جورج طرابيشي ودوره في التنوير العربي (6)

في مفتتح هذه النقطة يجب أن نبيّن ثلاثة أمور نراها مفصلية في مقامنا هذا. أولها: ضرورة التفرقة بين (الدين)، و(التدين)؛ لأنّ (الدين أصل إلهي… وجوهر الاعتقاد… والأديان كلّها تدعو إلى القيم العليا التي نادت بها الفلسفة وهي الحق، والخير، والجمال) (1)، بينما (التديّن نوع إنساني… وهو نتاج الاجتهاد… كما أنّ أنماط التدين أخذت بناصية الناس إلى نواحٍ متباعدة، ومصائر متناقضة، منها ما يوافق الجوهر الإلهي للدين، ويتسامى بالإنسان إلى سماوات رحيبة، ومنها ما يسلب هذا الجوهر العلوي معانيه، ويسطّح غاياته حتى تصير مظهراً شكلانياً، ومنها ما يجعل من الدين وسيلة إلى ما هو نقيض له) (2) ، ومع قناعتنا بأنّ هذه التفرقة بحاجة إلى مزيد نظر، وتشقيق، وخصوصاً في قسمها الأول المتعلّق بالدين، فلنا أن نأخذها هنا مؤقتاً لنستند إليها في ضرورة التمييز بين (الدين)، و(التدين)، تلك الثنائية التي يحرص بعض الدارسين أن يجعل منها شيئاً واحداً، وهما، في الحق، شيئان، على غرار ثنائية (القومية)، و(العروبة)، وثنائية (الطائفية)، و(المذهبية)، فتلك (ثنائيات)، بمعنى تقابل مفهومين، فيهما من مواضع الاختلاف أكثر بكثير من مواطن الاتفاق، ومع هذا يصرّ بعضهم على التعمية على ذلك الاختلاف لأسباب سياسية، أو اجتماعية، أو ما شابه ذلك، وأشرنا إلى تلك الثنائية الأولى لنستند إليها في درسنا موقف فولتير وطرابيشي منها، فأغلب نقدهما توجّه إلى (التدين)، ومظاهره، لا إلى (الدين) كما سنرى، وكأنّي بفولتير قد أدرك منذ زمنه المبكر هذه التفرقة بين (الدين) و(التدين)، فنراه يقول: (…ولقد تخاصم البشر على العقائد، وتحاربوا، ودمّرت أمم أمماً بهذا السبب، وإنّنا لواجدون في تاريخ الأديان أشدّ أنواع الخرافات ضلالاً، وأكثر العبادات تنوّعاً، ومع ذلك فإنّ مؤسسي الأديان أشادوا دوماً بالمطالب الأخلاقية نفسها سواء في ذلك زرادشت ومحمد والمسيح، وهذه الأخلاق ليست في الخرافات ولا في الطقوس الدينية. وليست لها أيّة صلة بالعقيدة. إنّ العقائد لتختلف في كلّ ديانة ولكنّ الأخلاق واحدة، وهي هي نفسها لدى كلّ مَن يُعملون عقلهم)،(3) ويكتب في موضع آخر: (…وممّا أعتقد، أيضاً، أنّ جميع هذه الكتب التي وضِعت منذ زمن قريب لإثبات الدين النصراني أقدر على الإهانة ممّا على الإفادة، وهل يزعم هؤلاء الكتّاب أنّهم يعرفون أكثر ممّا يعرف يسوع والرسل؟ هذا زعم على دعم بلّوطة بإحاطتها بقصب، فيمكن إقصاء هذا القصب غير النافع من غير أن يخشى الإضرار بالبلوطة)،(4) وليست هذه (البلوطة) سوى (الدين)، أمّا ذلك (القصب) فهو (التدين) بقشوره، وطقوسه، وبخوره من جهة، و(حقده، وعنفه، ونفيه، ومصادرته الممتلكات، وسجونه، وتعذيبه، واغتيالاته) (5)من جهة أخرى، على حدّ قول فولتير نفسه مرة أخرى، ويقدّم فولتير مفهوماً للدين يختلف تمام الاختلاف عمّا تعرضه الكنيسة. يكتب: (…لقد وجد الدين ليجعلنا سعداء في هذه الحياة الدنيا، وفي الآخرة. ما المطلوب كي نكون سعداء في هذه الدنيا في حدود ما يسمح به بؤس طبيعتنا؟ أن نكون متسامحين)،(6) ويعقد فولتير موازنة، أراها في الصميم فيما نحن فيه، بين (المسيح)، و(الكنيسة)، يقول: (…فالمسيح استنكر عدم المساواة بين الكهنة، ولكنّ الكنيسة تقوم على نظام الدرجات حيث الرؤساء يتمتعون بالسلطة المطلقة، وصغار الكهنة يحيون حياة بائسة. والمسيح امتدح الخشوع والندامة، ولكنّ الكنيسة تضرب المثل بالكبرياء والخيلاء والبذخ الفاضح. ولقد استنكر المسيح الجشع ولكنّ البابا، وكبار الأكليروس يعيشون في بحبوحة ورغد، ولا يفكرون إلاّ في زيادة ثرواتهم. لقد امتدح المسيح اللطف والغفران، ولكنّ الكنيسة اخترعت التعصب، وزرعت بذور التفرقة والخلاف في كلّ مكان، وشنّت الحرب على المنشقين، والهراطقة، والبروتستانت، واليهود، والمفكرين الأحرار، وأذاقتهم الاضطهاد، وأهلكت آلاف البشر فكانت من أعظم المصائب التي عرفتها الإنسانية)،(7) والنّص جلي، يفصح عن نفسه، رأينا فيه تلك الفجوة الكبيرة بين (صاحب الرسالة)، وما اصطنعه (الأكليروس) فيما بعد ممّا ضرب ستاراً صفيقاً على سؤدد (الدين) ليحلّ مكانه (التدين) بصفاته تلك.(8)


أمّا ثاني الأمرين فمرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأول، وهو إنّ فولتير، وطرابيشي وجّها معظم نقدهما إلى المسيحية، والاكليروس الذي يدّعي تمثيلها، غير أنّ فولتير أمعن في هذا النقد فوجّه سهامه إلى (الكاثوليكية) التي ولد، ونشأ عليها، ولم يمنعه من كونه كاثوليكياً أن يرى عيوب تديّنها، وما جرّته على أتباعها، وعلى أوربا عموماً من ويلات، ونوازل، وكذلك طرابيشي الذي لم تمنعه هو الآخر ولادته، ونشأته المسيحية من انتقاد طقوسها، وقوانينها، وحرماناتها، ومحاكم تفتيشها، ومحاربتها الفلسفة بكل ما أوتيت من قوة، أقول: لم تمنعه مسيحيته من انتهاج هذا السبيل. أقول هذا لئلا يتدسّس متدسّس فيقول: إنّ طرابيشي ينقد الإسلام لكونه مسيحياً، نعم، إنّه ينقد (التدين) المسيحي بقدر ما ينقد (التدين) الإسلامي، ويحقّ له هذا بحكم كونه مفكراً موسوعياً، خاض تجربة البحث على الضفتين: المسيحية، والإسلامية، وهو إذ يخوض تلك التجربة يضع دبر أذنه، على وفق القول القديم، إيمانه، وقناعته، وما نشأ عليه، ليستقبل بحثه وهو مزوّد بتلك الأدوات التي أشرنا إليها مراراً، فوسيلته التجربة، وفحص النصوص، وغايته نشر الفكر النقدي مقروناً بالتحديث، ومن هنا تصحّ قولة الأستاذ هاشم صالح، وهو يتحدث عن موقف فولتير من قضية (جان كالاس) التي أشرنا إليها فيما سبق. يكتب: (…قد يتخيّل المرء أنّ فولتير فعل ذلك: لأنّه كان بروتستانتياً مثل جان كالاس. أبداً، لا. إنّه ينتمي إلى الأغلبية الكاثوليكية قلباً وقالباً، والحقّ أنّه لو دافع عن واحد من أبناء طائفته لما أخذت القصة كلّ هذا الحجم، ولكنّه دافع عن شخص ينتمي إلى الطائفة المعادية، بل عرّض نفسه للخطر بسبب ذلك، وهنا تكمن عظمته. لقد أثبت فولتير أنّ التعصب مدان من أيّ جهة جاء، وأنّ المفكّر الحقيقي ينبغي أن يقف لصالح الضحية أياً تكن. لقد أفهمنا نحن المثقفين العرب، ومثقفي العالم كلّه أنّه لا معنى لمثقف يسكت عن الضيم، والاضطهاد الطائفي لمجرد أنّه يصيب “الحشرات”، أو الأقليات، كما يسمّونها احتقاراً)،(9) فليست القضية عندهما قضية (دين)، بل موقف، ومنهج، وبحث، وهو ما نودّ التأكيد عليه هنا، ونحن في خضمّ هذه (التدينات)، و(الطائفيات)، و(الهويات)، و(كلّ حزب بما لديهم فرحون) (الروم، 32) حسب منطوق الآية القرآنية، أمّا أن ينشغل (المثقّف)، وأضع الكلمة بين معقوفين لشكّي في انطباق الكلمة على مدلولها، أقول: أمّا أن ينشغل (المثقف) بنقد (تديّنه)، أو (مذهبه)، أو (طائفته) فهذا يكاد يكون كالمعدوم، وكيف لا؟ وهو الغارق بنقد الآخرين، وهي مهمة سهلة، يسيرة،(10) وقديماً قيل: مَنْ طلب عيباً وجده.


وأمّا الأمر الثالث والأخير فهو أنّ نقد (التدين)، والدعوة إلى (العلمانية) لا يعني بأي شكل من الأشكال الدعوة إلى (الإلحاد)، والانفلات من القيم، والأخلاق كما يحلو لبعض الباحثين (11) أن يثبتوه من خلال رؤية ضيّقة، وانحراف منهجي يبغون الوصول به إلى أغراضهم، وقد تكرّرت الإشارة عند بعض الباحثين إلى ضرورة التفرقة بين (العلمانية)، و(نقد التدين) من جهة، و(الإلحاد) من جهة أخرى، فالإلحاد نفسه ذو مشارب متنوعة، واتجاهات مختلفة،(12) والملاحظ أنّ (الإلحاد) فردي، بينما (العلمانية) ظاهرة عامة تكاد تنتظم المجتمع بأكمله، كما أنّ مفكراً إسلامياً، هو د. محمد عمارة، يجعل من (العلمانية) تيارين، أحدهما ملحد مادي، وثانيهما (مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان، لكنّه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرّد الخلق، فيحرّر الدولة، والسياسة، والاجتماع من سلطان الدين، مع بقاء الإيمان الديني علاقة خاصة وفردية بين الإنسان، وبين الله)،(13) فالدين على وفق ما تقدّم يظلّ محتفظاً بمكانته، واحترامه في قلوب مَن يؤمنون به، ويمارسون طقوسه حسب شروطه، بعيداً عن (التسييس)، وفرض (التدين) على الحياة، والآخرين.(14)


تجمعُ المصادر التي بين يدي على أنّ فولتير كان مؤمناً بوجود الله، غير أنّه إيمان من نوع خاص، إذ كان (ربوبياً يؤمن بأنّ الإله هو المحرك الأول، وأنّ ثمة علّة نهائية، وعقلاً أعلى، ومهندساً أسمى في الكون، والإله ليس جوهراً مستقلاً، وإنّما هو حالّ في الطبيعة، جزء لا يتجزأ منها)،(15) ويكتب فولتير نفسه: (إنّ الله موجود، لا إله إلاّ هو، منظم الكون، وهو أبدي سرمدي؛ لأنّه لا يعتمد إلاّ على ذاته، وهو مطلق الحرية، وهو كائن عاقل، نظّم كلّ شيء كما يبني الفنان آثاره، وهو “هندسي”، قدير، “وزن كل شيء وقاسه”، وهذه جميعها أشياء يثبتها العقل، أو على الأقل يثبت أنّها قريبة من الاحتمال إلى حدّ عظيم)،(16) ويكتب في معرض جداله مع بعض مَن روّج لأشياء هي أقرب إلى (الخرافة) تسويغاً لسلطان الكنيسة: (…أمّا أنا فأخلص إلى استنتاج العكس تماماً، وأقول: هنالك إذاً إله سيرأف لحالنا، ويواسينا عن تلك المصائب، والفواجع بعد حياة زائلة تنكّرنا له خلالها واقترفنا، باسمه، ما اقترفنا من الجرائم: ذلك أنّنا لو تأملنا في الحروب الدينية، وفي انشقاقات البابوات، وانقساماتهم التي نافت عن الأربعين عدداً، والتي اقترنت جميعها تقريباً بأحداث دموية، وفي جميع ضروب الدجل، والخداع الوخيمة العواقب، وفي الأحقاد المؤرّثة التي فجّرتها الاعتقادات المتباينة، ولو استعرضنا جميع الشرور التي تسبّبت فيها الحمية الدينية الكاذبة، لأدركنا أنّ البشر عاشوا طويلاً جحيمهم في هذه الدنيا) (17)ويلخّص هاشم صالح إيمان فولتير بالله بما يأتي: (…كان – فولتير- يعتبر وجود الله ضرورياً لنظام الكون، ويقول – أي فولتير- ما معناه: إنّ الإيمان بالله ضروري لكي تستقيم الأمور في المجتمع، والكون، ولو لم يكن موجوداً لوجب اختراعه. لماذا؟ لأنّ وجود الله يمنع السارق من السرقة، أو قل يحدّ منها عن طريق تذكيره بالعقاب في الدار الآخرة، كما يشجع الإنسان الصالح على فعل الخير، لأنّه يذكّره بالثواب الذي سيلقاه عاجلاً أو آجلاً. ولو كان الإنسان يعتقد بأنّه لا وجود لثواب، أو عقاب في هذا الكون لأفلتت الأمور، ولعمّت الفوضى المجتمع… وبالتالي فالإيمان بالله يمثّل قيمة إيجابية لا تستقيم الحياة بدونها)،(18) ومع أهمية ما يقدّمه فولتير في هذا الصدد، فنحن نعتقد أنّ أمراً خطيراً قد فاته، وأغفله، وهو منطق (التبرير) الذي يتميّز به الإنسان عموماً، فهو قادر على تسويغ أفعاله بوسائل شتى، وتحت مسميات مختلفة، وهو يقنع نفسه، وربّما الآخرين أنّ الله، والدين معا راضيان عنه، وإلاّ لو كان الأمر كما يذهب فولتير فكيف نستطيع تفسير هذه المجازر، والمفاسد الأخلاقية المنتشرة بشكل كبير، وفي ظلّ هيمنة من (التدين) القشري الذي يحصي على المرء أنفاسه؟ هذه نفثة مصدور يطول الحديث عنها فيما لو أردنا الاسترسال، فلنعد إلى فولتير الذي نراه من جهة أخرى يجزع من الإلحاد الذي يراه (لا يقلّ خطراً على المجتمع من الدين المزيّف؛ لأنّ الدين عنده من وسائل التنظيم الاجتماعي التي لا غناء عنها في ضبط الرعاع، ومَن يدخل في حكمهم)،(19) ويكتب فولتير: (…ثمة كثير من الناس يرون الشر المادي والأخلاقي منتشراً في العالم، فيتخيّلون كائنين قادرين: أحدهما يخلق الخير كلّه، والآخر يخلق الشرّ كلّه، ولو وجد هذان الكائنان لكانا لازمين، ولوجدا في المكان نفسه، وتداخلا عند ذلك، وهذا غير معقول… فمن الواضح إذن وجود قوة وحيدة، أزلية، كلّ شيء مرتبط بها، وكلّ شيء تابع لها، إلاّ أنّ طبيعتها تدقّ على الإفهام… وإذا سئلت: من بين جميع الأنظمة الإلهية التي اخترعها الإنسان، أيّها ستعتنق؟ أجبت: لن أعتنق أيّاً منها، بل سأعبد الله)،(20) وينتهي إلى القول: (… نعم، إنّنا نريد ديناً، إلاّ أنّنا نريده بسيطاً حكيماً، جليلاً، أليق بالله، وأقرب إلينا. بكلمة مختصرة، نريد، أن نخدم الله، والبشر).(21)


هل نجد شيئاً شبيهاً، أو قريباً من هذا الذي مرّ عند طرابيشي؟ من المؤكد أنّ طرابيشي لا يشغل نفسه بتقديم أدلّة، وبراهين من أيّ نوع على وجود الله، أو عدم وجوده، فهذا ليس من عمله، وإن كان سيّد عمل – على حدّ قول الجاحظ- المتكلّمين الغارقين في جدالهم الذي لا يخلو في أحيان كثيرة من ثرثرة، أو حذلقة لفظية، وما زلنا نذكر من قرائتنا القديمة خبر ذلك (المتكلم) الفظّ الذي ارتفع صوته ليقول: لو أتوني بعشرة براهين على عدم وجود الله، لأتيت بمائة دليل على وجوده، وكأنّ المسألة مسألة حساب، وأرقام، لا مسألة يقين، وتسليم. أقول: لا أعرف لطرابيشي موقفاً صريحاً من هذه القضية، وذلك بحدود علمي، غير أنّ ما لمسته من خلال متابعة حثيثة لما يصدره من كتب أنّ هذا الموضوع ينضوي تحت مظلّة مشروعه الكبير الداعي إلى التحديث، والعلمنة، وسيادة الفكر النقدي، وهو موضوع نراه مبثوثاً في أغلب كتبه، إن لم يكن كلّها، بَيْد أنّي ظفرت بنصّ، وكتاب من الممكن أن يبيّنا موقف طرابيشي من مسألة الإيمان بالله، والدين عموماً، وهو يقترب فيهما كثيراً من فولتير. أمّا النّص فهو ما علّق به طرابيشي على تعريف (مرسيل غوشيه) للحداثة بأنّه (الخروج من الدين)، إذ نرى طرابيشي يسارع، وبلهجة حاسمة، إلى التعليق على هذا التعريف بقوله: (حذار من تفسير “الخروج من الدين” على أنّه “خروج على الدين”. فمقولة مرسيل غوشيه، التي ارتقت إلى نصاب المقولة الأبستمولوجية التأسيسية في السجالات حول الحداثة، لا تعدل إعلاناً على الطريقة النيتشوية عن موت الدين، بل تلحظ فقط، من خلال استقراء واقع المجتمعات الغربية الحديثة، أنّ المجال العام في هذه المجتمعات لم يعد يتَبَنْيَن بالدين، وأنّ هذا الأخير قد باتت فاعليته محصورة بالمجال الشخصي، ومن هذا المنظور تحديداً فإنّ “الخروج من الدين” قد يكون ضرورياً حتى لعدم “الخروج على الدين”؛ لأنّه السبيل الوحيد لعدم إقامة علاقة تعارض متناف بين الإيمان الديني، والحداثة، وذلك بقدر ما أنّ فصل الروحي عن الزمني، وبالتالي حصر الدين بالمجال الشخصي، يعتقان هذا الأخير من قيود التصورات الإيديولوجية المتقادمة بالضرورة مع تطور التاريخ، والتثوير الدائم للعلم)،(22) فهو حين يعلّق على تعريف (مرسيل غوشيه) ذلك التعليق السريع، الحاسم الذي قرأناه، إنّما يتبنّى مفهومه من حيث ترسيخ أنّه ليس هناك من منافاة بين الدين والحداثة، وحصر الدين في المجال الشخصي وحده، على حدّ تعبيره، وهو في الوقت نفسه ينكر، من خلال التصحيح، الخروج على الدين بمعنى إقصاؤه إقصاءً تاماً، وفي النهاية قتله، وهي فكرة تنسج إلى مدى بعيد مع ما رأيناه عند فولتير من جهة، ومع ما يدعو إليه طرابيشي من (علمنة) التي تعني عنده: (جهاد في سبيل الدنيا كخيار بديل عن الجهاد في سبيل الآخرة) (23) مستخدماً (مفردات المعجم العربي الإسلامي).(24)


وحين ننتقل إلى الكتاب، ونعني به كتاب طرابيشي: (الله في رحلة نجيب محفوظ الروحية)، فنحن كمن يقع على جذور مشروع طرابيشي، والأفكار الرئيسة التي يعتنقها، وظل يبشّر بها خلال هذه السنوات الطويلة، فالكتاب صادر بطبعته الأولى سنة 1973، أي قبل أربعين عاماً من عامنا هذا الذي نعيشه، وهو 2014، ويشير إلى أنّه كتب نصّه السالف سنة 2007،(25) أي قبل أربعة وثلاثين عاماً، وهي مدة كافية تتيح لصاحبها أن يغيّر شيئاً من قناعاته، سواء بالاستبدال أم التخلي، غير أننا نلحظ أنّ الأفكار الرئيسة للعلمنة التي يدعو إليها نراها مبثوثة في ثنايا ذلك الكتاب، وهو يقرأ بموجبها بعض روايات نجيب محفوظ، وهذا هو الذي دعانا إلى الحديث عن (الجذور). تتوالى مفردات (العلم)، و(الدين)، و(محاكم التفتيش)، و(التصوّر العلمي للعالم)، و(التصوّر الديني للعالم)، والمواجهة بينهما، و(الحقيقة) على صفحات الكتاب، ومعها أسماء مثل: (كوبرنيكس)، و(داروين)، و(فرويد)، ولها دلالات لا تخفى على القارئ من حيث اجتراح كلّ منهم لثورة في مجال تخصّصه، وهذه الثورات قلبت مفاهيم، وزعزعت عقائد، وأحدثت جروحاً نرجسية (26) من الصعب، إن لم يكن من المحال علاجها، فإذا تعانقت تلك (المفردات) مع هذه (الأسماء) أمكن لنا تلمّس خلاصة ما يبتغيه طرابيشي، غير أنّ علينا أن نقرأ بعض النصوص قبل الوصول إلى الشاطئ. يكتب: (…ولا تكاد تكون بنا حاجة إلى أن نقول إنّ المواجهة بين الشيخ محمود الأكرم، والفتى علي عويس تحمل جميع قسمات المواجهة التاريخية بين الدين والعلم، فالشيخ محمود، ومعه التصوّر الديني للعالم، هو الذي يقف في قفص الاتهام، بينما يعتلي علي عويس، ومن ورائه التصوّر العلمي للعالم، منبر الادعاء) (ص90)، ويكتب: (…كما أنّ ردّ الفعل الأول للدين في مواجهته للحقائق التي راح العلم الفتيّ يزيح النقاب عنها تباعاً كان ردّ فعل عنف، واستعداء لسلطان التقاليد، وآلة الدولة على العلماء (ومصير جيور دانو برونو – الذي كاد أن يشاركه فيه كوبرنكس – لا يحتاج إلى تذكير)، كذلك ما يكاد الشيخ محمود ينتهي من قراءة النشرة حتى رماها أرضاً، وانتتر واقفاً، وعيناه تقدحان شرراً: فلتتوقف الأرض عن الدوران، أو فلتدر في عكس اتجاهها) (ص91-92)، ويكتب: (…فهذه المقدمات هي في (حكاية بلا بداية ولا نهاية)، كما في (أولاد حارتنا)، وكما في (ثرثرة فوق النيل، وفي (الشحاذ)، وفي (الطريق) مقدمات المذهب الإنساني الذي لا يستطيع أحد أن يماري في دوره الديمقراطي، التقدمي في مجتمع شرقي، غيبي، اتكالي، لم يعرف ثورة ديمقراطية جذرية تضع الإنسان في مركز الكون، والوجود، وحركة التاريخ) (ص111). فما هو الشاطئ الذي تريد أن ترسو عنده هذه النصوص؟ يكتب: (إنّ نجيب محفوظ يقرّ للعلم بتفوّق ساحق… وهو يحمّل الدين الملامة الكبرى؛ لأنّه هو الذي كان البادئ – في التاريخ كما في القصة – باستخدام العنف ضدّ العلم… ولئن يكن الدين هو الذي أخذ مبادرة العنف ضدّ العلم، فإنّه هو الذي سيأخذ أيضاً – ربّما على سبيل التكفير- مبادرة المصالحة) (ص109-110)، ويكتب: (…ولئن يكن العلم قد أسقط، بما فجّره من حقائق، الكثير من الأوهام التي كان الدين أحاط نفسه بها… فإنّه جوهر حقيقي باقٍ تحت ركام من أوهام لا قيمة لها، وهذا الجوهر هو ما تحتاجه الحارة من الدين، ولا يجوز بأيّ حال من الأحوال أن يختلط مع النفايات السامة التي يجب التخلص منها بأسرع ما يمكن) (ص109)، ويضيف: (…ولأنّ العلم ضرورة للحارة، ولأنّ الحكمة ضرورة للعلم) (ص110)، فإنّه من الضروري أن يلتقيا عند نقطة بعد أن أزال كلّ منهما ما علق به من أوضار خلال مسيرتهما الطويلة، وينتهي إلى القول بأنّه (قد يكون بيننا – ولا بد أن يكون- مَن لا يوافق نجيب في تصوّره لما كان، ولما يجب، أن يكون، ولكنّ المقدمات التي شاد عليها استنتاجاته لا يمكن أن تقابل إلاّ بالترحاب حتى من قبل مَن يعترض على الاستنتاجات… وأيّا يكن موقفنا من الميتافيزيقيا، ومن لغتها، ومشكلاتها، فليس بقليل أن يؤكد في مجتمع كمجتمعنا كاتب له شعبية نجيب محفوظ، وتأثيره أنّ الإنسان هو المعجزة، لأنّه يحلم بالطيران، وهو غارق في الوحل: الطيران بأجنحة الدين بالأمس، وبأجنحة العلم اليوم، وربّما بأجنحة الاثنين غداً كما يحلم أكبر روائي عربي معاصر) (ص111). أليست هذه النصوص التي يسندها النص الذي علّق به طرابيشي على تعريف (مرسيل غوشيه) للحداثة، دليلاً كافياً على أنّ طرابيشي ليس من دعاة إقصاء (الله) من (مملكة) الدنيا، سواء بـ(الموت)، أو (القتل)، أو (الإهمال)، كما ينادي بعض الفلاسفة، فوجوده، ومعه الدين، ضروري، كي يتلبّس العلم بشيء من الحكمة تضبط اندفاعه، وتهوّره في بعض الأحيان من جهة، ومن جهة أخرى يستقبل العلمُ الدين وقد برأ من أردية (التدين)، تلك التي جعلها الاكليروس. وأصحاب المصالح غطاء له، كي يخفي جوهره، ولا يظهر منه إلاّ ما يريدون، وعند ذاك يصبح (الدين) عنصراً فاعلاً في مجتمع (الحداثة) و(العلمنة) الذي ما برح طرابيشي يدعو إليه على غرار ما لمسنا عند فولتير مع فارق العصر، والرؤية.

– 6 –
وإذا كان ما مرّ هو النقطة الثالثة، فلنجعل من (نقد التدين) نقطتنا الرابعة، وهي على الغاية من الأهمية، ذلك لأنّ فولتير قد أوذي بسببها كثيراً، غير أنّه تمكّن من كشف كثير من الحقائق التي كانت مطمورة تحت ركام من الطقوس، والتسلّط، وأوامر (الحرمان) الكنسي، وتكميم الأفواه، وليست محاكم التفتيش ببعيدة عنّا، وقد مرّت الإشارة إليها، وكذلك طرابيشي الذي التزم – كعادته- بالمنهج العلمي في البحث مع قدرة فائقة على التحليل، والنفاذ إلى بواطن النصوص، وما استتر منها، مع ربط هذه النصوص بالمواقف، ومقدّما من خلال ذلك كلّه الأسباب الحقيقية، وقل العقلانية، التي تفسّر، وتكشف، وتنير.


يقول لويس عوض: (…وسدّد فولتير أكثر سهامه إلى الدور الذي يلعبه رجال الدين في طمس العقول، ونشر الجهالة، والخرافات بين العامة لسلس قيادهم)،(27) كما (حارب الكنيسة، ورجالها، وكان في كلّ حملاته صارماً تنضح صراحته سخرية مُرّة، وتهكماً، وقد بذل أقصى جهد ليُظهر للناس ما تنطوي عليه المعتقدات المسيحية من تخريف وحماقة، وليبين عن استغلال رجال الدين في جميع الديانات لسذاجة الناس)،(28) وكان يقول: (إنّ مَن يعتنق دينه من غير تفكير – شأن السواد الأعظم من الناس – كالثور الذي يستسلم للنير، ويحمله راضياً)،(29) وليس هذا بغريب على فولتير الذي أعمل العقل في بنائه الفكري، وانتهج ذلك الأسلوب الذي لا يكلّ عن السؤال، والفحص، فهو يرى. مثلاً، أنّه (من الواجب تنظيف الذهن من الخزعبلات المسيحية، والتخيلات الديكارتية، والتأكيدات الإلحادية، وسخافات جان جاك روسو، كما أنّه من الواجب أن نقضي على جميع ذلك بكلّ الوسائل من الجدل المنهجي الهادئ، إلى السخرية اللاذعة والبيان المفحم، والمزاح الناعم الثقيل حتى السباب، والمكر)،(30) وقد وظّف فولتير ذلك كلّه في تعامله مع (تدين) الكنيسة الكاثوليكية، فمثلاً نراه (يتهم الكنيسة بأنّها تدّعي التحدّث باسم المسيح في حين أنّ المبادئ التي تفرضها على تابعيها تختلف اختلافاً عميقاً عن المبادئ الموجودة في الإنجيل).(31) وفي هذا تناقض واضح، توصّل إليه فولتير من خلال الموازنة، والمشاهدة، ويقول: (سلاطين برابرة يقولون لكهنة برابرة: اخدعوا رعايانا كي يخدعونا على وجه أفضل، وسندفع لكم أتعابكم، وإذا بالكهنة يسيطرون على الشعب، ويخلعون السلاطين)،(32) وفي (كانديد) يشتبك (ملك البلغار مع ملك الابار في معركة، واصطف الجيشان وجهاً لوجه في أحسن حلّة، وكانت المدافع علة كافية لقتل ستة آلاف جندي من كلّ فريق، والبنادق علّة كافية لإزالة عشرة آلاف مقاتل من أفضل عالم ممكن، أمّا السونكي فكانت علة كافية لقتل بضعة آلاف أخرى حتى تجاوز القتلى ثلاثين ألفاً، وأقام كلّ من الملكين صلاة شكر في معسكره)،(33) وهنا مربط الفرس – كما تقول العرب- إذ ليس المهم عدد القتلى، المهم هو (صلاة الشكر)، ولا يعلم فولتير، ونحن معه، لماذا أقيمت تلك الصلاة؟ ويتساءل هاشم صالح: ما هي المعركة الأساسية لفولتير؟ ما الرسالة التي كرّس نفسه لها طوال حياته كلّها؟ ويجيب: (إنّها تتلخّص بكلمة واحدة: محاربة الوحش الضاري، بحسب تعبيره الحرفي: أي التعصب، والإكراه في الدين. إنّها تتمثل بمحاربة الكنيسة الكاثوليكية، ورجال الدين الذين كانوا يسيطرون على عقول الشعب الفقير، والجاهل، وينشرون أفكار التعصب في كلّ مكان)،(34) وللتذكير فقط، فقد مرّ بنا أنّ فولتير نفسه كان كاثوليكياً، فهو ينقد دينه، وطائفته، وهنا مكمن سؤدده، وتميّزه، كما مرّت بنا حادثة (كالاس)، تلك الأسرة البروتستانية التي دافع عنها فولتير بضراوة،(35) وهناك حادثة جديرة بالذكر، وهي المسمّاة بـ(مأساة سيرفين) التي وقعت في العام نفسه الذي وقعت فيه (حادثة كالاس)، أي سنة 1762، وسيرفين هذه أسرة كانت تدين بمذهب الهوجونوت، وكانت تخدم عندهم امرأة كاثوليكية (مهّدت لابنة سيرفين أن تفرّ إلى دير عُذِّبت فيه عذاباً أليماً لتتخلى عن مذهبها البروتستاني، وتعتنق الكاثوليكية ديناً، فلاذت الفتاة فراراً، وانتحرت غرقاً في بئر، فاتهم أبوها بإغراقها ليحول دون ارتدادها عن دينها، وصدر الحكم بإعدامه مع زوجته، ونفي ابنتيه الأخريين، ومصادرة أملاك الأسرة، فانطلقت الأسرة فارّة من وجه القضاء، وولّت وجهها شطر سويسرة، حيث أقنعت فولتير ببراءتها)،(36) وكأنّ المأساة تتكرر، والمهم هنا هو أن فولتير تولى الدفاع عن هذه الأسرة، وهي على غير دينه، ومذهبه، وهنا مكمن القضية، إذ ظلّ فولتير (يسعى تسع سنوات لإعادة التحقيق في هذه القضية حتى كلّل مسعاه بالنجاح)،(37) ويعلّق أندريه كريسون على مواقف فولتير تلك، بقوله: (…ولم يترك فولتير مظلمة إلاّ تبنّاها، وجنّد لها قلمه، وذكاءه حتى أصبح المظلومون يجيؤون إليه في كلّ مرة، فيدافع عنهم باسم العدالة، والتسامح)،(38) وقد بقيت هذه الأفكار العقلانية، والمواقف الإنسانية حية إلى يومنا هذا، ويكفي أن نشير إلى ما ساقه الأستاذ هاشم صالح من أنّ (كهنة فرنسا لا يزالون يحقدون على فولتير حتى هذه اللحظة، ويكرهون ذكر اسمه، والدليل على ذلك هجوم كاردينال باريس السابق (لوسيتجر) عليه في أحد كتبه الأخيرة، فقد اعتبره المسؤول الأساسي عن تراجع المسيحية في فرنسا، وانصراف الناس عن الدين)،(39) وليس هذا الحقد، والكره سوى الوجه الآخر لحيوية أفكار فولتير، وتأثيرها على هذا المدى الزمني المتطاول، وموقفه الثابت ممّا اعتبره دجلاً، وجهالة.


فإذا وصلنا إلى طرابيشي نكون قد اقتربنا من أقصى ما تستطيع المنهجية أن تبلغه، ويبدو نقد (التدين) ذا معالم واضحة في بناء طرابيشي الفكري، فهو لا يكتفي بإعمال النقد في (التدين) المسيحي، بل يتجاوز هذا إلى ما أستطيع تسميته بـ (الإنصاف المنهجي) حين يلتقط ومضات من التاريخ الإسلامي، رحّبت فيها بالفلسفة، وتعالت على النظرة الدينية الضيقة لتحقّق للفكر استقلاله من حيث إفساح المجال أمامه رحباً كي يحلّق، ويكتشف، وينقد، وهذا – كما نعتقد- من أبلغ الشواهد على التجرّد، والتزام الموضوعية. ولعلّ كتابه (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام) خير شاهد على ما نذهب إليه، إذ عمد فيه أولاً إلى مناقشة بعض دعاوى دارسي الفكر العربي من الغربيين مثل رينان، وديلاسي أوليري، وكارل هينريج بكر، وأغناثيوس غولدزيهر الذين ذهبوا – على تفاوت بينهم- إلى أنّ الإسلام ناصب الفلسفة العداء، في حين أنّ الكنيسة المسيحية رحّبت بهذه الفلسفة، وجعلتها جزءاً من نسيجها الدفاعي عن معتقداتها، ولذلك يكتب: (…ونحن لا نطعن بطبيعة الحال في هذه المعلومات،(40) ولا أصلاً في “النيّات”، صنيع مَن درجوا في الثقافة العربية على ممارسة هواية “الاستشراق المعكوس”،(41) وإنما نطعن في الإشكالية ذاتها. فهل صحيح أنّ الإسلام وقف من التراث اليوناني، أو المكتوب باليونانية بالأحرى، وتحديداً منه الفلسفة غير موقف المسيحية، أو نقيض موقف المسيحية؟ وإذا صحّ “تلاؤم المسيحية مع عالم الأوائل”، فهل يبقى للإسلام من موقع آخر غير التنافر؟)،(42) وللإجابة على هذين السؤالين كسر طرابيشي كتابه كلّه، فنراه فوراً يضع عنواناً ذا دلالة، بل دلالات، هو (عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى)، ويهجم على موضوعه بلا تمهيد قائلاً: (…لقد قلنا إنّنا نطعن في الإشكالية ذاتها. ذلك أنّ المسيحية كالإسلام، دين وحي، ومرجعيتها، مثله، إلى نصّ أول مطلق ينزع إلى تأسيس نفسه في عقيدة قويمة (أورثوذكسية) تتنافى والروح الفلسفي الذي يقوم على البحث الشخصي، المستقل الحرّ، عن الحقيقة)،(43) ويضيف: (…ولقد جاءت المسيحية، حتى قبل تسنينها في عقيدة مغلقة، مصادمة لروح الفلسفة في نقطتين ميتافيزيقيتين…)،(44) ويفصّل الحديث بعدها عن هاتين النقطتين، ولن نسترسل مع الكتاب، فالأفكار المتتابعة فيه، والسرد التاريخي المركّز، والمحاورة مع النصوص، أقول: كل هذا يستعصي على التلخيص، وهو مالا نريده هنا، غير أنّنا نشير إلى بعض النصوص لنصل إلى النتيجة التي توصّل إليها. يكتب: (…وبما أن تراث فرفوريوس المعادي للمسيحية قد أبيد)،(45) و(…فلنذكر أنّ مرسومين امبراطوريين قد صدرا بتحرير كتب فرفوريوس، وحرقها)،(46) و(…فابتداء من نيقيا (47) بات للكنيسة عقيدة إيمان رسمية، ومُجْمَع عليها).(48) و(…ليس من الصعب أن ندرك كم بات ضيّقاً، ابتداء من مجمع نيقيا مجال التفكير الشخصي. فتسنين العقيدة، من خلال النص المجمعي، والبيان الاعتقادي.(49) يلغي حتى ذلك الهامش من حرية الاجتهاد، والتأويل الذي يتركه مفتوحاً النظام المعرفي – الأبستمية، كما بات يقال اليوم بعد أن أعيد إحياء هذا المصطلح اليوناني – المتمحور حول نص مقدس. فلئن تكن الحضارات الدينية تلغي التفكير في المقدمات الكبرى، فإنّ تسنين العقيدة يلغي حرية التفكير حتى في المقدمات الصغرى… إنّ العقيدة المسنّنة تقفل نهائياً باب الاجتهاد الذي هو من الأصل باب ضيق لا ينفرج مصراعاه بأكثر ممّا تسمح به المفاصل الابستمية للنص المقدس)،(50) و(…في حزيران 431 انعقد مجمع أفسيس لخلع نسطور… وبتوقيع مائة وسبعة وتسعين أسقفاً اتخذ المجمع قراراً بدمغ نسطور بالهرطقة، وبخلعه: “إنّ سيدنا يسوع المسيح، الذي جدّف عليه، يعلن بلسان هذا المجمع المقدس عزل نسطور عن منصب الأسقفية، ومن كلّ السلك الكهنوتي”)،(51) وإنّما اخترنا نماذج قليلة فقط من (عذابات) الفلسفة كما يسمّيها طرابيشي، ولكن ماذا بعد هذا؟ يكتب: (…وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الحرب ضدّ الهرطقات المسيحية، كالحرب ضد الثقافة اليونانية، قد ألغت التفكير الشخصي، والهامش النسبي لحرية الاجتهاد، وقيّدت الفكر بنصّ، وقيّدت النّص نفسه نصّ، وضمنت لهذا الأخير بقوة السلطة مصادقة جماعية، وإجماعية، فهل نبالغ إذا قلنا إنّ العقيدة القويمة، والمسننة لمسيحية القرون الأولى قتلت الفلسفة مرتيّن: أولاً باجتثاثها الفلسفة اليونانية من أرومتها، وثانياً بحؤولها دون ازدراع فلسفة مسيحية وريثة أو بديلة؟)،(52) ويضيف: (إنّ تاريخ الفلسفة في مسيحية القرون الأولى هو تاريخ قطيعة وغياب. ذلك أنّ العقيدة القويمة ضدّان لا يجتمعان، وكما أنّ العقيدة القويمة لا تقبل فلسفة من خارجها، فإنّها لا تفرز فلسفة من داخلها. وفي ظل هيمنتها يستحيل السؤال الفلسفي).(53)


هذا عن الفلسفة في ظلّ المسيحية الأولى، فماذا عنها في ظلّ الإسلام؟ ولن نطيل هنا كثيراً؛ لأنّ المقصد من هذه الموازنة بين الجهتين هو تبيان موقف طرابيشي من مسار الفلسفة في ظلال المسيحية، غير أنّه حين يضع عنواناً هنا نراه مختلفاً تمام الاختلاف عمّا وضعه هناك، فهناك نقرأ: (عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى)، أمّا هنا فنقرأ: (الفلسفة في المدينة الإسلامية: من المواطنة إلى المنفى)؛ فماذا يعني هذا؟ لعلّه يعني أنّ الفلسفة في المدينة الإسلامية كانت مواطناً كامل المواطنة، له حقوقه، وعليه واجباته، وقد نَمَت الفلسفة، وازدهرت من جهة، وأدّت ما عليها من حيث بثّ حرية الفكر، وطرح الأسئلة، وتشقيق المسائل من جهة أخرى، ثم أصابها ما أصاب المدينة الإسلامية من تراجع، وخمود فاضطرت إلى اتخاذ المنفى سبيلاً هرباً من مناخ ضيق، خانق.


ويستمر طرابيشي ليفحص هذا الموضوع، ويتخذ من بحث المستشرق كولدزيهر تكأة يستند إليها، لا ليتابعه فيه، بل ليفكّك إشكاليته، فغولدزيهر يقدّم نصوصاً كثيرة تؤيد (بؤس) الفلسفة في المدينة الإسلامية، وهذا مالا غبار عليه، غير أنّ ثمة مسكوتاً عنه هنا، وهو أن تلك النصوص تعود بتاريخها إلى ما بعد القرون الخامس فالسادس فالسابع فالثامن، وليس من بينها نصوص ترقى إلى ما قبل هذا. فماذا عن القرنين الثالث والرابع؟ وكأنّ طرابيشي، حين يقدّم مسرداً تاريخياً للتنازع الفكري الواقع خلال تلك القرون، يريد القول إنّ الوهن الذي أصاب الفلسفة إنّما هو وهن عام، شمل الفلسفة، والفرق الأخرى، وأهل الذمة، ومدرسة الرأي، أي كلّ مَنْ هو خارج (العقيدة القويمة) كما أرادتها السلطة، ففي ظلّ (تسنين) العقيدة لن يكون هناك سوى صوت واحد، ومشرب واحد، وتوجّه واحد. ماذا أقول؟ بل وحيد، يفرض رؤيته، وعقيدته، وليس أمام (الآخرين) الذين ورد ذكرهم إلاّ الصمت، أو الرحيل، وقد اختارت الفلسفة مكرهة الرحيل، إذ لا يمكنها أن تصمت من جهة، ولا يمكنها أن تعيش من جهة أخرى، فلا مناص من الرحيل،(54) وقد كان.


هذا هو المسار العام للفلسفة في المدينة الإسلامية في عصورها المتأخرة، وهو مسار لا يختلف كثيراً عن مسارها في ظلال المسيحية الأولى، وخصوصاً حين سُنّنت في (الاعتقاد القادري) مثلاً، وهو ما أشرنا إليه سابقاً، غير أنّ لطرابيشي ومضات، ولمحات يفيء إليها – كعادته- تحقيقاً للإيفاء بالمنهج الذي فرضه على نفسه، وإثباتاً للعنوان الذي اختاره، وهو (من المواطنة إلى المنفى)، فمن هذه الومضات قوله: (…وأمّا الادعاء بأنّ السلطة الكنسية وظّفت “المعقول العقلي اليوناني” في نضالها المتواصل ضد الغنوص “طوال القرون الأربعة الأولى من ظهور المسيحية” بينما استغنت عنه من البداية “السلطة المرجعية الدينية في الثقافة العربية”، فهو نموذج لوعي أيديولوجي لا واعٍ، وبالتالي لا نقدى، أو لا تفكيكي كما بات يقال اليوم، ولسوف نرى أنّ هذا الوعي اللاواعي يصادم الحقيقة التاريخية مصادمة جبهية في كلتا المقدمتين اللتين يصدر عنهما: فليس، أولاً، من سلطة دينية عادت الفلسفة، واستغنت عن الموروث العقلي اليوناني، كما عادتها، واستغنت عنه مسيحية القرون الأولى. وليس يصدق، ثانياً، أنّ السلطة المرجعية الدينية في الثقافة العربية الإسلامية قاطعت المنظومة الأرسطية، والمعقول العقلي اليوناني بصورة أعمّ، إلاّ بقدر ما يتمّ تقليص هذه السلطة المرجعية إلى محض سلطة فقهاء – وهذا ما يفعله الجابري عندما يعرّف الحضارة الإسلامية بأنّها “حضارة فقه”-، مع أنّ أهم ما يميز السلطة المرجعية الدينية في إسلام القرون الأولى هو ازدواجها إلى سلطة فقهاء معادين لـ “علوم الأوائل”، وإلى سلطة متكلمين كان لهم سبق، حتى على لاهويتيّي مسيحية العصور الوسطى اللاتينية، في توظيف الفلسفة في خدمة اللاهوت)،(55) ولا يكتفي طرابيشي بهذا حسب، بل يكتب هامشاً يعلّق به على كون الحضارة الإسلامية حضارة فقه فقط، وهو: (الواقع أنّه حتى الفقهاء لم يقاطعوا كلّ المعقول العقلي اليوناني. فالغزالي في المشرق، وابن حزم في المغرب (56) تزعّما مشروعاً مرموقاً لتبيئة المنطق الأرسطي إسلامياً)،(57) والغزالي هو الذي يضفه طرابيشي في موضع آخر بقوله: (…ولا شك أنّ الوجه الأبرز، والأغنى في هذا الإحياء الأشعري هو الغزالي الذي لن نتردّد في أن نصفه، بحسب المصطلحات اللالاندية، بأنّه بطل الانتفاضة الأخيرة للعقل المكوِّن في الحضارة العربية الإسلامية قبل أن يخيّم ليل العقل المكوَّن في العهدين المملوكي والعثماني).(58) وقوله: (إنّ الوقائع عنيدة كما يقول المثل. ووقائع التاريخ العربي الإسلامي تقول إنّ الفلسفة العربية الإسلامية قد وجدت، وأنّ عشرات من الفلاسفة، من المسلمين سنة وشيعة، ومن النصارى واليهود والصابئة، قد عاشوا، ونبغوا في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وألّفوا كتبهم بالمئات، واصطنعوا بالعربية لغة فلسفية لا تصمد للمقارنة معها، قبل ثورة الحداثة الأوربية، سوى يونانية العصر الهلنستي، أو لاتينية العصر الوسيط المتأخر)،(59) فهذه نصوص أقلّ ما يقال فيها إنّها خطيرة، ذلك لأنّها انفلتت من ربقة متابعة الآخرين، واختطّت لنفسها بعد هذا طريقاً قائماً على التنخّل، والحفر، والربط، فلا غرابة بعد هذا أن تصل إلى تلك النتائج الباهرة.


ولا يظنّنّ ظانّ أن هذا الكتاب يقف وحيداً في كشف (التدين) المسيحي، ونقده، ذلك لأنّ كتب طرابيشي الأخرى لا تفتأ تشير إلى هذا الموضوع، كأنّه أصبح لازمة من اللوازم الفكرية التي يستطيب طرابيشي تكرار العودة إليها باعتبارها حجراً مهماً في بناء تلك اللوازم، ولعلّ شيئاً من النماذج يوضح هذه الفكرة، فمنذ وقت مبكر يكتب: (…وبديهي أنّ هذه “العمارات الشاهقة”، التي يتردّد ذكرها مراراً وتكراراً، قابلة هي الأخرى للتأويل الرمزي: فهي قد تعني فعلاً “عمارات شاهقة” كإشارة إلى أنّ معظم رجال الدين عاشوا في جميع عصور التاريخ – رغم كلّ دعاوى الزهد والتجرد- عيشة قصور أكثر منها عيشة أكواخ، ولكنّها قد تشير أيضاً إلى البذخ المنقطع النظير الذي شيدت به أماكن العبادة من كنائس، وبيع، وجوامع، مع أنّ المريدين (المؤمنين) المتردّدين عليها “وهم الكثرة الغالبة” حفاة خانعون)،(60) كما أنّ كتاب طرابيشي (المعجزة أو سبات العقل في الإسلام) مخصّص أصلاً لدرس (المعجزة) في الإسلام على جانبيه: السنّي، والشيعي، كما يشير عنوانه، فإنّه، وعلى صعيد الموازنة، يقف كثيراً عند المعجزات التي اجترحها (التدين) المسيحي، ممّا يشير بقوة إلى أنّ هذا الموضوع صار لازمة فكرية يفيء إليها طرابيشي دوماً كما قلنا، فحين يسوق رواية الواقدي التي (مؤداها أنّ النبي “لمّا وجّه رسله إلى الملوك، خرج ستة نفر منهم في يوم واحد، فأصبح كلّ رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم”)،(61) أقول: حين يسوق هذا الرواية يعلّق في الهامش بقوله: (…لنلاحظ أنّ هذه المعجزة – النطق باللغات الأعجمية عن غير سابق علم – تجد نموذجها الأول في المأثور العجائبي المسيحي، فقد جاء في (أعمال الرسل)، وهي بمثابة إنجيل خامس بعد الأناجيل الأربعة، أنّ رسل المسيح، في اليوم الخمسين لقيامته، كانوا مجتمعين كلّهم في مكان واحد عندما دوّت السماء ونزل عليهم من الروح القدس لسان كأنّه من نار على رأس كلّ واحد منهم، و“أخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم”، فتجمهر الناس – وكانوا في أورشليم من أمم شتى – وقد أخذتهم الدهشة لأنّ كلاّ منهم كان يسمعهم يتكلمون بلغة بلده… وستتكرّر معجزة اللغات في كلّ مرة يذهب فيها هؤلاء الرسل للتبشير في بلدان، وأمم لا يتقنون لغتها)،(62) ويكتب: (…وعلى الرغم من أن الرسول نفسه كان حذّر المسلمين في حديث منسوب إليه: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم”…)،(63) يعلّق قائلاً: (…معلوم أنّ عملية تأليه المسيح لم تتم هي الأخرى في الحقبة “المكية” من تاريخ المسيحية – أي طيلة القرون الثلاثة الأولى يوم كانت المسيحية مضطهدة – بل تمّت في حقبة “الفتوحات” يوم صارت المسيحية عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية)،(64) وحين يكتب: (…فالحضور المركزي للمعجزة في الأناجيل، وأعمال الرسل قد حال دون انفلات الخيال من عقاله، ودون اختلاق معجزات لم يرد لها ذكر في هذه النصوص التأسيسية)،(65) أقول: يسارع طرابيشي إلى التعليق في الهامش بقوله: (…على الأقل فيما يخصّ المسيح وحوارييه، وبالمقابل، وحيث لم يفرض قيد النص نفسه، أثبت المخيال المسيحي هو أيضاً، وربّما أكثر من أيّ مخيال ديني آخر، قدرته على الجموح من خلال لائحة المعجزات اللامتناهية الطول التي نُسبت إلى الشهداء، والقديسين اللاحقين)،(66) وهكذا نلاحظ ذلك الحضور الكبير لمتابعة ما في (التدين) المسيحي من أمور ينبغي كشفها، والتنبيه عليها لئلا تبقى المسائل منفردة بوجه واحد، فإماطة اللثام عن الوجوه الأخرى يضيف وضوحاً، وقدرة أكبر على الفهم، وهو ما فاء إليه في كتابه (العقل المستقيل في الإسلام) أيضاً، حين يقول: (…وإذا أبحنا لأنفسنا أن نسقط مصطلحات عصرنا على مسيحية القرون الأولى، فلنقل إنّ استقالة العقل جاءت نتيجة طبيعية لانتصار الأبستمولوجيا المسيحية، وإقالة العقل جاءت نتيجة جبرية لانتصار الأيديولوجيا المسيحية المعزّزة بقبضة السلطة الزمنية منذ تحولها إلى عقيد رسمية للدولة)،(67) ويقول: (…والثابت تاريخياً أنّ عبادة الإله سين = القمر التي اشتهرت بها حران تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد على أقلّ تقدير، ممّا يعني أنّها متقدمة في الزمن على صياغة أفلوطين لنظريته الفيضية بأكثر من اثني عشر قرناً، والثابت أيضاً أنّها كانت عبادة تثليثية، موضوعها الإله الأب سين وزوجته وابنه، ومثل هذه البنية التثليثية نلتقيها كذلك في العبادة المصرية، وفي العبادة الفينيقية، وفي عبادات أخرى في الشرق القديم، ولعلّ هذا التثليث، الراسخ في المنطقة، هو ما تحكّم أيضاً بالتطور اللاحق للمسيحية نحو عقيدة الثالثوث: إله واحد في ثلاثة أقانيم)،(68) ويعلّق في الهامش بقوله: (كان يمكن للثالوث المسيحي أن يتألف هو أيضاً من الله الأب ويسوع الابن ومريم الأم، ولكنّ عداء أساقفة مجمع نيقيا للمرأة جعلهم يؤثرون استكمال المثلث الثيولوجي بعنصر مذكّر: الروح القدس)،(69) وفي كتابه (نظرية العقل) الذي ينتشر فيه انتشاراً ملحوظاً نقد (التدين) المسيحي، ونقرأ: (…لئن تكن الواقعة الأساسية في المسيحية هي تجسّد الله في المسيح، فإنّ الواقعة الأساسية المعادلة في الإسلام هي تكلّم الله في القرآن، ولئن تكن واقعة التجسّد تخاطب في الإنسان وجدانه، فإنّ واقعة التكلم تخاطب عقله. فالمسيحية في التحليل الأخير قصة، أمّا الإسلام فخطاب موجّه إلى العقل، والمسيحي مطالب أكثر ما هو مطالب بـ“الاقتداء بالمسيح”. أمّا المسلم فمطالب بـ “الفهم عن الله” كما يقول المحاسبي. ومن هنا فإنّ القرآن دعوة دائمة إلى تشغيل الذهن لفهمه واستيعابه تفسيراً وتأويلاً واستنباطاً. هذا الاستحثاث الدائم لمران العقل هو ما يبيح لنا أن نصف الحضارة العربية الإسلامية بأنّها حضارة لوغوس مكتوب. فهي بامتياز حضارة كتاب، لا الكتاب بألف ولام التعريف من حيث هو وعاء للوحي فحسب، بل كذلك الكتاب من حيث هو وعاء المعرفة، والأداة الوحيدة لإنتاجها وتداولها. ومن وجهة النظر هذه، فإنّ ما من حضارة أخرى من الحضارات المكتوبة تصمد للمقارنة مع الحضارة العربية الإسلامية، وهذا بانتظار الثورة المعرفية للأزمنة الحديثة التي ستكرّس نمطاً حضارياً جديداً بصفة نوعية: حضارة العلم ووعائه: الكتاب المطبوع)،(70) ويكتب: (…والجدير بالذكر أنّ سقراط نفسه… تبرأ من إلحاد أنا كساغوراس، ومن إنكاره لألوهية الكواكب، وأبدى في هذا الصدد عن ازدرائه “لكتبه التي تباع في الساحة العامة بدرهم على الأكثر”… وبالمناسبة إذا كانت “كتب” أنا كساغوراس لا تزال متوفرة بأرخص الأسعار لدى ورّاقي أثينا حتى سنة إعدام سقراط (399 ق.م)، فكيف بادت هذه الكتب تماماً بعدئذ؟ ألا يعيدنا ذلك مرة أخرى إلى عملية التتريث الهلنستية والمسيحية التي قضت بالإعدام على تراث أنا كساغوراس “الملحد” لصالح تراث المثالية الأفلاطونية؟)،(71) وفي كتابه (هرطقات 2) يقف أيضاً لـ(يحاسب) ذلك (التدين) الذي لم يأخذ من (الدين) سوى القشور، ويرصد موقفين لا يمكن أن يصدرا إلاّ عن ذلك (التدين) الذي قارعه فولتير (72) من جهة، وكشف خباياه طرابيشي من جهة أخرى، وعن الموقف الأول يكتب طرابيشي: (…فمسيحية القرون الوسطى كانت تعاني من فتنة داخلية لا تقلّ ضرواة وديمومة عن تلك التي عرفها الإسلام بين سنّته، وشيعته: ألا وهي تلك التي كان يتواجه فيها روم القسطنطينية – والشرق عموماً- الأرثوذكس، ولاتين روما – والغرب عموماً- الكاثوليك. وبين الخطرين الداهمين اللذين كانا يواجهان القسطنطينية، اللاتيني والعثماني، آثرتْ أن تحتمي من الأول بالثاني، فكان سقوطها، ثمّ تحولّها الحضاري والديمغرافي النهائي من عاصمة للمسيحية الأرثوذكسية إلى عاصمة للإسلام السني. ومن هذا المنظور حصراً نُسب إلى الدوق الأكبر لوكاس نوتاروس، وزير آخر أباطرة بيزنطة قسطنطين الحادي عشر (وما أشبهه من هذه الناحية بابن العلقمي وزير المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس)، ونُسب إليه قوله: إنّه يؤثر رؤية عمامة التركي في بيزنطة على رؤية قبعة الكاردينال)، (73) ويتمثل الموقف الثاني في الرسالة التي كتبها البطريرك البيزنطي ميخائيل الأنخياليسي إلى امبراطور القسطنطينية مانويل الأول (يحذّره من التحالف مع الإيطاليين لصدّ الهجوم الوشيك للأتراك السلاجقة قائلاً بالحرف الواحد: “لن يضيرنا أن نخضع للكفار، ولكنّنا سندفع الثمن غالياً في أيّ تحالف مع الإيطاليين، إذ سنكون قد اخترنا خطراً يهدّد عقيدتنا، فليهيمن الهاجري (مسلم) على جسدي، لكن لا يذهبن الإيطالي إلى السيطرة على روحي: إذ سأخضع للأول دون تبنّي عقيدته، في حين أنني إذا أظهرت اتفاقي مع الثاني حول الإيمان، فأنا أنزع ربّي مني)،(74) وبصرف النظر عن تقويم الموقفين، غير أنّ مضمونيهما يشيران بقوة إلى أنّهما ينضحان بفكرة (امتلاك الحقيقة)، فما يؤمن به حق لا مرية منه، وما عداه هرطقة، أو كفر، أو ما شئت، ومن الطريف أنّ طرابيشي لا يترك المسألة تمرّ هكذا بلا نوع من السخرية المحبّبة، وهي التي سنقف عندها فيما بعد، وذلك من خلال رصده لقضية (تحريف القرآن) التي تنازع حولها السنّة، والشيعة، إذ يتّهم كل فريق الفريق الآخر بهذا التحريف، فنرى طرابيشي يكتب: (…والجدير بالذكر أنّ بعض رجال الكهنوت المسيحي تدّخلوا بدورهم في هذا الصراع بين السنة والشيعة حول سورة الولاية المحذوفة من المصحف ليوظّفوا لحسابهم الخاص دعوى تحريف القرآن على نحو ما فعل الأب يوسف درة الحداد في كتابه”الإتقان في تحريف القرآن“، والقمّص زكريا بطرس في تلفزيون”قناة الحياة“)،(75) فهذه النصوص، وغيرها كثير، تفصح بما لا يدع مجالاً للشك أنّ نقد (التدين) هو حجر الزاوية في فكريْ فولتير، وطرابيشي معاً، وخصوصاً في ضفته المسيحية، وهو ما أشرنا إليه مراراً، ثم لم يأتِ على لسان فولتير قوله: (…إنّ التاريخ… وتاريخ القرون الوسطى، والأزمنة الحديثة على الأقلّ، هو كتلة كبيرة من ظلام تخترقها هنا، وهناك بعض أشعة من نور، وأصل هذا الظلام هو الكنيسة، فهي في التاريخ الكتلة الكبيرة العديمة الشكل)؟(76) فالكنيسة بمراسيمها، وحرماناتها، وعدائها للتطور العلمي، وإحراقها الكتب، وقتلها المفكرين الأحرار، ومنع كتبهم، وإدعائها امتلاك الحقيقة. أقول: إنّ الكنيسة هي المقصودة، وبكلمة أخرى، (تديّن) هذه الكنيسة، وهذا حسبهما.

 

الهوامش:

1-  و(2) دوامات التدين. يوسف زيدان، ص7.
( )
3- فلسفة الثورة الفرنسية، ص61.
4- الرسائل الفلسفية، ص135-136، وتنظر: ص148.
5- رسالة في التسامح، ص85.
6- رسالة في التسامح، ص159.
7- فولتير. كريسون، ص52، وتنظر ص51 أيضاً، ويكتب: (إنّي لأطرح الآن السؤال: هل من مستتبعات القانون الإلهي التعصب، أم بالعكس، التسامح؟ فإن شئتم أن تتشبّهوا بالمسيح، فكونوا شهداء لا جلاّدين). رسالة في التسامح، ص129.
8- يكتب جان جاك روسو: (…فطفقت أبحث في مصير أولادي، وفي علاقاتي بأمّهم، وفي قوانين الطبيعة، وسنن العدالة، وأحكام العقل، وفي شريعة هذه الديانة الطاهرة المقدّسة الخالدة خلود باريها. هذه الديانة التي دنّسها البشر، وقد تظاهروا بأنّهم يريدون أن يزكّوها فلم يجعلوا منها بطقوسهم إلاّ ديانة كلمات؛ لأنّ مَن دعاك إلى أن تقوم بما يستحيل القيام به وأعفى نفسه منه، لم يتجشم كلفة باهظة). ينظر: الاعترافات، ص497.
9- متى سيظهر فولتير العرب، صحيفة (الشرق الأوسط)، بتاريخ 20/12/2013.
10- لأستبق الأحداث قليلاً، وأشير إلى صنيع طرابيشي في كتابه (هرطقات 2) حين عمد إلى تقديم مسرد تاريخي نادر عن (الحرب) السنية – الشيعية على مستويي الفعل، والكلام، وهو ما سأقف عنده في نقطة قادمة، ومع الحزن الذي داخلنا، ونحن نقرأ تلك المقتلة بين الطائفتين التي قرأنا أطرافاً كثيرة عنها في كتب التاريخ العربي التي ينقل منها طرابيشي بأمانة كعادته، أقول: مع هذا فإنّ ما يسمّيه طرابيشي بـ(حرب الكلمات) هو الذي أدهشنا، إذ يرصد عشرات من (كتّاب) الفريقين، يوسع أحدهما الآخر شتماً، وتقريعاً، وتكفيراً، مع ذهاب دعوات التقريب أدراج الرياح، فكلّ فريق مطمئن إلى أنّه يمتلك (الحقيقة)؛ وما أسهل عند ذاك (تجريم) الآخر، و(أبلسته) على حدّ وصف طرابيشي. ينظر: هرطقات 2، ص9-96.
11- ينظر: العلمانية الجزئية. العلمانية الشاملة. د. عبدالوهاب المسيري، 1/99، وفيه: (إنّ أعداء العلمانية يقولون إنّها كفر، وإلحاد، وغزو ثقافي، ثم يضيفون إلى هذا كلّ ما يبدو شرّاً مستطيراً).
12- العلمانية الجزئية الشاملة. د. عبدالوهاب المسيري، 1/294، وينظر كذلك: معارك التنويريين والأصوليين في أوربا. هاشم صالح، ص102، وقصة الاضطهاد الديني. د. توفيق الطويل، ص128.
13- العلمانية. د. محمد عمارة. مقال منشور بمجلة (الهلال)، أبريل، سنة 2000، ص185.
14- ينظر: هرطقات 2. جورج طرابيشي، ص229، وما بعدها عن (الإلحاد)، ومن تاريخ الإلحاد في الإسلام. د. عبدالرحمن بدوي، وملحدون محدثون ومعاصرون. د. رمسيس عوض، المقدمة خصوصاً، وللتفرقة بين (الإلحاد)، و(الهرطقة) ينظر: الهرطقة في الغرب، د. رمسيس عوض، ص7، وما بعدها.
15- ينظر: معارك التنويريين والأصوليين. هاشم صالح، ص31-32.
16- فولتير. كريسون، ص66-67.
17- رسالة في التسامح، ص82083.
18- معارك التنويريين والأصوليين في أوربا. ص103، ويسرد فولتير بأسلوبه الساخر هذا الموضوع الخطير، فنراه يقول: (…إذا لم يكن الله موجوداً لوجب اختراعه، فيجب أن يؤمن الناس بالله حتى تكون زوجتي أكثر وفاء لي، وخادمي أقلّ نزوعاً للاختلاس). ينظر: قصة الاضطهاد الديني. د. توفيق الطويل، ص128.
19- دراسات في النظم والمذاهب. د. لويس عوض. ص10-11.
20- فولتير. كريسون، ص115-117، وتنظر كذلك الصفحات: 62، و70، و90، و112، و118.
21- فولتير. كريسون، ص121، ويكتب: (…وأخيراً لنعبد الله من غير أن نلج في ظلام أسراره) في واحدة من تعليقاته على (المسيو بسكال). الرسائل الفلسفية، ص147.
22- هرطقات 2، ص98-99.
23-و(3) هرطقات 2، ص99.
( )
24- المصدر السابق، ص112.
25- ينظر عن هذه الجروح النرجسية: من النهضة إلى الردة. جورج طرابيشي، ص9.

 

26- دراسات في النظم والمذاهب، ص31، ويكتب د. توفيق الطويل: (…وما أصدق فكتور هوجو حين قال: نحن مع الدين على رجاله). ينظر: قصة النزاع بين الدين والفلسفة، ص31.
27- قصة النزاع بين الدين والفلسفة. د. توفيق الطويل، ص189، وينظر كذلك: قصة الاضطهاد الديني. د. توفيق الطويل، ص128، وفيه: (…وحارب فولتير الكنيسة ورجالها، وناهض التعصب، والخرافات، وجاهد لاستئصالهما جهاد الأبطال، وقاوم الاضطهاد، ومزّق جلود أهله، واحتلّت مواقفه في الدفاع عن التسامح الديني أبرز مكان في تاريخ الدفاع عن حرية الاعتقاد).
28- قصة النزاع بين الدين والفلسفة. د. توفيق الطويل، ص190.
29- فولتير. كريسون، ص59.
30- و(2) فولتير. كريسون، ص51 و ص122.
( )
31- دراسات في النظم والمذاهب. د. لويس عوض، ص40، وينظر: (كانديد)، ص25-26.
32- معارك التنويريين والأصوليين في أوربا، ص150-151.
33- يكتب فولتير نصّاً هو أقرب إلى الاعتراف هو: (إنّي أصرّح هنا، وأؤكّد أنّي ما عرفت قط جان كالاس الذي أعدمه قضاة تولوز الثمانية استناداً إلى أوهى الأدلّة… كما أصرّح، وأؤكّد أنّي ما عرفت ابنه مارك – أنطوان، الذي أوقعت وفاته الغريبة القضاة الثمانية في الخطأ، ولا أمّة، تلك السيدة الجليلة، والتعيسة معاً، ولا بناتها البريئات… ويعلم الله أنّه لم يكن لنا من دافع عندما كتبنا نعرض رأينا في التسامح، بمناسبة مصرع جان كالاس الذي ذهب ضحية عدم التسامح، سوى شغفنا بالعدل، والحقيقة، والسلام)، وهو (اعتراف) يشير إلى موقف نادر، لا نراه متكرّراً في عالمنا هذا. تنظر: رسالة في التسامح، ص177-178.
34- و(2) قصة الاضطهاد الديني، د. توفيق الطويل، ص133-134.
( )
36- فولتير. كريسون، ص38-39.
37- معارك التنويريين والأصوليين، ص152.
38- يريد طرابيشي بـ(المعلومات) ما جمعه المستشرق غولدزيهر من نصوص في بحثه (موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل)، فهي معلومات منقولة من مصادر عربية لا يرقى إليها الشكّ، وإنّما المشكلة في طريقة توظيفها والنتائج التي توصّل إليها.
39- يقصد طرابيشي هنا د. عبدالرحمن بدوي، ناقل بحثيْ غولدزيهر، وبكر إلى العربية، ويعلّق طرابيشي في الهامش قائلاً: (فيما يتعلّق بالنيّات تحديداً فإنّنا سنلاحظ أنه إزاء الإنصاف النسبي الذي يمكن أن يسجّل لبكر، والإجحاف النسبي الذي يمكن أن يؤخذ على غولدزيهر، فإنّ الأشدّ تطرفاً في الموقف السالب مترجمهما الذي رفع العلاقة مع تراث الأوائل في الحضارة العربية الإسلامية إلى مستوى القطيعة مؤكداً أن”الاتجاه العام لروح الحضارة الإسلامية ينفر نفوراً شديداً من التراث اليوناني، فيحمل عليه حملة عنيفة شعواء، وهي ردّ فعل قوي لهذه الروح ضدّ روح حضارة أخرى شعرت بما بينها وبينها من تباين يصل حدّ التناقض“)، ينظر، ص22.
39- مصائر الفلسفة، ص22-23.
40- و(5) المصدر السابق، ص22-23.
( )
42- السابق، ص39.
43- السابق، ص41.
44- المقصود هو (مجمع نيقيا) الذي عقد سنة 325 للميلاد بدعوة من الامبراطور قسطنطين، وحضره من جميع أرجاء العالم المسيحي (318) أسقفاً، وانتهى إلى تجريم (آريوس، وبدعته، وأمر بنفيه، وحرق كتبه، وإعدام مَن يتستر عليه… كما اتفق المجمع على صياغة ما اصطلح المسيحيون عليه بقانون الإيمان)، ينظر: الهرطقة في الغرب. د. رمسيس عوض، ص74-75.
45- مصائر الفلسفة، ص44.
46- يومئ طرابيشي من بعيد بـ (البيان الاعتقادي) إلى تلك الرسالة التي كتبها الخليفة القادر بالله نفسه، وأعطاها شكل”عقيدة“، وهي التي سمّيت بـ(الاعتقاد القادري)، و(هكذا، ولأول مرة في تاريخ الإسلام، وتماماً على طريقة مجمع نيقيا، غدا النّص المركزي مقيّداً بنصّ فرعي، وغدا التقيّد بالنّص الثاني مقدّماً على التقيّد بالنّص الأول). ينظر: مصائر، ص101-102.
47- مصائر الفلسفة، ص46.
48- المصدر السابق، ص49، ومن الملاحظ أنّ هذا المجمع، وغيره من المجامع يتكلم بطلاقة، وحرية باسم (الله)، أو (المسيح)، بمعنى أنّه، وحده، يمتلك (الحقيقة)، و(الحقّ)، ولم يسأل نفسه: مَنْ الذي أعطاه هذا (الحقّ)، أو (كيف) جرى كلام (المسيح) على لسان هذا المجمع؟ وهنا مكمن المشكلة الحقيقية، ومن المفيد الإشارة هنا إلى رواية (عزازيل) ليوسف زيدان التي خصصها لـ(نسطور) وخلعه، والفيلسوفة (هيباتيا) التي قُتلت بطريقة مفجعة، وممّا هو فاقع ذلك الفرق بين (الدين)، و(التدين). يكتب يوسف= =زيدان واصفاً ذلك (الأسقف) الذي شارك بحرمان (نسطور): (…لمّا رأيت الأسقف أول مرة استغربت واحترت؛ لأنّه أطلّ علينا من مقصورة مذهّبة الجدار بالكامل، هي شرفة واحدة، فوقها صليب ضخم من الخشب، معلّق عليه تمثال يسوع المصنوع من الجصّ الملّون. من جهة المسيح المصلوب ويديه وقدميه، تتساقط الدماء الملوّنة بالأحمر القاني. نظرت إلى التمثال الممزّق في تمثال يسوع، ثم إلى الرداء الموشّى للأسقف! ملابس يسوع أسمال بالية ممزّقة عن صدره ومعظم أعضائه، وملابس الأسقف محلاّة بخيوط ذهبية تغطّيه كلّه، وبالكاد تُظهر وجهه. يد يسوع فارغة من حطام دنيايا، وفي يد الأسقف صولجان أظّنه، من شدة بريقه، مصنوعاً من الذهب الخالص. فوق رأس يسوع أشواك تاج الآلام، وعلى رأس الأسقف تاج الأسقفية الذهبي البرّاق. بدا لي يسوع مستسلماً وهو يقبل تضحيته بنفسه على صليب الفداء، وبدا لي كيرُلّس (الأسقف) مقبلاً على الإمساك بأطراف السماوات والأرض). ينظر: عزازيل، 146، ولا تعليق على هذا (التوازي) بين الشخصيتين فما ورد كافٍ، ويزيد.
49- و(2) مصائر الفلسفة، ص65-66.
( )
51- يشير طرابيشي إلى هذه النقطة بشكل واضح في نصّه الآتي: (يميل بعض مؤرخي الحداثة الغربيين – يؤيدهم في ذلك بعض ضيّقي الأفق من مؤرخي الحضارة العربية والإسلامية – إلى اعتبار الإسلام بحدّ ذاته عامل القطع الأكبر مع التراث اليوناني، ونحن لا ننكر أنّ الحضارة العربية الإسلامية أقامت مع التراث اليوناني، بحكم عامليْ الدين واللغة معاً، حواجز، ولكنّها مدّت أيضاً جسوراً. فأكبر عملية ترجمة شهدها التاريخ قط، قبل مولد الحداثة الغربية، كانت تلك التي أنجزتها الحضارة العربية الإسلامية لإعادة استدماج التراث اليوناني. والواقع أنّه لم تحدث قطيعة”إسلامية“مع هذا التراث إلاّ مع دخول العالم الإسلامي نفسه في طور”انحطاط”)، وهو تشخيص دقيق، منصف. ينظر: نظرية العقل، ص122.
52- مصائر الفلسفة، ص9.
53- وممّا يشار إليه هنا تعليق طرابيشي الآتي: (…كان ابن تيمية العدو الكبير للمنطق الأرسطي، يخصّ هو الآخر… قياس المماثلة (أو التمثيل في اصطلاحه) باعتبار عظيم). نظرية العقل، ص109.
54- مصائر الفلسفة، ص9-10.
55- المصدر السابق، 103.
56- المصدر السابق، ص80، ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنّ غولدزيهر نفسه يقرّ في خاتمة بحثه المشار إليه سابقاً أنّه (وعلى الرغم من هذا كلّه فإنّ الكتب المؤلفة، تدلّنا على أنّ هذا الرأي القاضي بتحريم المنطق، وهو الرأي الذي قال به المتعصّبون، لم يكن نصيبه النجاح في السيطرة على الدراسة الدينية الإسلامية، فالمكانة التي احتلتها الكتب المنطقية… تقدّم لنا الدليل على أنّ أصوات المعارضة المعادية للمنطق قد ذهبت هباء)، ينظر بحثه في كتاب: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ص166.
57- الله في رحلة نجيب محفوظ الروحية، ص102-103.
58- المعجزة، ص51، وبعيداً عن أيّة حماسة، أو تبجيل أقول: إنّ هذا كتاب نادر في المكتبة العربية، إذ قلّما يعمد باحث عربي إلى اختراق مثل هذه الموضوعات الحساسة بهذه الصراحة العلمية، ولولا المنهجية التي نلحّ عليها دوماً، مع استكمال الأدوات، والفكر النقدي لما جاء الكتاب بهذا الشكل الناجح، وهو جدير وحده بدراسة منفصلة.
59- المعجزة، ص51.
60- و(3) المصدر السابق، ص167.
( )
62- و(5) السابق، ص179، وينظر كذلك: ص92 و97 و168 و174.
( )
64- العقل المستقيل في الإسلام، ص85 وتنظر: 37 و84 و86 و87 و88.
65- و(3) المصدر السابق، ص129.
( )
67- نظرية العقل: ص360-361، وينظر كذلك ص132 و136-137 و334-335 و374.
68- نظرية العقل، ص184.
69- بالنسبة لهذه النقطة بالذات، ينظر: رسالة في التسامح، فولتير، ص51 و ص71، وفيه: (…لمّا كانت الأسباب الخفيّة تتداخل في كثير من الأحيان مع السبب المعلن، ولمّا كان العديد من الدوافع الغامضة يلعب دوره في اضطهاد إنسان من الناس، لذا يستحيل الكشف، بعد مضيّ قرون، عن المصدر الخفيّ للمصائب التي ألمّت بأعظم الناس شأناً، وكم بالأحرى عن السبب المجهول للتنكيل بفرد ما كان يعرفه أحد سوى أبناء طائفته).
70- هرطقات 2، ص31، وممّا يضاف هنا ما ذكره د. لويس عوض عن فولتير قوله: (…ويعود فولتير إلى وصف التعصب الديني في أسلوب يفيض بالشاعرية الساخرة، موضّحاً أنّ كلّ تعصّب ديني عملية من عمليات النهب الاقتصادي… وتعلّم الزائر أنّه ما من حرب تشبّ باسم الدين إلاّ وكان غرضها نهب أموال الغير)، ينظر: دراسات في النظم والمذاهب، ص24 و26.
( ) هرطقات 2، ص33، وفي (كانديد) لفولتير يقول على لسان إحدى الشخصيات: (…وأحاطني علماً كيف سفر إلى ملك المغرب الأقصى، من قِبل إحدى القوى النصرانية لإبرام معاهدة مع ذلك العاهل توفّر له بموجبها تلك القوة، البارود والمدافع والسفن، وذلك لتساعده على إبادة تجارة باقي النصارى)، ويعلّق المترجم بقوله: (…لقد طلب ملك البرتغال مساعدة ملك المغرب الأقصى. ولم يعقد معه معاهدات ليحصل بمقتضاها على القمح والخيول فحسب، بل طلب منه جيوشاً لمساعدته في حروبه ضدّ الأوربيين). ينظر: كانديد، ص51، فكأن السياسة تتخذ من (الدين) غطاءً ثخيناً تستر به أغراضها الخفيّة، ومن هنا نرى (روسو) يكتب: (…وكانت نظراتي قد اتّسمت. مذ ذلك العهد، جدّ الاتساع؛ لأنّي درست الأخلاق درساً تناولها من الناحية التاريخية. فوجدت أنّ السياسة إليها مرجع كلّ أمر، وأنّه كيفما يُعمل، فإنّ الشعب، أيّاً كان، لا يغدو إلاّ ما على ما شاءت تنظيمات حكومته أن يكون عليه). الاعترافات، ص561.
71- هرطقات 2، ص65، وينظر كذلك: (هرطقات). جورج طرابيشي، ص65، وما بعدها.
72- فلسفة الثورة الفرنسية. برنار غروتويزن، ص65-66.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق