أن تولد في بيروت العام 1977 / سحر مندور

عندما يولد المرء في محيط العام 1977، في بيروت التي كانت لم تعِ بعد وقوعَها في الحرب الأهلية، تكون الثمانينيات دخولاً سفليّاً إلى المجتمع، الولادة الاجتماعية تمّت تسلّلاً. وتأتي في التسعينيات صدمة الهواء متأخرةً، يدخل الهواء بغير موعده إلى رئتي مولودٍ جديد.

في الثمانينيات، لم نكن نعرف من أين أتينا ولا إلى أين نذهب. أطفالٌ، يفهمون. يسمعون الأهل يحكون عن عالمٍ سابقٍ لوجودنا، يبدو كالمتخيّل بالمقارنة السريعة مع الواقع. كلّ عالمٍ كان ليستحيل متخيّلاً، بالمقارنة مع واقعٍ يخلو من ماءٍ وضوءٍ وأمان، صوته رصاصٌ وقذائف، رائحته زبالة متكدّسة، في العاديّ من أيامه وليس الحربيّ منها حتى. فالحربيّ منها لا يخلو من دم على ملابس المدرسة، عويلٌ في الأماكن الباردة الواسعة الوسخة والخطرة تحت الأرض، زجاج متكسّر يصنع سجّاد الدنيا، فجوات أينما حلّت العين، أكياس التراب متاريس أمام كل باب، أكان لشرفةٍ، لعمارةٍ، لمستوصفٍ، دكانٍ، كل شيء ولا شيء آمن. أكياس الرمال والفجوات هي جزء من عاديّ الأيام وليس حربيّها فقط، صراحةً.

في ذاك العالم، لم يكن هناك معنى لذكريات الأهل.

تُرى، كيف عاشوا اغتيال ذكرياتهم، يومياً، أمامهم؟ ناهيك عن الواقع.

بيومٍ واحد

كيف يتشكّل المرء بذاكرةٍ تأسست على قطيعة مع الماضي، وترعرعت فوق رقعة حرب؟

في التسعينيات، استفاقت ذاكرة مواليد أواخر السبعينيات من «المسلّم به» الأول، على ورشة إعمار تفوح منها روائح العفو العام والفلوس والوعود ومزاوجات العراقة والحداثة، أي طمأنة الماضي (أي ماضي؟) عند الالتفات إلى ما بعد الحاضر، فالحاضر ورشة.

الوعود، هذا الفعل الذي أثبت لا جدواه مراراً خلال الثمانينيات، بدا وكأنه قد صار «الواقع» الوحيد المتاح في مستهل التسعينيات. محوره الأساسي هو بطبيعة الحال الغد، المستقبل، وليس الآن. الماضي، لم يحدث شيء فيه يستدعي التتمة. والحاضر، لم يرد كثيرون النظر إليه بعينين صريحتين. لم يريدوا رؤية «النتيجة»، نتيجة الحرب. عند إعلان انتهائها، كيف تنظر إلى ما تريد فوراً نسيانه؟ كيف تنتقل إلى من حربٍ إلى سلمٍ، بيومٍ واحد؟

لم يكن يوماً واحداً، لكنه فعلياً كان كذلك.

كلّ الحرب كانت مفاوضات. وكلّ الحرب كانت مبعوثاً عربياً يسلّم راية اليأس إلى مبعوثٍ دولي، يسعى ويُستدعى، يذهب ويأتي، اسمٌ وراءه اسم. من قال إن هذه المفاوضات الأخيرة كانت هي التي ستعلن نهاية الحرب؟ من كان يتوقّع؟

لم يكن يوماً واحداً، فهناك في آخر الحرب مَن تمرّد على المعادلة، وهناك مَن رفض موقعه منها، وهناك مَن سأل نفسه مثلنا: مَن قال إن هذه المفاوضات هي التي ستنهي الحرب؟ لكنها انتهت بقرار مَن يمكنهم اتخاذ قرار كهذا، ولم يتخذوه على مرّ 15 سنة من عمرنا.

ومنذ إعلان انتهائها، رحنا نعيش التفجير كاستثناء. منذ التفجير الأول الذي تلا إعلانها مباشرةً، وحتى آخر تفجيرٍ شهدناه بالأمس، عشنا فواصل من «الحرب»، كضوءٍ يستيقظ في العين فجأة، كبابٍ عميق يفتح في الحاضر كوّة على الماضي. وما زال الحاضر مشهداً يجب تفاديه من أجل صناعة غدٍ ما.

في التسعينيات، تحرّكنا في المدينة وقد بتنا مراهقيها كمن يختبر قدرة جسمه، وحدود الهواء. مشيٌ كثير، عبورٌ كثير، اعتياد الأمكنة، توقٌ لـ«امتلاك» الأمكنة الخاصة في بيروت. نحن الذين نأكل المعكرونة في هذا المطعم المنسيّ الصغير، دون سواه. نحن الذين نرتاد هذا «المقهى الليلي»، دائماً. نحن الذين نجرّب كل شيء أيضاً، لا نقول لا لتجربة، ونطلب المزيد. كنّا على حافة، منّا من سقط في بحرها، ومنّا من قفز إلى أرض المدينة وسلك درباً من دروبها السالكة، ومنّا من بقي على الحافة، يمشي مدينته يومياً، يمشيها على الحافةِ حياةً، قد يستريح قليلاً على الأرض، قد يستجمّ قليلاً في البحر، لكن قلق الحافة لا يفارقه، يعود إليها.

هذه هي الحياة، إذاً!

بالنسبة إلى مواليد أواخر السبعينيات، الذين ولدوا مع استقرار الحرب الأهلية في بيروت، شهد نصف التسعينيات الأول تدفّق وعي المكان والزمان، وموقعنا فيهما من حياة الكوكب، كما شهد استيقاظ الإمكانيات (إمكانياتٌ كتوفّر الطعام، وابتياع الكتب، وارتياد دار سينما بعيدة لم تُحرق). ما عدنا نعيش الواقع وكأنه غريبٌ عن ذاكرة الأهل، أو مرفوضٌ منها، أو مخيفٌ يحفر إلى أسفل، أو… بات الواقع هو الواقع، واستُبدل الخيال بالوعد. كيف يستفيق السلم في أولاد الحرب هكذا؟ لا بد إنها كانت لحظة اتكاءٍ على شيءٍ من ذاكرة الأهل، كأننا تمسّكنا بنتفٍ من خيالاتهم لكي تضيء لنا خطوات نستعين بها على الطريق الجديدة. فكنا كمن يقول: هذه هي الحياة، إذاً! وكان العود طريّاً.

في النصف الثاني من التسعينيات، كان هذا الجيل قد صلب طوله، وبات يغادر مراهقته نحو بداية الشباب. الماشون على الحافة امتلكوا عدائية الشباب، وأدوات التحكّم بالموقف. سياسة، أحزاب، نقاشات، تظاهرات، صراخ ومطالب، تحدٍّ مباشر لكل مَن في السلطة، وكل مَن خارجها لا يعاديها صراحةً، وتحيّزٌ تام، وإحساسٌ بالقدرة على ليّ عنق الزجاجة التي لم نكن نراها عاريةً كما هي اليوم.. وإنما كنا نرى لنا احتراماً فيها. كنا نرى لأنفسنا احتراماً وتميّزاً، نحن الخارجين بصبرٍ وعزم من رحم الحرب التي أسقطوها علينا وعاءً للولادة.

لم يتحقّق لنا مطلبٌ باستثناء ربما الانتخابات البلدية التي طالبنا السلطة باستعادتها فاستعادتها ليشغل أصحاب السلطة أنفسهم مواقعها. أجروا الانتخابات البلدية لتكون امتداد سلطتهم على المجتمع، وكنا نراها امتداد قدرتنا في التأثير والمساءلة. بالكاد فزنا بمطلب، لم يتحقّق لنا شيء. ولم نكن متواضعي المطالب وإنما نشدّ إلى المستحيل في واقعٍ يحتاج فعلاً إلى المستحيل ليصطلح حاله، من بناء الدولة الراعية للمواطن، بناء اقتصاد العدالة الاجتماعية، بناء المواطن في مدارس الوعي الحديث، إلى بناء الحدائق العامة والأفكار الحرّة… كنا ننظر إلى الواقع، فلا نجد مفرّاً من أن نطلب له المستحيل، فهو اللازم الأكيد، ولم نكن نقوى على إنتاج تغيير، ولم نكن نسأم فننام بالليالي على الأرصفة من أجل مناضلٍ ياباني، نعمل ليلاً نهاراً لتأمين حاجات اللاجئين كلما قصفتنا إسرائيل وأحدثت فينا دماراً ومجزرة، نُضرب في الشوارع بأيدٍ وهراوات عسكرية وقنابل غاز وخراطيم مياه و… ومع ذلك، كنا نجد من الوقاحة ما يكفي لتكون تظاهرتنا التالية ضد «الجهاز الأمني اللبناني السوري المشترك»! لا أقلّ من ذلك..

الجديد الأول

عندما حلّ الانسحاب الإسرائيلي وتمّ تحرير الجنوب اللبناني، كانت بيروت تعيش لحظةً من لحظات المجد الذي أراده لها عصر الإنماء والإعمار، وهي لحظةٌ اتسمت بغرابةٍ شديدة، عشناها كواقع حالٍ في حينه. عصر الإنماء والإعمار، هناك من رآه بعينٍ احتفائية بعد طول عتمٍ، وهناك من رآه بعينٍ استثمارية كمَنجم، وهناك من تضرّر منه فلم يره، وهناك من رأى ضرره فهاجمه، وهناك من هاجمه خدمةً للتوازن السوري ـ السعودي في إدارة البلد، وهناك.. ولكن السياق كان ماضياً في أحداثه، كالقافلة التي يحكون دائماً عنها، بأضدادها المتواجهة، وكنا نحن ـ جماعة الحافة ـ كالمارقين نهتف ضدها، بمكوّناتها المختلفة.

ما شهدته بيروت لاحقاً في العقد الأول من الألفية الثالثة يقترب أكثر من الحاضر، يبدو وكأنه مؤسّسٌ له. تحرير الجنوب، اغتيال رفيق الحريري، حرب تمّوز، إسقاط حكومات، فراغات في الرئاسات الثلاث، وصولاً إلى اليوم. أما الثمانينيات والتسعينيات فهي التي أسّست لنا.

اليوم، ترانا نحيا الجديد الأول الخارج عن السياقات التي شُقّت لنا وشققناها لأنفسنا. ترى المسلّم به لم يعد كذلك، ترى الناس يقاربون مواضيع كانت حساسة جداً بتخفّفٍ تام من حساسيتها. إسرائيل، التدخّل الأجنبي، العلاقة بسوريا، سوريا، الطائفية، الحقوق التي تُمنع عن المواطنين بوقاحة،… نرى ذلك دامياً، فوضوياً، وهو بنّاءٌ وعبثيّ في آن، لكنه يحصل الآن، ولنا.

الدمار الذي لم ننظر إليه يوم انتهت الحرب، الدمار الذي أُحيط بلافتات الإعمار يومها لتخفيه وتعد ببديله السريع، ها هو ينكشف كاملاً أمامنا، وفي داخل كلّ منا. نتفاعل، ننفعل، نتبادل الكراهية، الاتهامات، نلفظ ما أصابه المنع لعقود، نتبنى العنف، نتطرّف، نصيب ونخطئ، وقد بات داخلنا جليّاً. يخرج منّا.

هي ليست لحظة اكتمال التغيير، لكن فيها انكشافٌ كبيرٌ يصارع لينوجد. فيها اعتداءٌ على كل «مسلّم به» يشدّ ليدمّر بناءً وُلد تسلّلاً في العتمة. شظايانا الداخلية، قد تمزّق الآذان والعيون الباحثة عن معادلات مستوية، لكنها تخرج إلى الهواء. وصحيحٌ أن هواء الآن مليء برائحة المجازر، بعنف الانتقام، لكننا لسنا بلا تجربة، ولا نحنُ بلا أحلام. لدينا قوّة وخبرة، خرجت إلى العلن في زمن انعدام العلن، وستعود إليه بخبرةٍ مضافة يوم يستتب لنا حال..

ترانا اليوم نحاول استيعاب الحاضر، التصدّي له، بعد عقودٍ من تفادي التعامل معه. فقد بات من المؤكد لنا أن استخدام أدبيات الماضي البعيد ما عادت تكفي لإشباع القلق الراهن. وابتعاد المستقبل عنا، يمنعنا من بلوغ مهربٍ اعتدنا القفز نحوه. نحن بكليّتنا في الحاضر اليوم، وتلك حالٌ لم نعشها في بيروت منذ الولادة.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق