الذي قام به مخيال أصحاب الحديث في تحويل ابن حنبل إلى بطل شبه أسطوريّ قاوم الزيغ والضلال.
وجاءت كتابات أصحاب الحديث من الخطيب البغدادي الذي تضخّمت معه مكوّنات المنظومة الحديثيّة، إلى كتّاب الموضوعات في الحديث، من قبيل الجوزقاني وابن الجوزي، لتكمل الدائرة في تهذيب المنظومة والإيهام بخلوّها من الشوائب وصحّتها المطلقة، الأمر الذي أهّلها لأن تقدّم نفسها في صلف إيديولوجيّ على أنّها الحقيقة وأنّ أصحابها أولى الجميع بقيادة المجتمع وبشرف تلقينه معرفة لا جدال في تطابقها مع علم الله.
ويستنتج طرابيشي بعد هذه الرحلة البحثيّة الشاقّة والممتعة أنّ تغييب القرآن، وتغييب العقل، والقضاء على التعدّديّة في الإيديولوجيا الحديثيّة المنتصرة، هي الآليّات الخاصّة بالعقل العربيّ والمسؤولة عن أفول العقلانيّة العربيّة الإسلاميّة ، وليست العوامل الخارجيّة التي –وبالتركيز عليها- استجابت لغرور العقل العربيّ ونرجسيّته في تنصّله من وزر التخلّف محمّلا إيّاه للآخر المنافس. وأقرّ طرابيشي في عمق معرفيّ يلتقي مع مدرسة الحوليّات الفرنسيّة بأنّ للعامل العقليّ دورا كبيرا في فهم المجتمع وتحوّلاته.
هكذا يكون مشروع طرابيشي في قراءة التراث مشروعا في”إعادة القراءة وإعادة الحفر وإعادة التأسيس“كما قال . وهذا ما يحتاج إليه تحرير العقل العربيّ من كلّ القيود التي كبّلته منذ القديم ولا تزال، حائلة دون انطلاقه في فضاء معرفيّ إبداعيّ ينتج حقائقه المقنعة بعيدا عن أيّة سلطة خارجة عنه.

إنّ مشروعا جدّيّا في قراءة التراث كهذا المشروع، بقدر ما يكسب القارئ إلى صفّه في جوانب عديدة منه، يدعوه أيضا إلى طرح بعض الأسئلة حول مقاربات وقضايا ظلّت في حاجة إلى مزيد الإيضاح. وسنقف فيما يلي عند نماذج منها:
• لم يكن اعتبار طرابيشي لمالك قائدا لمدرسة الرأي بدل أبي حنيفة مقنعا بالدرجة التي أقنع بها في سائر القضايا. فما رأى فيه الأستاذ هامشا من الحريّة في النظر العقليّ، لا يعدو أن يكون درجة قصوى من إعطاء البشريّ الحافّ بتجربة المقدّس -ونعنى خاصّة عمل أهل المدينة- حجّيّة تشريعيّة مماثلة للنصّ المقدّس؟ هذا فضلا عن تحويل هذه المدرسة للفرع الاجتهاديّ إلى أصل ملزم يجب القياس عليه ، أليس في هذا درجة متقدّمة من الانغلاق على الماضي ومنع الخروج عليه، مع مدّ حدود المقدّس لتشمل اجتهادات الفقهاء المالكيّة خاصّة؟

 

• نفى طرابيشي دور العقل المستقلّ لدى أبي حنيفة ولدى كلّ التيّارات الاعتزاليّة والفلسفيّة . ألم يقع بذلك في ضرب من الإسقاط الإبستمولوجي المعاصر؟ لأنّ هذه التيّارات وفّرت حدّا ذا بال من استقلاليّة الفعل المعرفي مكّنها من تحقيق نتائج محترمة بالنظر إلى نسبة تطوّر الفكر البشريّ عصرئذ. وهي ربّما لهذا السبب وجدت معارضة عنيفة من قبل رعاة سلطة النصّ أو”العقل التابع“كما سمّاه الأستاذ.


• لمَ نقد الأستاذ رؤيةَ ابن حزم مبيّنا عدم فهم الجابري لها وخطأَ إدراجها في النظام العقليّ المغربيّ، وسكت عمّن هو مناظر له، بل أخطر منه في تقنين ثوابت العقل النصيّ عبر سحبها على مجال العمران وهو ابن خلدون : أليس عمل ابن خلدون آليّة رابعة تسبّبت في شلّ العقل العربيّ وهي آليّة التقنين العمراني المعياريّ، وفق معايير العقل النصّيّ ؟
• اعتبر طرابيشي أنّ محنة خلق القرآن سببها إصرار المأمون وخليفتيه على سياسة أنّ الرعيّة على دين ملوكها وهو الشعار الذي حرّر الناس من التبعيّة للمؤسّسة الدينيّة وبشّر بالحداثة، خلافا للمتوكّل الذي لان للرعيّة وماشاها في دينها، تاركا سلطة التحكّم فيها وتوجيهها لأصحاب الحديث. والإشكال هنا: كيف يمكن أن يكون المأمون ومن معه من علماء الكلام يراهنون على كسب الرعيّة والتحكّم فيها من ناحية، ويأتون ما يثيرها من ناحية ثانية، وهو إعمال العقل في ما هو مقدّس؟ أليس من الأنسب هنا تغيير زاوية النظر إلى محنة خلق القرآن، من اتّخاذ المأمون للمبادرة في فرض المقولة -وهو التصوّر الرسميّ السائد- إلى اتّخاذ أصحاب الحديث أنفسهم للمبادرة مبتدئين بنزع الشرعيّة عن حكم المأمون المتسامح، ومن ثمّة جرّه إلى أزمة كانت الدولة في غنى عنها؟ 


• قام طرابيشي في كامل العمل تقريبا بتدقيق اصطلاحيّ ومفاهيميّ على غاية من النجاعة التحليليّة، لكنّه لم يقم بهذا الأمر مع مصطلح”علم الكلام“ومفهومه؟ فقد تعامل معه على أنّه ذو دلالة واحدة، وهي أنّه يستعمل العقل”بدرجة أعلى ولو بغرض الدفاع عن الدين والردّ على أهل البدع“، وهو بذلك يعيد إنتاج المفهوم المتأخّر لعلم الكلام، والمغيّر جوهريّا لمفهومه الأوّل مع المعتزلة الأوائل، ويتمثّل في ما أسّسه الأشعريّ وكامل المنظومة السنّيّة من بعده. بينما قبل ذلك، ومع أوائل المعتزلة، كان هذا العلم يعني إنتاج معرفة مستقلّة مقنعة، ليست غايتها الدفاع عن ثوابت نصّيّة مسبقة. ومن مكوّنات هذا المفهوم قول النظّام:”العلم شيءٌ لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك، فإذا أعطيته كلّك فأنت من إعطائه لك البعض على خطر“.
إنّ هذه الأسئلة والملاحظات، لا تهدف إلى أن تجادل الكتاب، ولا صاحب الكتاب، فنحن نتّفق معه في الخطوط الكبرى لهذه القراءة النقديّة التي تعمل جدّيّا على تحرير العقل العربيّ من الأطر المعرفيّة المحنّطة التي حاصرته وتحكّمت في إنتاجه للمعرفة عبر التاريخ، لكنّها أسئلة تهدف إلى التعبير عمّا يمكن أن يثيره هذا الكتاب في قارئ ينتظر منه أن يكون تداركا واسعا لمآزق القراءات التي طمحت إلى الشموليّة، فأصابت بقدر ما أشوت.

وبعد..
لا جدال في أنّ ما توصّل إليه الأستاذ طرابيشي في هذا الكتاب من تمييز بين”إسلام القرآن“و”إسلام الحديث” خطوة أساسيّة، لكنّها تظلّ غيرَ كافية وتنتظر إنجاز خطوة موالية، هي تحرير البعد التأويلي في إسلام القرآن، لأنّه بدوره خاضع لعدّة تأويلات، لا يقلّ البعض منها خطورة عن إسلام الحديث، في عقل العقل العربيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق