فلسطين .. المحن المستأنفة

تمر القضية الفلسطينية بأحلك أيامها، تمر بفترة عصيبة، وحيدة منبوذة كأن لم تحرك بالأمس جماهير، وتلهب حماس المحيط والخليج. وها هي ذي منذورة للعاصفة، ومكر التاريخ، ملقاة على طوار الإهمال والنسيان، ظهرها عار، من دون سند وَوَاقٍ، وجهها يَصْلَى نارا، ونكرانا وجحودا من ذوي القربى. وحيدة تخوض الحوار تلو الحوار مع إسرائيل عبر وساطة أمريكا، وساطة جون كيري. وهو حوار غير متكافيء البتة لا من حيث كفاءة المحاور أو عدم كفاءته، ولا من حيث قدرته على المناورة، وتحريك مستطيلات الدومينو في الوقت المواتي، والانعطافة الاختراقية الضاربة، بل من حيث التشرذم الفلسطيني، والانقسام الإخواني، والتباغض الفصائلي، والإشاحة العربية. 

وليس من شك في أن المسئول الأول عن انطفاء جذوة القضية، وانحسار الاهتمام بها عربيا ودوليا، وانكماش متابعتها أولا بأول، سياسيا وديبلوماسيا، وإعلاميا، وثقافيا، وشعبيا، هو حركة حماس، وحركة ما يسمى ب “الجهاد الإسلامي”. إذ أن شد الحبل بين الفصيلين، والتوجهين، بين منظمة التحرير المنعوتة بالعلمانية، و“حماس” الموصوفة بالإخوانية الأصولية : (وقد برز ذلك للعيان بكل سفور مؤخرا) كان وراء ما حدث ويحدث للقضية الفلسطينية. فَبِسَبَب تديين القضية، وأسلمة الملف، وعدم الاعتراف بإسرائيل، وسبب مطالب حماس والمحسوبين عليها، السائرين في ركابها، بكل فلسطين، لا بالأراضي المحتلة العام 1967، وبالقدس كاملة عاصمة لفلسطين، بسبب هذا التصلب الإسلاموي اللاواقعي، غامت القضية الفلسطينية، ولم تعد مطروحة بالحدة المعروفة، والجـدية “الوجودية” كما كان الأمر في السابق. وسبب هذا التعنت المتورم، والمزايدة السياسوية العقيمة، تضاءلت القضية الفلسطينية، وانسحبت من الاهتمام العربي والإسلامي والدولي، ثم انطمس ذكرها في غمرة ما يعرف العالم العربي من هزات، وخَضَّات وقلاقل، وما يعرف باقي العالم من مشاكل داخلية عنوانها الأزمات المالية والاقتصادية، والتوترات الإقليمية، وعودة “الحرب الباردة” بشكل أو بآخر.

في مقال لي سابق كتبت أن فلسطين قد وُضٍعتْ على الرف حيث الغبار والنسيان والإهمال مآلا، وواقعا ونتيجة. وأكاد من فرط اليأس أن أقول إن حال فلسطين حال تبعث على الرثاء والبكاء، حال الأيتام في مأدبة اللئام، حال المتروك للمصير الرهيب المنذور للخوف، والتوجس، والمجهول، وهو عين ما تعيشه القضية وتعانيه: عقم في المفاوضات، ومراوحة في المكان، ومعاودة للمثار من أسئلة قلقة مصيرية قبل اليوم، رَحىً تزدرد المشاكل والأسئلة ثم تدور فإذا الحصيلة نثار وفتات، ثم تعود للدوران، وهكذا. تحقق لفلسطين عقب أوفاق أوسلو، شيء من حياة، وومض من أمل، وتقارب نسبي في وجهات النظر الإسرائيلية والفلسطينية التي انصبت على رسم ملامح الدولتين المتجاورتين المتعايشتين ضمن قوميتين، وثقافيتين وحضارتين تتكاملان بقوة الأشياء، وبحكم الزمان، والتاريخ المشترك. لم تكن حماس قد ظهرت على التـل، ولاَحَتْ حَرَكَةً طفقت تَسْتَشْرِسُ، وتتضخم، وتحصد الأصوات الانتخابية بفضل صلافة لسانها، و“فصاحة” قادتها الذين ينشئون الكلام البليغ، والأسلوب البديع، والخطابة اللاهبة المطرزة بالدين والشهادة، والجنة، والحور العين. كان ظهورها إلى جانب تنظيمات دينية صغيرة ملحقة ورافدة، هو ما قصم ظهر البعير، وأعاد الحوار والمفاوضات إلى نقطة الصفر، إذ المطالب أضحت معها، مطالب تعجيزية لا قِبَلَ للمفاوضات بها، ذلك أن المفاوضات كر وفر، إقبال وإدبار، إعلاء وإنزال، قبول ومناورة، تصلب وتنازل وفق السياق والمحيط، وبحسبان تِرْمُومِتْرْ الأحداث والوقائع، وميزان القوى السياسي والديبلوماسي، وموقعك على الأرض. هذه بدهيات – لا أقول غابت عن قادة ومناضلي حماس، وفيهم من له باع طويل في المعترك النضالي والسياسي، والثقافي – عَمِيَ عنها نظرهم، وانصرفوا إلى ما هو أبعد: أن نأخذ كل شيء أو ننخرط في الجهاد والقتال حتى تحرير فلسطين كل فلسطين. والحال ان واقع الأمم تبدل، وواقع العرب تحول إلى ما نعرف الآن، ووضعية حماس القانونية والإدارية، موضع طعن وسؤال.
فهي، بحسب السلطة الفلسطينية الشرعية، حكومة مُقَالة، وهي من أوقع السوء بأهل غَزَّةَ، وساكنة غزة. فالجوع والعطش، وقلة ذات اليد التي يعيشها الغزيون، تسبب لهم فيها قادة حماس الجهاديون الذين يركبون الدين ذريعة للجهاد، ويوهمون الناس بأن الدين مفتاح النصر، ومدخل أساس إلى العودة الفلسطينية الشاملة إلى فلسطين، كل فلسطين. وها هي فلسطين تضيع، تتذرر، يغمرها النسيان كما تغمر الكثبان جَمَلاً نفق في هاجرة الصحراء. وها هم العرب يَنْفُضون اليد من القضية، كما نفضوها من قبل، فكأنهم كانوا ينتظرون تَعِلّةً لينسحبوا إلى دواخلهم، وسياجاتهم، وينكفئوا لمُداواة جراح أوطانهم، أو يفقأوا عيون من يُحدق مليًا في تكالبهم، واستبدادهم وفسادهم.

لم يعد مطروحا الآن على فلسطين – والظرفية السياسية العامة على ما هي عليه- التداول في شأن الدولة الكونفدرالية على الطريقة السويسرية أو على الطريقة الألمانية، ولا في شأن الدولتين المتجاورتين بعد الاتفاق النهائي على الأراضي والفدادين والمناطق والأشبار، إذ كيف يستقيم لها الآن، الخوض في هذا، وقد خاضت فيه قَبْلاً – والمحنة الأجد هي ما يتصل بالاعتراف بيهودية دولة إسرائيل؟. بهذا السؤال الوجودي الخطير يَنْقَفِلُ الحوار، إذا أريد للتاريخ الفلسطيني أن يستمر، وللكينونة الفلسطينية أن تبقى ضمن الحيز الترابي الذي تقيم عليه سلطتها. ذلك أن الاعتراف الفلسطيني بيهودية إسرائيل كدولة وكيان، سيكون قاصما، ويكون بداية نهاية الوجود العربي، فيما سيصبح بداية تأسيس مستأنف موثق بالقوانين الدولية، والمعايير الحقوقية لفائدة إسرائيل. هي ذي المصيدة الخفية الواضحة، الباطنة الظاهرة التي ينصبها “نَتَنْيَاهُو” للسلطة الفلسطينية، مستعينا بأمريكا ممثلة في وزير خارجيتها “جون كيري”، ومُستقويا بالعزلة الفلسطينية المتروكة لحالها، والاقتتال السوري، والاحتراب الأهلي الذي أضفت عليه القاعدة، و“الجهاديون”، صورة الموت الزؤام، والخراب العام الذي يتهدد سوريا العمران سوريا الحضارة، بالمحو التام. 

مصائب سوريا، والعراق، واليمن، ومصر، وتوجسات الأردن ومحاذيره، ومنازعات الخليج، وطغيان إيران، ساهم في الاستقواء إياه، والعجرفة الإسرائيلية، كما أعطى للولايات المتحدة الأمريكية، على ترددها، وبؤس سياستها وديبلوماسيتها- الحق في الانفراد بالقضية الفلسطينية لجهة تغليب الكفة الإسرائيلية على الكفة الفلسطينية. إن الاعتراف بيهودية الدولة، تشطيب فوري ومبدئي على أكثر من ستين سنة مرت في النضال، ومقاومة العدو الإسرائيلي، واستهتار بأرواح آلاف الشهداء والشهيدات الذين سقوا بِدِمَاهم ثرى فلسطين من أجل أن تكون للأحياء منهم فلسطين، على الأقل، جزء من فلسطين. ومعناه، من جهة أخرى- طي فكرة الدولتين بما يفيد أن نبشها سيكون صلفا وعبثا لا طائل من ورائه، إذ ما جدوى المطالبة بإقامة دولتين في ظل دولة تجر وراءها تاريخا موغلا ومديدا في اليهودية؟ وما جدوى إثارة ملف عودة اللاجئين الفلسطينيين من الشتات، إلى دولة ليست لهم، هي الدولة اليهودية؟، نعم للسياحة والاستجمام الفلسطينيين، لا للإقامة، والعودة إلى الديار.

لهذا قلت إن فلسطين تعيش محنا، وتستأنف العيش مع محن تتربص بها، وينسجها العدو بكل مكر وخديعة، مفوتا على الشعب الفلسطيني عدة قضايا ذات أولوية، طرحت من قبل، وأشبعت نقاشات، واحتدادات، ومفاوضات، حتى ارتسم بعض من بصيص، وَانْوَشَمَ خيط أمل، واتفاق ووفاق في الأفق.

نعم، تجري مفاوضات موازية بخصوص الأغوار، أغوار الأردن، وغزة، والضفة الغربية، ونهر الأردن، والقدس الشرقية كعاصمة لفلسطين، وملف العودة، وملف الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون إسرائيل وهلم جرا. غير أن الإرباك العام مُتَأَتٍّ من خطورة الفكرة التي سردناها قبل قليل، وهي إصرار الطرف الإسرائيلي على وجوب اعتراف السلطة الفلسطينية بيهودية دولة إسرائيل.

والأدهى، أن الولايات المتحدة الأمريكية تساندها في المطلب المصيري الخطير هذا. أقول مطلبا مصيريا، وأعني موقفا حياتيا، وجوديا للشعب الفلسطيني. هل ينبغي التذكير بأن المعركة الفلسطينية / الإسرائيلية، هي معركة وجودية بالأساس، معركة تاريخية وثقافية وجغرافية، وانتسابية، معركة بين الجذر العبري اليهودي، والجذر الكنعاني المتحدر من المنبت العربي السحيق؟ ومن ثم، فلا مجال للمساومة في هذا الأمر، لا مجال للتردد والتفكر، إذ المسألة حَازِبَةٌ وحَازِمة، وذات أبعاد أنطولوجية، ومعركة موت أو حياة.

لا قدرة للفلسطينين على حسم الأمر في غياب الحسم العربي، في غياب التكتل والموقف العربيين. فالدول العربية سندٌ لفلسطين في هذا الأمر، بما لا جدال فيه. وما تسريع المفاوضات، وتسقيف زمنها في تسعة أشهر، سوى استراتيجية أخذ السلطة الفلسطينية على حين غرة، أخذها وهي ضعيفة مهزولة لدواع اجتماعية وسياسية يمر بها جل العالم العربي. فمصر منكفئة على جراحها، على داخلها، تستعد للانتخاب الرئاسي، وتقف مجابهة لما تسميه إرهاب الإخوان بغية استئصال شأفته. وحماس أغلقت كوة الأمل المصرية على القضية الفلسطينية، نظرا لفظاظة طروحاتها، وسوريالية مساعيها، وخصومتها السافرة مع مصر، وتورطها في كثير من الوقائع الغريبة التي تقع لمصر. 

أما سوريا “الممانعة” فهي تنهار يوما عن يوم، لعناد رئيسها الملفوظ شعبيا ووجدانيا وميدانيا، وجرائم مقاتليها الإسلاميين. بينما الأردن يراقب عن كثب، يتحسس أطرافه ورأسه، يغمض عينا فيما الأخرى مفتوحة على التوجس والخوف حذر الخطر الكامن في المنعطف . 
فماذا بقي من ظَهْرٍ لفلسطين كان يحميها –نسبيا- وتحتمي به على كل حال. لقد تحلل العرب والمسلمون من القضية الفلسطينية لأسباب ودواع مستجدة –كما أسلفت، فهل يعني هذا أن على فلسطين أن تبيع فلسطين؟ وأين نضع عمرا من النضال، والمقاومة، والحجارة، والمفاوضات، والشقاء، والطرد، والكر، والفر؟

هل تدير السلطة الفلسطينية الظهر لكل تلك المكاسب المُعَمَّدة بالدموع والدماء؟، هل تتخلى عن بني جلدتها في المهاجر، والشتات، وجهات الدنيا؟، هل تمحو ثقافة وحضارة، وخصوصيات فلسطينية بجرة قلم، بتوقيع سريع، خفيف فيه إقبار لتاريخ، وطمر لنضال، وإنهاء لحضارة ومجد؟

ما العمل –إذًا- وواقع الحال هو واقع الحال. ما يعني أن فلسطين وحيدة في المعركة السياسية والديبلوماسية، والعرب طُرًّا، غارقون في حمأة الهدم، نعم الهدم، لا البناء. هدم في مصر، وهدم في سوريا، وهدم في اليمن، وهدم في تونس، وهدم في ليبيا، والبقية تأتي .. فما ليس هدما بَيِّنًا في باقي الدول العربية، فهو هدم داخلي يخص كل دولة دولة، هدم معنوي، هدم مؤسساتي، واجتماعي واقتصادي وثقافي.
ما العمل إذًا أمام هكذا صورة قاتمة، وواقع أسود؟
هل نستعين بجواب “لِينينْ”، أم بجواب “ماوتْسيتُونْغ” أم بجواب كليهما؟، كلا، فالجواب ينبغي أن يكون فلسطينيا أو لا يكون. وهو ليس غير الإصرار على الحل الذي يكمن في إقامة دولتين ديموقراطيتين، واحدة فلسطينية، والأخرى إسرائيلية من دون أن تكون قسمة الدولة الفلسطينية قسمة ضيزى، أي من دون أن تكون منزوعة الخيرات من ماء وتراب وشجر، وساحل، وعمران، وقدس، ومعالم أثرية تاريخية عربية مسيحية، وعربية إسلامية.

إشـارات :
1- وماذا تفعل الجامعة العربية؟ أليس لها دور ورأي فيما يجري من مفاوضات مضنية وعسيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟. وَلِمَ تسمى الجامعة العربية إذا لم تبلور موقفا مما يجري يعكس إجماعا عربيا أو في الأقل، رأيا أغلبيا يعزز ويعضد الطرف الفلسطيني الذي يواجه الهاوية، والتحجيم الكينوني والمجالي وهو ما تتغياه إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية.
2- أراهن أن خطورة الاعتراف بيهودية الدولة، لم تحضر ضمن أجندة القادة و“الزعماء” العرب في اجتماعهم الأخير بالكويت، كأن الشنآن والنزاع الخليجي، وأمن مجلس التعاون، والسعار السوري النظامي والإخواني الدموي معا، والإرهاب المتنامي، يعلو على الوجود الفلسطيني !.
3- الآن –فقط- فهمت لماذا أصرت قناة الجزيرة القطرية على كشف أسرار وكواليس المفاوضات الإسرائيلية –الفلسطينية السابقة التي أدارها كبار المفاوضين المحسوبين على منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية، إذ كان واضحا أن قناة “الجزيرة” إخوانية حتى العظم، و“حماسية” إلى النخاع، لهذا أصرت على كشف عورة قادة السلطة الفلسطينية و“فتح” وشيطنتهم لتعطي الانطباع بملائكية وتقوى حكومة اسماعيل هنية الإسلامية المُقالة، لولا الزلزال المفاجيء الذي أوقف البث بغتة، أقصد زلزال ليبيا، وابتلع كل خبر ومعلومة وملف.
4- صرح إسماعيل هنية مؤخرا، وقد ركبته الحمية، وهيجته الحماسة الدينية- بمايلي : [نحن قوم نعشق الموت كما يعشق أعداؤنا الحياة].
إنه تصريح يعري حقيقة هذا التنظيم الانتحاري، ويختزل “ببلاغة” فلسفة “حماس” العظيمة. ولا غرو أنه يزج بشعب عظيم يعشق الحياة، في أتون الموت والدمار والاجثثات، قارن بين هذا الكلام الأسود، وكلام محمود درويش المشبع بالحب والأمل والحياة :
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين
نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق