جورج طرابيشي ودوره في التنوير العربي (7)

– 8 –
ولا يمكن لنا، ونحن في خضمّ الحديث عن فولتير وطرابيشي، أن نغفل نقطتين مهمتين عندهما، هما التسامح، والسخرية، فلنجعل من (التسامح) نقطتنا الخامسة، على أن يكون للسخرية مجال القول في النقطة السادسة.(1)

يفتتح د. لويس عوض درسه عن فولتير بقوله: (…اقترن اسم فولتير بالدعوة إلى التسامح أكثر ممّا اقترن اسم غيره من المفكرين. وهو صاحب القول المشهور: إنّي أخالفك رأيك ولكنّي أدافع حتى الموت عن حقك في إبدائه. والتسامح عند فولتير مقترن بحرية العقيدة، وبحرية التعبير معاً، وقد شغله التنديد بالتعصب، والدعوة إلى التسامح فكتب “رسالة في التسامح” يحمل فيها على اضطهاد الإنسان للإنسان بسبب عقيدته، أو رأيه، ويوضح منافاة التعصب لجوهر الدياانات)،(2) ويقول لطفي فام: (…آب فولتير إلى فرنسا (من انكلترا) وقد اختمرت في نفسه آراؤه في التدين العقلي، والجهاد في سبيل التسامح الديني، ونشر لواء الحرية، والعدل، والمناداة بما للفضائل العملية، ومحبة الغير من جليل الأثر في ترقية المجتمع) ،(3) ولكن ما مفهوم (التسامح) الذي ظلّ فولتير ينادي به، ويدعو إليه؟

ليس بمكنتنا فهم (التسامح) عند فولتير إلاّ بمصطلح آخر، هو، في الحق، نقيضه، وهو (التعصّب)، فحين يفرد فولتير رسالة كاملة للتسامح، هي (رسالة في التسامح) نراه يتعقّب هذا الداء المخزي الذي هو (التعصب) في صفحات كثيرة من الرسالة، فليس (التعصّب)، وخصوصاً الديني منه (سوى جنون ديني كئيب، فظّ. وهو مرض يصيب العقل ويعدي كما يعدي الجدري… والتعصب إذا قورن بالإيمان بالخرافات كالهذيان إذا قورن بالحمّى، وكالغيظ إذا قورن بالغضب) ،(4) ويكتب: (…والحال أنّنا لا نفهم كيف يمكن لإنسان انطلاقاً من هذا المبدأ (التعصب)، أن يقول لإنسان آخر: آمن بما أؤمن به أنا، وبما لا تؤمن به أنت، وإلاّ كان مصيرك الهلاك، وهذا ما يقال في الواقع في البرتغال، في إسبانيا… أمّا في أقطار أخرى فقد بات يُكتفى بالقول: آمن وإلاّ أبغضتك، آمن وإلاّ ألحقت بك كلّ الأذى الذي أقدر عليه، وما دمت لا تؤمن بديني أيها المسخ، فلا دين لك إذاً، ومحكوم عليك، بالتالي، أن تكون مكروهاً من جيرانك، من مدينتك، من مقاطعتك) ،(5) ويضيف: (إنّ الحق في التعصب حقّ عبثي وهمجي إذاً. إنّه حقّ النمور وإن فاقه بشاعة، فالنمور لا تمزّق بأنيابها إلاّ لتأكل، أمّا نحن فقد أفنينا بعضنا بعضاً من أجل مقاطع وردت في هذا النص، أو ذاك) .(6) هذا ما قصدته سابقاً من امتلاك (الحقيقة)، فهو عمود التعصّب الديني، ومستنده، فإذا خرج مَن خرج على ذلك (الامتلاك) انهالت عليه التهم، فهو تارة (ملحد)، وتارة (مهرطق)، وثالثة (زنديق)، هذا في القديم، أمّا في الحديث فالتّهم تتكرّر وإن لبست لبوساً آخر، فهذا (حداثي)، وذاك (علماني)، وليس، في الأحوال جميعها، حديث (الفرقة الناجية) (7) ببعيد عنّا، فما يزال يعيش معنا، ويفرض بعض قوانينه علينا، وكأنّ الجنة لا تتسع إلاّ لفرقة واحدة بعينها، يقرّرها أكليروس تلك الفرقة، وسدنتها، غير أنّ فولتير لا يترك (التعصب) هكذا طائراً في الهواء كأنّه دخان سرعان ما يختفي، بل يعمد إلى تشخيصه، والإشارة إلى مَن قام به، فنراه يوجّه إصبع الاتهام إلى أبناء دينه، وهنا مكمن عظمته، وسرّ خلوده، ليقول لهم، ولغيرهم: (…أقولها مستفظعاً. وإنّما بصدق: نحن، المسيحيين، مَن مارسنا الاضطهاد، نحن كنّا الجلادين والقتلة. ومَن قتلنا؟ إخواننا. نحن الذين دمّرنا مئة مدينة، رافعين في أيدينا الصليب أو الكتاب المقدس، نحن الذين لم نكفّ عن سفك الدماء، وعن إشعال نار المحارق منذ عهد قسطنطين وحتى نوبات جنون آكلي لحوم البشر المقيمين في جبال السيفين) ،(8) ويكتب عن قضية (جان كالاس) أنّه (…في كلتا الحالتين يكون الغلو في الدين، حتى وإن كان هذا الدين من أقدس الأديان، قد تسبّب في جريمة نكراء، ومن ثم، إنّ من مصلحة الجنس البشري الفحص عمّا إذا كان يفترض في الدين أن يكون رحيماً، أو بالعكس همجياً) ،(9) ويقول: (إنّ العنف المسعور الذي يدفع إليه العقل اللاهوتي المغلق، والغلوّ في الدين المسيحي المُساء فهمه، قد تسبّبا في سفك الدماء، وفي إنزال الكوارث بألمانيا، وبانكلترا، بل حتى بهولندا، بقدر لا يقلّ عمّا حدث في فرنسا) ،(10) ويخلص إلى القول إنّه (لو كان اضطهاد مَن تختلف معهم في الرأي واجباً دينياً، لتعيّن علينا أن نسلّم بأنّ مَن يتسبّب في قتل أكبر عدد من الهراطقة سيكون أعظم قديس في الجنة، فما المرتبة التي سيشغلها فيها شخص ما زادت جريمته على سلب أشقائه، والزجّ بهم في أقبية السجون، بالمقارنة مع ذلك المهووس الديني الذي قتل المئات يوم عيد القديس بارتلمي؟ وهاكم الدليل على ذلك. إنّ خليفة القديس بطرس (يقصد البابا) ومجمع كرادلته معصومان عن الضلال على ما يقال لنا، وقد أيّدا، وأشادا، وكرّسا أحداث عيد القديس بارتليمي: فلهذه الأحداث، إذاً، طابع من القدسية، وهذا يعني أنّه حتى لو تساوى اثنان من القتلة في التقوى، فإنّ مَن بقر منهما بطون أربع وعشرين بروتستانتية حبلى سينعم بضعف المجد الذي سوف ينعم به مَن لم يبقر إلاّ اثنتي عشر بطناً، وللاعتبار عينه، فإنّ متعصّبي جبال السيفين كان من حقّهم أن يعتقدوا بأنّ مجدهم (11) سيتعاظم طرداً مع ارتفاع عدد من ذبحوا من الكهنة، ورجال الدين، والنساء الكاثوليكيات. فيا لها من صكوك عجيبة لنيل المجد في الأبدية!) ،(12) فها هو فولتير يفحص، ويكشف، ويسبر العمق ليصل إلى نقد (دينه) نقداً موضوعياً، خالياً من التحامل، معتمداً على الوقائع، والأحداث، وهو يعتمد عليها، أي الوقائع والأحداث، ليرى الوجه الآخر من هذا (التعصب)، وذلك حين يرى ما لدى الآخرين، وهم على غير دينه، وفكره، وقناعته، وهنا يبلغ أقصى درجات الإنصاف التي لا نجد لها نظائر كثيرة في زماننا هذا. يكتب: (…لنخرج على أيّ حال من دائرتنا الضيقة، ولنتأمل في ما يجري في بقية أرجاء المعمورة، فالسلطان الأعظم (13) يحكم بسلام، ووئام عشرين شعباً ينتمون إلى ديانات مختلفة، فهنالك نحو مئتي ألف يوناني يعيشون بأمان في القسطنطينية… والامبراطورية العثمانية تحتضن أعداداً كبيرة من اليعاقبة، والنساطرة، والقائلين بالإرادة الواحدة، وهي تضمّ أقباطاً، ونصارى من أتباع يوحنا، ويهوداً، وزراداشتيين، وبراهمانيين، وبالرغم من هذا المزيج، لا تشير الحوليات التركية إلى أيّ فتنة حرّض عليها دين من تلك الأديان) ،(14) ويضيف: (…ولو يمّمنا شطر الهند، أو بلاد فارس، أو أرض التتار، للمسنا التسامح عينه، والطمأنينية عينها… كما أنّ حكّام الصين، المعروف تاريخهم منذ أكثر من أربعة آلاف عام، لم يعتنقوا إلاّ ديناً واحداً هو دين النوحيين ،(15) القائم على العبادة الخالصة للإله الواحد، لكنّهم كانوا يغضّون الطرف مع ذلك، عن خرافات البوذية، وطوابير رهبانها الذين كانوا سيشكّلون مصدر خطر لو لم تضبطهم. وتردعهم حكمة القضاة) .(16) وأسأل: هل توقف فولتير عند هذا الحدّ؟ والعجيب أنّه لم يتوقف، إذ سار في طريقه إلى آخره، وفيّاً لما اقتنع به، ومقدّما المزيد من الشواهد، فهو لم يكتفِ بأن يشير إلى أنّ الإمبراطور يونغ تشينغ الذي يصفه بـ (العظيم)، وأنّه أكثر أباطرة الصين حكمة، وشهامة. أقول: لم يكتفِ بأن يشير إلى أنّ هذا الامبراطور قد طرد اليسوعيين من بلاده، بل يستمر ليقول: (…غير أنّه لم يقدم على هذه الخطوة، أي طرد اليسوعيين من البلاد، لأنّه كان غير متسامح، بل لأنّ اليسوعيين هم الذين كانوا غير متسامحين) ،(17) ويقدّم أدلّة كثيرة على عدم التسامح هذا، فقد (حثّوا أميراً من الأسرة المالكة على التمرد… وراحوا، وهم الذين قدموا لنشر الحقيقة ،(18) يتبادلون التهم، ويستنزلون اللعنات، وضروب التكفير على بعضهم بعضاً، والإمبراطور، بطردهم، لم يفعل أكثر من إعادة مشاغبين أجانب إلى ديارهم) ،(19) وكأنّ المعادلة قد اكتملت، ووصلت إلى نتيجتها الباهرة: نقد الذات، وإنصاف (الآخر)، فماذا يبقى بعد هذا؟

يكتب فولتير في خاتمة كتابه (رسالة في التسامح) ما نصّه: (إنّ هذا النّص حول التسامح ما هون إلاّ عريضة ترفعها الإنسانية بمنتهى التواضع إلى السلطة، والحصافة. إنّي أزرع بذرة قد تعطي، يوماً، محصولاً. لنراهن على الزمن، وعلى طيبة الملك، وعلى حكمة وزرائه، وعلى روح العقل الذي بدأ ينشر نوره في كلّ الأنحاء. تقول الطبيعة للبشر كافة: لقد جعلتكم تولدون ضعفاء جهلة… فتعاضدوا ما دمتم ضعفاء، واستنيروا ما دمتم جهلة، واحتملوا بعضكم بعضاً. وإذا ما أجمعتم على رأي، وهذا لن يحصل أبداً بكلّ تأكيد، ولم يعارضكم إلاّ شخص واحد، فعليكم أن تسامحوه؛ لأنّي أنا من جعله يعتقد ما يعتقده… ثمة صرح عظيم قد أرسيت أسسه بيدي. كان متيناً، وبسيطاً، وكان في مستطاع جميع البشر أن يقيموا تحت سقفه بأمان، لكنّهم أرادوا أن يضيفوا إليه زخرفات غريبة، هي غاية في عدم الإتقان، وعدم الجدوى، فكان أن تهاوى ذلك البناء أنقاضاً من كلّ جوانبه، فهرع البشر يلتقطون أحجاره، ويتراشقون بها. إنّي أصيح بهم: كفى، أبعدوا هذه الأنقاض المشؤومة التي هي من صنعكم، وأقيموا معي في الصرح المنيع الذي هو من صنع يدي) .(20) هل لنا أن نقول إنّ فولتير بنصّه هذا قد لخّص مفهومه للتسامح؟ وله شذرة أخرى تدعم هذا التلخيص، وهي قوله: (لا تفعل ما لا ترغب في أن يُفعل بك) ،(21) فإذا تعانق النّصان أمكننا القول إنّ التسامح هو قبول (الآخر) وفكره، وطقسه إن التزم هو بالقانون، وانتهج نهجاً مشابهاً، فالتسامح شريعة تشمل الجميع، وهي ليست خاصة بدين، أو لون، أو عرق، ومن هنا نرى فولتير يتحدّث عن (التسامح الكوني) الذي يبسط الحديث عنه في كتابه (رسالة في التسامح) مع مناقشة مستفيضة مع مَن يتّخذ رأياً مخالفاً، ويخاطب الجميع بقوله: (يا أيّها المتشيّعون لإله الرأفة! إن كانت قلوبكم قاسية، وإن كنتم، وأنتم تتعبّدون لمن يتلخّص جوهر شريعته بالعبارة التالية: أحبّوا الله، وأحبّوا قريبكم، قد حمّلتم هذه الشريعة الطاهرة والمقدسة بالسفسطات، وبالمشاحنات التي لا مخرج من متاهتها، وإن كنتم تشعلون نار الشقاق، والفتنة بسبب كلمة جديدة تارة، أو حرف واحد من الأبجدية تارة أخرى، وإن كنتم ترهنون العقوبات الأبدية ببضع عبارات تُغفل أو يساء تأويلها، أو بطقوس ما كان للشعوب الأخرى أن تعرفها، فسوف أقول لكم عندها، وأنا أذرف الدمع على الجنس البشري: انتقلوا معي إلى اليوم الذي سيقاضى فيه جميع البشر، يوم يحاسب الله كلّ إنسان حسب أعماله) ،(22) فالتسامح لا ينكر الاختلاف فهو حقيقة واقعة، غير أنّ ما نصطلح عليه اليوم بـ (التعايش) هو جوهر هذا التسامح، ولعلّ هذا الاختلاف، أو (التعدّدية) سبب رئيس في ترسيخ التسامح. يكتب: (…( ولو وجدت في انكلترا ديانة واحدة لاعترى النفوس خوف من الاستبداد، ولو وجدت فيها ديانتان، فقط لتذابحتا، ولكن يوجد فيها ثلاثون ديانة وهي تعيش سعيدة متسالمة) ،(23) ويكتب: (…فبقدر ما يزداد عدد الطوائف والنِحل تخفّ خطورة كلّ واحدة منها على حدة، فالتعدّد يضعفها، ويقلّل من شأنها، ولا سيما عندما تخضع جميعها، دونما تمييز، لقوانين عادلة تردعها. قوانين تحظر التجمعات الصاخبة، وتنهى عن الشتائم والفتنة، وتبقى فاعلة بكلّ قوة بحكم سريان مفعولها على الجميع) ،(24) والتسامح مع وجود هذه التعدديات هو ترفّع هذه الطوائف عن (صغائر) ما تختلف به مع الطوائف الأخرى، وترك التقعّر، وطلب المثالب، ونشر الوعي بأهمية هذا (التعايش)، وهو ما يفيدنا به نصّ فولتير نفسه، ولن يتحقّق هذا إلاّ (بتقدّم العقل، وانتشار الكتب الجيدة، واعتدال طبائع المجتمع) ،(25) ومع هذا، الفلسفة، والفكر الفلسفي (الذي إذا انتشر… أدّى إلى تلطيف أخلاق البشر، وهدّأ من حدّة المرض …(26) والفلسفة تضفي على النفس السكينة، والتعصب على طرفيْ نقيض مع السكينة، والمتعصبون لا يحاربون دوماً في سبيل الله، ولا يغتالون دوماً الملوك والأمراء) ،(27) ولن تكون نتيجة هذا، في حال تحقّقها، سوى احترام ملك الفرد، وحريته، ذلك لأنّ (روح الملكية تضاعف قدرة الإنسان… فلكلّ امرئ الحق في أن يملك، وأن يورّث ما ملك بالطرق المشروعة، والحرية أكبر النعم إطلاقاً… فللإنسان حرية العمل، وحرية التفكير، وحرية التعبير عن آرائه، شريطة أن لا يكون مخرّباً هدّاماً) .(28) هذا ما رأيناه عند فولتير من أفكار، ورؤى عن التسامح، وهي أفكار ما تزال حيّة، فاعلة، لها تأثيرها، وحاجتنا إليها ملحّة في وطننا العربي الذي تتنازعه التوجّهات، وتفرّقه الأيديولوجيات، وخصوصاً تلك القادمة من الخارج، فما دام الطريق أمامه متشعّباً، والمسالك متعدّدة فلن ينفعه هذا (الوافد) الخارجي بسبب اضطرابه، وافتقاده إلى معرفة ما يراه صالحاً له. أقول: هذا ما كان من أمر فولتير، فماذا سنرى عند مفكرنا العربي طرابيشي من حديث عن (التسامح) وشجونه؟

يقترن (التسامح) عند طرابيشي دوماً بالفكر الفلسفي، وانتشاره، وأخْذ المجتمع بأسبابه. وبعبارة أوضح: الأخذ بالعقلانية في الحكم في على الأفكار، والأحداث، والطوائف، وهو يرنو دوماً ببصره إلى وطنه العربي، والمآلات المحزنة التي وصل إليها بسبب الغياب المطبق للتسامح، والعقلانية، فهما أمران متلازمان، ينهجان طريقاً واحداً، ويوصلان إلى نتيجة واحدة أيضاً، فحين ينتشر التسامح يشتدّ عود الفكر الفلسفي، ومعه العقلانية، وحين يعمّ الفكر الفلسفي فلا مناص بعد هذا من تفتّح التسامح، وازدهاره، وإثماره، فكأنّ كلّ واحد منهما علة، ومعلول في الوقت نفسه، والشواهد على هذا أكثر من أن تحصى، ولو رحنا نقرأ (رسالة في التسامح) لفولتير بهذه العين، لوصلنا بيسر إلى هذه النتيجة، وهكذا نرى الفعالية الكبيرة لتحكيم العقل داخل الدين الواحد بطوائفه، وتحكيمه بين الأديان المختلفة المجتمعة في حيّز واحد. يكتب: (…فعندما يختلف الناس في الدين لا يعود من ضابط للاتفاق سوى العقل) ،(29) فهذا عن الفِرق داخل الدين الواحد، أمّا (الفرق المعدودة من خارج الإسلام) فكان يمكن للعقل أيضاً أن يكون حكَماً بينها. يكتب: (…أمّا في حالة الفرق المعدودة من خارج الإسلام، فقد يمكن للعقل أن يضطلع بالدور الحواري باعتبار أنّ العقل، حسب التعبير الديكارتي، هو “أعدل الأشياء قسمة بين البشر”، …إذ حيثما وُجد الاختلاف، اضطرّ العقل إلى الاشتغال لإيجاد أرضية مشتركة للحوار) ،(30) غير أنّ هذا لم يقع في عصر أفول الحضارة العربية الإسلامية، ولم يقع أيضاً إلى مدى كبير في واقعنا المعاصر، ولذلك، واستناداً إلى المقولة السابقة من حيث التلازم الوثيق بين الفلسفة، والتسامح، نرى طرابيشي يلحّ في مواطن كثيرة من كتبه على هذه المقولة، مستخدماً كلمة (التسامح) نفسها. يكتب: (…في شروط كهذه كان من المحتّم أن تختنق الفلسفة. فالتسامح هو أوكسجين الفلسفة بقدر ما أنّ التعصب هو ثاني أوكسيد فحمها. والفلسفة بطبعها خاصيّة، فيما الأيديولوجيا، ولا سيما إذا تلبّست مضموناً طائفياً، بجوهرها عاميّة) ،(31) ويكتب: (…والحال أنّ الفلسفة لا معيش لها إلاّ في أجواء الانفراج – النسبي على الأقل- للعصبيات، والتوترات) ،(40) وحين يتحدث عن (المرسوم المرابطي) الذي أصدره ثالث أمراء المرابطين تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين سنة 538 للهجرة الذي قضى بتعقّب كلّ مذهب غير مذهب مالك، وبتتبّع أصحاب البدع، وإحراق كتبهم، أقول: حين يسرد طرابيشي ذلك كله يعلّق عليه بقوله: (…وإزاء هذا “الحلف الأوليغارشي” (41) المعقود بين السلطة السياسية، والسلطة الفقهية في الأندلس، ليس من عجب ألاّ يكون العهد المرابطي قد أنجب سوى فيلسوف واحد: أبي بكر بن الصائغ (ابن باجّة)، بل العجب أن يكون قد أنجبه، فعندما تسدّ مسام التنفس على كلّ مذهب فقهي غير مذهب مالك، وعندما يتعرّض الشافعيون، والحنفيون، والظاهريون، وعلماء الأصول، وحتى أهل الحديث للاضطهاد، والأشاعرة، وبقايا المعتزلة، والمتصوفة للقمع، فإنّ الفيلسوف لن يكون له من نصاب آخر إلاّ أن يكون “رجيماً”، فأولئك، حتى ولو جرى تبديعهم، يبقون داخل “المدينة الإسلامية”. أمّا هو فكافر سلفاً، وخارج الملة. وليس له، بما هو فيلسوف، أيّ نصاب من الشرعية. فهو (ابن باجّة) في السرّ يقرأ، وفي السرّ يكتب، ولا يكلّم الناس – على حدّ تعبير ابن طفيل- إلاّ رمزاً، وهو، كحكم كلّ كافر، لا يرث ولا يورث، أي لا يستطيع كفيلسوف لا أن يتأسس في مدرسة، ولا أن يؤسس مدرسة، فليس له “قبل” ولا “بعد”) ،(42) ولم يَفُتْه أن يقف عند (الاعتقاد القادري – القائمي) الذي يشبه إلى مدى كبير ذلك (المرسوم المرابطي) الذي مرّ، وهو عبارة عن أربع رسائل أصدرها الخليفة القادر في سنة 409 للهجرة، وتبنّاها من بعده ولده الخليفة القائم بأمر الله في سنة 432- أو 433، ومن الواضح أنّ هذا (الاعتقاد) يستهدف (المعتزلة… وإن على نحو أشدّ إضماراً، (يستهدف) الأشاعرة الذين يؤكّد ضدّهم أنّ صفات الله “حقيقية” كلّها، وليس بينها صفة “مجازية” كما يقولون، بل إنّه بالكيفية التي يردّ بها دعوى خلق القرآن، يحلّل دم الأشاعرة بقدر المعتزلة… وأيّاً ما يكن من أمر، فإنّ القوة الإلزامية للاعتقاد القادري – القائمي لا تعود فقط إلى أنّه صادر عن مقام الخلافة في ظلّ أطول حكمين متتاليين، ومتضامنين أيديولوجياً عرفتهما الخلافة العباسية… بلّ كذلك إلى أنّه ضُمنت له، فضلاً عن الاستمرارية التاريخية، صفة الإجماع) ،(43) فماذا كانت النتيجة؟ يكتب: (…هكذا، ولأول مرة في تاريخ الإسلام، وتماماً على طريقة مجمع نيقيا ،(44) غدا النّص المركزي مقيّداً بنّص فرعي، وغدا التقيّد بالنّص الثاني مقدّماً على التقيّد بالنّص الأول، وغدا عدم التقيّد بالفرع المقيّد (بكسر الياء) للأصل “فسقاً وكفراً”. وقد اقترن الإجماع على نصّ ذي طبيعة “مجمعية” بتلاقٍ، وتطابق ما بين السلطة الشرعية التي يمثّلها الخليفة ،(45) والسلطة الأيديولوجية التي يمثّلها “الزهاد، والعلماء، والفقهاء”. وإذا أضفنا إلى ذلك سلطة الشارع العامية، كما كان يقال آنئذ، أو الجماهيرية كما بتنا نقول اليوم، أمكن لنا أن نتصوّر كيف نجمت عن هذه السلسلة من التماهيات بين سلطة التقرير، وسلطة التفسير، وسلطة التنفيذ أورثوذكسية إسلامية، انتهت إلى أن توصد أمام العقل اللاهوتي، فضلاً عن العقل الفلسفي، في الثقافة العربية، الباب الذي كانت أغلقته الأورثوذكسية المسيحية من البداية في الثقافة اليونانية) ،(46) ويعود طرابيشي إلى هذه النقطة المهمة، وهي إقصاء العقلين: اللاهوتي، والفلسفي قديماً، وحتى حديثاً. أقول: يعود إليها حين يكتب: (…وكما في كلّ الثقافات ذات الإبسمتية الدينية كان يمكن للعقل اللاهوتي أن يضطلع بدور الوسيط بين العقل الفلسفي والعقل الديني، ولكنّ اللاهوت نفسه، كشكل معقلن من الدين، ما زال منفياً من الثقافة العربية منذ أن كُفّر فلاسفة الإسلام، وطُرد علم الكلام المعتزلي خارج المدينة الإسلامية، وتقلّصت الحضارة العربية الإسلامية إلى محض حضارة فقه) ،(47) فهل يمكن للتسامح أن يتحقّق، ويسود في ظلّ هذا الإقصاء الموجع للفلسفة، ومعها بالضرورة الفكر العقلاني النقدي ،(48) ولم تقف الأمور عند هذا الحدّ، بل احتلّ مكان الفلسفة المقصاة، والمطرودة بقسوة من المدينة الإسلامية، مَن يسمّون بـ(أهل الحديث)، ولا حاجة للتعريف بهم، فالعنوان يدلّ دلالة كافية، غير أنّ أمرين يرصدهما طرابيشي عندهم هما المتعلّقان تعلّقاً كبيراً بما نحن فيه، وهما تأكيدهم امتلاك (الحقيقة) وحدهم، وثانيهما موقفهم من (العقل)، فأمّا بالنسبة إلى الأمر الأول فنرى طرابيشي ينقل نصاً من كتاب (الانتصار لأهل الحديث) لأبي المظفر السمعاني، وهو (كبير أنصار الحديث) على حدّ قول طرابيشي، والنص هو: (…ممّا يدلّ على أنّ أهل الحديث هم على حق (49) أنّك لو طالعت جميع كتبهم المصنّفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم، وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كلّ واحد منهم قطراً من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها. قولهم في ذلك واحد، وفعلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً، ولا تفرّقاً في شيء ما وإن قلّ. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم، وجدته وكأنّه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد. فهل على الحقّ دليل أبين من هذا؟) ،(50) هذا عند (أهل الحديث)، فما الذي نجده في الطرف الآخر؟. يكتب: (وأمّا إذا نظرت إلى أهل الأهواء، والبدع رأيتهم متفرّقين، مختلفين، وشيعاً، وأحزاباً، لا تكاد تجد منهم اثنين على طريقة واحدة في الاعتقاد. يبدّع بعضهم بعضاً، بل يترقّون إلى التكفير. يكفّر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره… وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنّهم أخذوا الدين من الكتاب، والسنة، وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق، والائتلاف. وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات، والآراء، فأورثهم الافتراق، والاختلاف) ،(51) ولسنا في معرض مناقشة ما ورد في النّص، فهو – كما رأينا- حاسم، قاطع، ذو نبرة حدّية عالية، وكأنّي أستحضر هنا قولة فولتير في رسالته إلى مركيز ارجانس دي بيراك، وهي: (…لا ينبغي مجادلة المتعنتين، فالمعارضة تغيظهم دوماً بدلاً من أن تنير عقولهم. إنّ الشجار لم يقنع إنساناً قط) ،(52) وما يؤكد هذا الكلام ما نعرفه عن (تاريخ الجدل) في الحضارة العربية الإسلامية، إذ بالرغم من غزارة (الجدل)، وكثرته، وتنوّعه، بين الفرق الإسلامية من جهة، وبينها وبين الأديان الأخرى، أقول: بالرغم من ذلك لم نقع على شخص، أو حادثة غيّر فيها أحدهم دينه، أو مذهبه نتيجة لمناظرة ما، أو محاورة فكرية، في الغالب، عقيمة، بل نجد على الضدّ من ذلك تماماً، وهو تمسّك كلّ فريق بما يؤمن به تمسكاً هو أقرب إلى العناد، وحين تسند سلطة ما فريقا على آخر، يأخذ (الجدل) نهجاً آخر، فيه من التسلّط، والفوقية، وتسفيه عقائد الآخرين الشيء الكثير. أقول مرة أخرى: لن نناقش ما ورد في النص للأسباب السابقة، غير أنّ هناك تعليقاً من الضروري إثباته، ونركن فيه إلى ما استقرّ في الوجدان العربي، وضمّنته العرب في أمثالها، وسارت به الركبان على مقتضى القول القديم، وهو قولهم: (لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا) ،(53) ويعلّق ابن قتيبة الدينوري على هذا المثل بقوله: (…ومَن تتبّع أحوال الناس، وأسبابهم لم يجد رجلين متساويين في خَلْق، ولا خُلُق، ولا فعال. وكيف يستوي اثنان؟ والواحد في نفسه لا تتساوى أعضاءه، ولا تتكافأ مفاصله، بل لبعضها الفضل على بعض) ،(54) ولو أردنا الاستقصاء لأطلنا، وليس هذا موضعه، فكيف أصبح (أهل الحديث) (على وتيرة واحدة، ونمط واحد) على حدّ القول السابق، وهو محال وقوعه، فهل (تحوّل مَن يسمّيه أهل الفقه بالمكلَّف إلى إنسان آلي لا يختلف عن الإنسان الآلي كما خلقه العلم الحديث إلاّ بكونه يتحرك، لا بالأزرار، بل بالنصوص، وأحكام النصوص في كلّ نأمة من نأماته) ،(55) فهم بذلك يخالفون، حتى المستقرّ في الوجدان العربي، كما قلنا، بالإضافة إلى تيقّنهم من امتلاك (الحقيقة)، وتلك من البلايا الكبرى.

هذا عن الأمر الأول، وأمّا الثاني فموقفهم من (العقل)، وهنا ينقل طرابيشي عن صاحب النّص السابق نفسه، وهو أبو المظفّر السمعاني، ومن الكتاب ذاته، وهو (الانتصار لأهل الحديث)، أقول: ينقل قوله: (إنّ طريق الدين هو السمع والأثر، وإنّ طريقة العقل، والرجوع إليه، وبناء السمعيات عليه مذموم في الشرع، ومنهيّ عنه… فبماذا يحتاج المسلم إلى الرجوع إلى دلائل العقل، وقضاياه، والله أغناه عنه بفضله، وجعل له المندوحة عنه؟… وهل زاغ مَن زاغ، وهلك مَن هلك، وألحد من ألحد إلاّ بالرجوع إلى الخواطر، والمعقولات، واتّباع الآراء في قديم الدهر، وحديثه؟ وهل نجا مَن نجا إلاّ باتّباع سنن المرسلين، والأئمة الهادين من الأسلاف المتقدّمين؟… واعلم أنّ فصل ما بيننا، وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنّهم أسّسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتِّباع، والمأثور تبعاً للمعقول، وأمّا أهل السنة فقالوا: الأصل اتِّباع، والعقول تَبَع… فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين، وعقلناه، وفهمناه فلّله الحمد في ذلك… وما لم يمكّنا إدراكه، وفهمه، ولم تبلغه عقولنا آمنّا، وصدّقنا) ،(56) أليس هذا هو (التسليم) الذي وقفنا عنده فيما سبق؟ أليس في هذا تقييد للعقول بالأغلال، وتكميم للأفواه بالأقفال؟ أليس في هذا تعذيب صريح للفلسفة، وفكرها في محاولة ملحّة لطردها من المدينة، ذلك (أنّ الفلسفة نبتة، لا تنتش، ولا تزهر إلاّ في تربة العقل، واستقلالية العقل) ،(57) وقد وقع ما أراده ذلك الجانب بحيث أدّى إلى (ثلاث نتائج، لا نغالي إذا قلنا إنّها خطيرة كلّ الخطورة من حيث انعكاساتها على جدلية التقدّم/التأخر الثقافي، وبالتالي الحضاري) ،(58) وهي النتائج التي تراها العين، وتسمعها الأذن، وتتقرّاها اليد باللمس في الواقع المؤلم الذي نستظل بظلّه اليوم.

وإنّما نذكر هذه النتائج هنا؛ لأنّها والتسامح عدّوان لدودان لا يمكن لهما أن يلتقيا، وهي: أولاً: (تغييب القرآن: إن لم يكن صريحاً فضمنياً، وإن لم منطوقاً به فمسكوتاً عنه، علماً بأنّ المسكوت عنه قد يكون أشدّ تحكّماً بالبنية الأبستمولوجية التحتية من تحكّم المنطوق به بالبنية الإيديولوجية الفوقية) .(59)
ثانياً: (تغييب العقل: (لأنّ) الأصل الاتّباع، والعقول تبع (عندهم)… ومن دون أن ينكروا العقل كلّ النكران، قلّصوا فاعليته إلى حدّها الأدنى من خلال قولهم إنّ كلّ شأن العقل أن “يضبط المعرفة” لا أنّ “المعرفة تحصل من العقل أو تثبت به”، وهذا الرفض لأي دور مستقلّ ذاتياً للفاعلية العقلية، وقَصْرُها على تنظيم المعرفة من دون تحصيلها، أو إثباتها هو ما جعل أصحاب الحديث يعادون ألدّ العداء أصحاب الكلام من حيث إنّ المتكلمين، ولا سيما منهم المعتزلة، مثّلوا، أو حاولوا بتعبير أدقّ أن يمثّلوا، حدّاً أعلى ممّا هو مأذون به لاشتغال العقل الديني في الإسلام… ولئن يكن علم الكلام لم تُغفر له استعانته بالأدلّة العقلية، حتى ولو بغرض الدفاع عن الدين، وللردّ على “أهل البدع”، فإنّ الفلسفة التي حصرت حقل اشتغالها بالأدلة العقلية، وإن ليس بالضرورة بغرض المنافحة عن الدين، ما كان لها إلاّ أن تدان من قِبل القيّمين على الإيديولوجيا الحديثية إدانة أشدّ بما لا يقاس. فمن تكلّم فقد تزندق، أمّا مَن تفلسف فقد كفر، وحكمه أن يُستتاب وإلاّ قُتل. وكذلك حكم مَن تمنطق، حتى وإن يكن بعض أهل الإسلام، مثل الغزالي، قد اعتبر المنطق أداة محايدة يمكن للمؤمن أن يداورها في الذبّ عن الدين، كما يمكن للفيلسوف غير المؤمن أن يوظّفها في خدمة إلحاده) ،(60) ويضيف طرابيشي في كلام مهمّ قوله: (…وعلاوة على الحرب الضروس التي شُنّت على علم الكلام، والفلسفة تحت شعار عدم جواز استقلال العقل بنفسه، ووجوب استتباعه للنقل، تعرضّت العقلانية العربية الإسلامية – إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير- لضربة من طبيعة زلزالية قوّضتها من داخلها، وفي ركائزها التحتية من خلال اختراع أدبيات المعجزة، والغلوّ فيها طرداً مع تقدم الزمن، فمع أنّ الإسلام – ونعني به دوماً الإسلام القرآني- قد تميّز عن غيره من الديانات التوحيدية، وغير التوحيدية بكونه ما قام في أساسه على مبدأ المعجزة،… فإنّ القيّمين على الإيديولوجيا الحديثية لم يتردّدوا في أن يخترعوا للرسول معجزات ما زادت على عشر في سيرة ابن هشام في القرن الثاني، أو الثالث لتبلغ طرداً مع تقدّم الزمن نحواً من ثلاثة آلاف معجزة في سيرة الحلبي في القرن الحادي عشر… وهذا التمديد لمعجزات النبي إلى كرامات الأولياء، وتمديد زمن المعجزات من عصر النبوة إلى تعاقب العصور مع المصادرة على دائم تجدّدها يقول وحده كلّ ما أردنا أن نقوله هنا عن هزيمة العقلانية العربية الإسلامية تحت ضغط الأيديولوجيا الحديثية، وسيادتها على مدى عشرة قرون على أقلّ تقدير) .(61)

ثالثاً: (القضاء على التعدديات في الإسلام: فمع سيادة الإيديولوجيا الحديثية، وتسييد حديث الفرقة الناجية، مُنيت التعددية، التي كانت ميّزة كبرى للحضارة العربية الإسلامية بهزيمة مثلثة الأبعاد… فعلى صعيد العلاقات مع الفرق، أو الطوائف التي من خارج الإسلام، وفي مقدمتها اليهود والنصارى، وإلى حدّ ما الصابئة والمجوس الذي بقي الغموض يحفّ بتحديد هوّياتهم، فأقلّ ما يمكن قوله عن نصاب أهل الكتاب في القرآن أنّهم كانوا موضع حوار، وأخذ وردّ، وإشادة ولوم في مالا يقلّ عن عشرين آية… والحال أنّ الإيديولوجيا الحديثية… انحرفت بموقع الحوار الذي كان لأهل الكتاب في الإسلام القرآني إلى موقع العداء… وعلى صعيد العلاقات مع الفرق التي كُفِّرت، وأُخرجت من الإسلام، والتي عدّد منها الإمام عبدالقادر البغدادي في كتابه الفَرْق بين الفِرَق وبيان الفرقة الناجية منهم سبع عشرة فرقة (فهذه، بتكفيرها وضعت في موقع العداء أيضاً)… وعلى صعيد العلاقات مع الفِرق المنتسبة إلى الإسلام، وفي مقدّمتها ما أسماه البغدادي بـ“فرق الضلال من المعتزلة” و“فرق الرفض من الزيدية والإمامية” إلخ. وهنا أيضاً لا نحتاج إلى إعادة التذكير بكلّ الدور الذي لعبته الإيديولوجيا الحديثية، بطبيعتها السنّية والشيعية، في إنزال الحرم المتبادل من قبل كلّ فرقة بالأخرى، على طريقة كنيسة القرون الوسطى) ،(70) فإذا أضفنا إلى ما تقدّم، ذلك المسرد (الطويل) الذي قدّمه طرابيشي في كتابه (هرطقات 2) (71) لما يسمّيه بـ (حرب الكلمات) على الضفتين السنية، والشيعية، قديماً، وحديثاً، وتشير هذه (الحرب) في مجملها إلى (تكفير)، و (تنجيس)، و(إخراج من الملة)، وإلى أنّ كلّ فريق هو (دين) برأسه بحيث تنتفي مقولة الفرق الإسلامية داخل الدين الواحد، الذي هو الإسلام، أقول: حين نلحظ ذلك كلّه بعين المتأمل، الحزين، نسأل: هل بقي للتسامح مكان؟ غير أنّ طرابيشي لا يترك هذه المسألة المفصلية الخطيرة بلا تقديم رؤى تحمل أطرافاً من الحلّ، فيكتب مثلاً: (…واعتقادنا الجازم في الحالة العربية – الإسلامية- وإن كنّا نتقبّل سلفاً أن يخطّئنا من قد يخطّئنا – أنّه ما لم يُعَد تفتيح ما أغلقته الإيديولوجيا الحديثة من مسامّ العقل، وفي المقدمة منه العقل الديني بما هو كذلك، فسيبقى الأمل في كسب ما كنّا أسميناه “رهان تجديد النهضة” معدوماً، وستبقى الاحتمالات جميعها قائمة للارتداد نحو ما كنّا أسميناه أيضاً بـ “قرون وسطى جديدة”) ،(72) ويكتب: (…لندع الآن المسار الخاص لكلّ من العالمين المسيحي والإسلامي، ولنطرح سؤال التاريخ الكبير، وهو في حالتنا سؤال التاريخ المقارن، ماذا حدث في هذا التاريخ؟ العالم المسيحي بعد انحطاط دام ألف سنة، بدأ يتقدّم. والعالم الإسلامي. بعد تقدمّ خمسة قرون، طفق يتراجع. العالم المسيحي انتهى إلى ما بدأ منه العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي انتهى إلى ما بدأ منه العالم المسيحي. وبدون أن ندّعي أيّ حصر لعوامل جدلية التقدم والتأخر هذه، فإنّنا نعتقد أنّ الموقف من الفلسفة، أي من مسألة العقل في خاتمة المطاف، هو من العوامل التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، فالتقدّم، وبالتالي التأخر، هو أيضاً، وربما أساساً، مسألة عقل، ومسألة عقليات. ولئن يكن العالم المسيحي غرق في ظلام الشطر الأول من القرون الوسطى فلسنا نستطيع أن نستبعد، من شبكة السببيات، طرد الفلسفة، وحتى اللاهوت، خارج المدينة المسيحية. ولئن يكن العالم الإسلامي خرق التحقيب التقليدي للقرون الوسطى، وعرف في القرون الخمسة الأولى عصراً ذهبياً مشرقاً فلسنا نستطيع أن نستبعد من شبكة السببيات أيضاً، إفساح مكان واسع للفلسفة، كما لعلم الكلام، في المدينة الإسلامية، هناك قطيعة مع العقل، وحتى مع العقل الديني. وهنا اتصالية مع العقل، بما فيه العقل الديني، ثم كان بعد ذلك، الانقلاب الكبير في التاريخ، كما في الجغرافية. العالم المسيحي، الذي انحسر غرباً مع سقوط القسطنطينية، أقلع باتجاه التقدم بعد أن كان فتح أسواره ابتداء من القرن الثاني عشر أمام اللاهوت، ثم أمام الفلسفة .(73) والعالم الإسلامي، الذي انحسر شرقاً مع سقوط الأندلس، ألقى مرساته في مستنقع التخلّف بعد أن كان طرد خارج أسواره الفلسفة أولاً، ثم علم الكلام) ،(74) ويستمر طرابيشي، وهو يرنو بطرفه إلى ذلك (الحلّ) الذي أشرنا إليه، وفي تتمّة ضرورية له، يكتب: (…ومن وجهة نظر مرحلية فإنّ مهمة ثورة لاهوتية لا تزال مطروحة على جدول أعمال العقل العربي، وهي ثورة يزيد ضرورتها إلحاحاً ما يشهده العالم العربي اليوم عن “صحوة” أو “ردّة” لما يسمّى بالأصولية التي هي في الواقع محض مرادف لتسييس العقيدة القويمة. وعندما نقول: ثورة لاهوتية، فإنّنا نعني ثورة على الطريقة اللوثرية تحرّر النّص من النّص ، وتعيد بناء عقلانيته على ضوء الحاجات الراهنة، والمستقبلية للتطور التاريخي. أمّا ثورة فلسفية على الطريقة الفولتيرية تحرّر العقل من النّص، فنعتقد صادقين أنّه لم يئن أوانها بعد. وعلى أيّ حال فليس لنا أن نتصوّر فولتير عربياً بدون لوثر مسلم) ،(75) وها هو فولتير يبزغ من جديد، ومعه لوثر، وكأن طرابيشي يشير، ولو ضمناً، إلى التسامح الذي يفتح للعقل الأبواب كي يشتغل، ويكتشف، فبدونهما لا يمكن تحقيق طرف واحد، فهما لازم وملزوم من كلا الطرفين. محال إبداع أحدهما بغير الآخر، ولكن ألم يحقّق طرابيشي بنفسه شيئاً كثيراً من هذا الذي قام بتشخيصه، وسعى لرصده؟ ولهذا موضع آخر.

– 9 –
ولعلّ الكلام محتاج إلى فضل زيادة كي تكتمل الصورة، غير أنّ ضيق الوقت ألجأ كاتب هذه السطور إلى التوقف، ولعلّه يكمل هذا (المشروع) في مناسبة أخرى، غير أنّه لا مناص من أن يختم درسه هذا بسؤال، يراه أشبه بحزّ المفصل في هذا الموضع، وهو: لماذا نجحت دعوات فولتير المتكرّرة، ولو بعد حين، ممّا هو معروف، بينما لم تؤتِ جهود طرابيشي أُكُلَها حتى الآن، وحسبما تُحدّث به الوقائع، وتخبر عنه الأحداث التي نستظلّ بظلالها؟ أهو عائد إلى الشخصية؟ أم هو راجع إلى العصر؟ أم مردّه إلى نوعية إنتاجهما الفكري، والاختلاف بينه؟ هذه أسئلة نرى من الضروري التوقف عندها مليّاً، مع محاولة مخلصة لتقديم إجابات موضوعية عنها، وهي محتاجة إلى دراسة أخرى، لعلّ الأيام تفسح لنا المجال – وقليلاً ما تفعل- للخوض في هذا الدرس مرة أخرى.

الهوامش:

1-  بسبب ضيق الوقت أرجأنا الحديث عن (السخرية) إلى وقت آخر، على أن نحقّق الكتابة عنها قبل طبع هذه الدراسة بشكلها النهائي.
2-  دراسات في النظم والمذاهب، ص23، وينظر: قصة الاضطهاد الديني. د. توفيق الطويل، ص134-135.
3- كانديد. فولتير. مقدمة المترجم، ص8.
4- فولتير. كريسون، ص122-123، وهو ينقل عن معجم فولتير الفلسفي.
5- و(2) رسالة في التسامح، ص47 و 48.
( )
7- يطيب لي، ونحن في حديث الفرقة الناجية، أن أثبت نصّاً لفريد الدين العطار المتوفى سنة 617 للهجرة، أراه وثيق الصلة بما نحن فيه من حديث فولتير عن التسامح. يقول: (…يا من ابتليت بالتعصّب، وتورطّت دائماً في الحبّ والبغض، انتبه الآن، وكن عديم التعصب، وامضِ قدماً. إنّ تعصّبك أفنى روحك، وشغلت نفسك بمعاصي الناس. تارة تقبل هذا، وتارة ترفض ذاك، فماذا يعنيك إن كان هذا في نفسه أفضل أم ذاك؟ وكلّ عمرك قضيته تقارن بين الناس، فمتى تتفرّع للعبادة؟ وغداً سترى مَن حولك في الحضرة اثنتين وسبعين فرقة، فماذا يعنيك مَن منها على صواب، ومَن على خطأ؟ ولو تمحّصت فيهم لوجدتهم جميعاً عشاقاً جاءوا للعبادة. وإنّي لأدعو إليه أن يطامن من طغيان نفوسنا، ويخرج الفضول من أدمغتنا، وأن يشغلنا بما في قلوبنا، ويبعد عنّا أهل التعصّب)، فهو يشير إلى (التعصّب)، وهو موطن الداء، وهذه الفرق الاثنتين والسبعين لن يدخل الجنة منها سوى واحدة، غير أنّه يجعل منها جميعاً فرقة واحدة جاءت للعبادة، ورصيدها العشق مع اختلاف المشارب، فكم هي مختلفة نظرة فولتير، والعطار عن أولئك المتعصّبين.
8- رسالة في التسامح، ص80، والسيفين: سلسلة جبال فرنسية تقع في وسط البلاد. ينظر الهامش.
9- رسالة في التسامح، ص19، وتنظر ص21 و 28 و33.
10- المصدر السابق، ص31.
11- يطلّ المجد هنا برأسه مرة أخرى، ذاك الذي وقفنا عنده سابقاً، ولكلّ إنسان طريقته في اكتساب هذا المجد، ولا بأس في واحدة من هذه الطرق أن يكون القتل، والتخريب وسيلتين إليه، وفي هذا من السخرية الشيء الكثير.
12- رسالة في التسامح، ص90-91.
13- الاسم الذي كان يطلق في أوربا على السلطان العثماني في الأستانة. ينظر الهامش.
14- رسالة في التسامح، ص34-35.
15- النوحيون: نسبة إلى نوح. فرقة دينية تؤمن بكينونة الدين للبشرية كافة؛ لأنّ الله طلب من نوح أن يخلّص جميع الكائنات الحيّة بدون تمييز، على عكس معظم الأنبياء اللاحقين الذين ما جاؤوا إلاّ لينقذوا أمة بعينها، ينظر هامش ص36.
16- رسالة في التسامح، ص35-36.
17- رسالة في التسامح، ص36.
18- لا تخفى سخرية فولتير في هذه العبارة.
19- رسالة في التسامح، ص36-37، ولا ينسى فولتير (اليابانيين) فقد كانوا من (أكثر الناس تسامحاً، فقد تعايشت اثنتا عشرة ديانة بأمان في امبراطوريتهم، وقد جاء الآباء اليسوعيون ليضيفوا إليها ديانة جديدة، هي الديانة الثالثة عشرة) ولكن ماذا صنع أولئك الآباء؟ (سرعان ما جهروا برفض بقية الأديان، فتسببوا في نشوب حرب أهلية لا تقلّ بشاعة عن تلك التي كانت فجّرتها الرابطة الكاثوليكية، فعمّ الدمار والخراب، ومُحق الدين المسيحي من الوجود في حمام من الدم). تنظر: رسالة في التسامح، ص37، والتعليق يبدو هنا فضولاً، وزيادة.
20- رسالة في التسامح، ص180-181.
21- المصدر السابق، ص47، وتنظر: الرسائل الفلسفية، ص162.
22- رسالة في التسامح، ص165-166.
23- الرسائل الفلسفية، ص37.
24- رسالة في التسامح، ص42، ولا نلمس هذا في الوطن العربي، وخصوصاً في البلدان ذات الأديان، والقوميات المتعدّدة، بل نجد على الضدّ ممّا ذهب إليه فولتير، إذ كانت هذه (التعددية) عامل تفرقة، بل احتراب، ولعلّ غياب القوانين، والوعي بأهميتها سبباً في هذا الوضع مع عوامل أخرى.
25- رسالة في التسامح، ص29.
26- يريد بـ(المرض)، التعصّب الديني.
27- فولتير. كريسون، ص123-124، وهو ينقل عن معجم فولتير الفلسفي.
28- المصدر السابق، ص85.
29- وحدة العقل العربي الإسلامي، ص189.
30- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص627-628، ونرى من الضروري الإشارة هنا إلى ثلاثة مشاهد، نراها ذات دلالة على نحن فيه، أولها وصف القزويني لمدينة (جرجانية)، فـ(أهلها كلهم معتزلة، والغالب عليهم ممارسة علم الكلام حتى في الأسواق والدروب، يناظرون من غير تعصّب بارد في علم الكلام، وإذا رأوا من أحد التعصّب، أنكروا عليه كلّهم، وقالوا: ليس لك إلاّ بالحجة، وإيّاك وفعل الجهّال) ينظر: آثار البلاد وأخبار العباد، ص519، فهنا نرى ازدهاراً من نوع ما للعقلانية المعتمدة على (الحجّة)، مع نبذ للتعصب، ونسبة هذا التعصب للجهّال، وما أجدرهم به. وثانيها ما يتحدث به مسكويه عن عضد الدولة البويهي من أنّه، في عهده، وبأمره (بُسِطت رسوم للفقراء، والفقهاء، والمفسّرين، والمتكلمين، والمحدّثين، والنسّابين، والشعراء، والنحويين، والعروضيين، والأطباء، والمنجّمين، والحسّاب، والمهندسين، وأفرد في دار عضد الدولة لأهل الخصوص، والحكماء من الفلاسفة، موضع يقرب من مجلسه، وهو الحجرة التي يختصّ بها الحجّاب، فكانوا يجتمعون فيها للمفاوضة آمنين من السفهاء، ورعاع العامة، وأقيمت لهم رسوم تصل إليهم، وكرامات تتّصل بهم)، ويضيف: (…فعاشت هذه العلوم وكانت مواتاً، وتراجع أهلها وكانوا أشتاتاً، ورغب الأحداث في التأدّب، والشيوخ في التأديب، وانبعثت القرائح، ونفقت أسواق الفضل وكانت كاسدة)، ينظر: تجارب الأمم، ص408، أقول: ألا يذكّرنا هذا المشهد بفردريك الثاني ملك بروسيا الذي وصفه فولتير بقوله: (إنّه يملك الفلسفة مع انكباب مجتهد، وحبّ للفنون). ينظر: فولتير. كريسون، ص26، فهناك أيضاً كان للفلسفة أهميتها، ومكانتها في ظلّ حارس يفسح لها المجال لتتحرك بحرية، أمّا النص الثالث فقد أفدناه من طرابيشي الذي ينقله من (تاريخ الإسلام) للذهبي، وفيه أنّ عبدالله بن أبي زيد الفقيه سأل أحمد بن سعدي المالكي عند وصوله إلى القيروان من بلاد المشرق: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ فقال: نعم، مرتين، ولم أعد إليها. قال: لِمَ؟ فقال: أمّا أول مجلس حضرته فرأيت مجلساً قد جمع الفِرق من السنة، والبدعة، والكفّار، واليهود، والنصارى، والدهرية، والمجوس، ولكلّ فرقة رئيس يتكلم، ويجادل عن مذهبه. فإذا جاء رئيس قاموا كلّهم له على أقدامهم حتى يجلس، فإذا تكلّموا قال قائل من الكفّار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتجّ أحد بكتابه، ولا بنبيّه، فإنّنا لا نصدّق ذلك ولا نعتدّ به، وإنما نتناظر بالعقل والقياس، فيقولون: نعم. ولما سمعت ذلك لم أعد. ثمّ قيل لي: هذا مجلس آخر للكلام. فذهبت إليه، فوجدتهم على سيرة أصحابهم. فقاطعت مجالس أهل الكلام). ينظر: وحدة العقل العربي الإسلامي، ص189، فكأنّ هذا (العالم) لم يحتمل رؤية، وسماع هذا التعدّد، والاختلاف بسبب من رسوخ ثقافته النقلية من جهة، وربمّا عجزه عن مجاراة القوم الذين لا يقرّون إلاّ بسؤدد العقل والقياس، وهو ما لم يَعْتَد عليه من جهة أخرى.
31- مصائر الفلسفة، ص92.
32- وحدة العقل العربي الإسلامي، ص184.
33- يكتب طرابيشي في الهامش: (نستعير هذا التعبير من روجيه غاردودي الذي يقدّم عرضاً جيداً لـ “محكمة التفتيش” المرابطية، ولدور “الأوليغارشية الفقهية” في “قتل الإسلام في الغرب” في كتابه: “الإسلام في الغرب، قرطبة عاصمة الفكر”)، وهذا من آيات المنهجية عند طرابيشي تضاف إلى ما سبق. والأوليغارشية الواردة في النص يراد بها (حكم القلّة، أي حكم عصبة قليلة العدد لجماعة أو مجتمع، وفق التقاليد المحلية، أو استيلاء عصبة، أو جماعة قليلة العدد على الحكم بالقوة). ينظر: قاموس الانثروبولوجيا. د. شاكر مصطفى سليم، ص695.
34- وحدة العقل العربي الإسلامي، ص170.
35- مصائر الفلسفة، ص99-101.
36- مرّت الإشارة إليه.
37- وهذا على الضدّ تماماً فيما رأيناه عند عضد الدولة في النص الذي أثبتناه سابقاً.
38- مصائر الفلسفة، ص101-102.
39- هرطقات، ص62.
40- وممّا يضاف هنا في نقطة (التسامح) عند طرابيشي تعليقه على مَنْ جعل فلاسفة الأفلاطونية المحدثة (وثنيين)، هكذا بهذه (الصفة)، فيكتب مصحّحاً، ومنطلقاً من نظرته التسامحية العقلانية: (نضع هذه الكلمة (وثنيين) بين مزدوجين للإشارة إلى حمولتها الأيديولوجية السالبة، فلا الأفلاطونيون المحدثون، ولا مَن تقدّمهم من الفلاسفة، كانوا من “عبدة الأوثان”. فهذه صفة ترذيلية ألصقها النصارى بمن تبقّى على دين الشرك من رعايا الإمبراطورية الرومانية، وكانوا في غاليتهم من الفلاحين في الأقاصي البعيدة عن السلطة المركزية. وتلك هي الدلالة الاشتقاقية أصلاً لكلمة “وثنية” PAGANISME التي تعني باللاتينية “الفلاح” PAGANUS)، ينظر: العقل المستقيل في الإسلام، ص17-18.
41- يرجى ملاحظة هذه العبارة، أي وحدهم. (أهل الحديث على حقّ)، فهي ذات دلالات كثيرة، منها امتلاكهم (الحقيقة).
42- مصائر الفلسفة، ص114-115.
43- مصائر الفلسفة، ص115.
44- فلسفة الثورة الفرنسية، ص86.
45- ينظر: فضل العرب. ابن قتيبة الدينوري، ص111، وفيه تخريج هذا المثل من كثير من المصادر.
46- المصدر السابق، ص112.
47- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص629.
48- المصدر السابق، ص620-621.
49- هرطقات، ص61.
50- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص619.
51- المصدر السابق، ص619.
52- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص620-622.
53- المصدر السابق، ص623-624.
54- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص625-627.
55- ينظر هرطقات 2، ص33-89، وأشرنا إليه فيما سبق.
56- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص631.
57- وفي إشارة مهمة يذكر ابن خلدون ما نصّه: (…كذلك بلغنا لهذا العهد أنّ هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة، وما إليها من العُدوة الشمالية نافقة الأسواق، وأنّ رسومها هناك متجدّدة، ومجالس تعليمها متعدّدة، ودواوينها جامعة متوفّرة، وطلبتها متكثّرة – والله أعلم- بما هنالك، وهو ما يشاء، ويختار)، المقدمة، ص519.
58- يستدرك طرابيشي في الهامش ليكتب: (…إنصافاً للحقيقة التاريخية يجب أن نذكر أنّ إغلاق العالم العربي الأسوار على نفسه جاء أيضاً تحت ضغط جائحتين مدّمرتين للحضارة: الغزو الصليبي، والغزو المغولي)، ينظر: مصائر الفلسفة، ص121-122، ويضاف هذا الهامش إلى ما سبق عن موضوعية طرابيشي، ومنهجيته، ويضاف هنا ما كتبه طرابيشي في كتابه (هرطقات)، ص59، وما بعدها، تحت عنوان (الفلسفة العربية المستحيلة)، إذ يبيّن في هذا البحث الأسباب التي تمنع من ظهور فلسفة عربية في وقتنا الحاضر، وقبله بقليل، وهي ثلاثة أسباب، ولأهميتها، نرى الرجوع إلى الكتاب نفسه لقراءتها بعناية. وتأكيداً لما ذهب إليه طرابيشي عن (الفلسفة العربية المستحيلة) في واقعنا الحاضر، أشير إلى دراستين نشرتهما في مجلة (نزوى) العمانية، العدد الأربعون. أكتوبر، سنة 2004، وهما: (محنة الفلسفة وأزمة العلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية، دراسة تطبيقية في فلسفة العلوم الإنسانية). سعيد توفيق، و(رغم أهميتها في الحياة والعلم، الفلسفة تعيش مأزقها وتردّي أوضاعها في البلاد العربية). موسى وهبة ومحمد حجيري، ففيهما عرض مطوّل لحال الفلسفة في المجتمع العربي عموماً، وحالها في الجامعات العربية، والخليجية خصوصاً.
59- مصائر الفلسفة، ص125-126.

المصادر والمراجع
أولاً: الكتب:
1- الإتقان في علوم القرآن، السيوطي. قدّم له وعلّق غليه محمد شريف سكّر. راجعه مصطفى القصّاص. دار إحياء العلوم. بيروت. مكتبة المعارف، الرياض. الطبعة الأولى. سنة 1987.
2- آثار البلاد وأخبار العباد. زكريا بن محمد القزويني. دار صادر. بيروت. لبنان. سنة 1969.
3- الأسلوبية وثلاثية الدوائر البلاغية. د. عبدالقادر عبدالجليل. دار صفاء للنشر والتوزيع. عمّان. الأردن. الطبعة الأولى. سنة 2002.
4- الاعترافات. جان – جاك روسو. ترجمة خليل رامز سركيس. المنظمة العربية للترجمة بالتعاون مع اللجنة الوطنية اللبنانية اليونسكو. بيروت. الطبعة الأولى. سنة 2012.
5- الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية. جورج طرابيشي. دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت. لبنان. الطبعة الثالثة. سنة 1988.
6- أليس الصبح بقريب؟ التعليم العربي الإسلامي. دراسة تاريخية: آراء إصلاحية. فضيلة الشيخ سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور. الشركة التونسية لفنون الرسم. تونس. الطبعة الثانية. سنة 1988.
7- تجارب الأمم. أحمد بن محمد مسكويه. القسم الأخير. الجزءان الأخيران. تحقيق أمدروز. مطبعة شركة التمدّن الصناعية. القاهرة. مصر. سنة 1915.
8- تحليل الخطاب الشعري. استراتيجية التناص. د. محمد مفتاح. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب. الطبعة الرابعة. سنة 2005.
9- التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية. دراسات لكبار المستشرقين. ألّف بينها وترجمها عن الألمانية والإيطالية عبدالرحمن بدوي. دار النهضة العربية. القاهرة. الطبعة الثالثة. سنة 1965.
10- الجمر والرماد. ذكريات مثقف عربي. هشام شرابي. دار الطليعة. بيروت. الطبعة الثانية. سنة 1988.
11- دراسات في الفلسفة المعاصرة. د. زكريا إبراهيم. الناشر مكتبة مصر. دار مصر للطباعة. القاهرة، سنة 1968.
12- دراسات في المعاني والبديع. د. عبدالفتاح عثمان. مكتبة الشباب. القاهرة. سنة 1982.
13- دراسات في النظم والمذاهب. د. لويس عوض. منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. الطبعة الأولى. سنة 1962.
14- دوامات التدين. يوسف زيدان. دار الشروق. القاهرة. الطبعة الثانية. سنة 2013.
15- دليل الناقد الأدبي. د. ميجان الرويلي ود. سعد البازعي. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب. بيروت. لبنان. الطبعة الخامسة. سنة 2007.
16- الرسائل الفلسفية. فولتير. ترجمة عادل زعيتر. دار المعارف بمصر. سنة 1959.
17- رسالة في التسامح. فولتير. ترجمة هنرييت عبودي. دار بترا للنشر والتوزيع. رابطة العقلانيين العرب. دمشق. سوريا. الطبعة الأولى. سنة 2009.
18- سارق النار (طه حسين). د. محمود السمرة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. عمّان. الطبعة الأولى. سنة 2004.
19- السلطان. آراء جديدة في الفلسفة والاجتماع. برتراند راسل. ترجمة خيري حمّاد. دار الطليعة. بيروت. الطبعة الأولى. سنة 1962.
20- ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب. مقاربة بنيوية تكوينية. محمد بنيس. دار التنوير للطباعة والنشر. بيروت. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. الطبعة الثانية. سنة 1985.
21- عزازيل. يوسف زيدان. دار الشروق. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 2008.
22- العقل المستقيل في الإسلام. جورج طرابيشي. دار الساقي. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2004.
23- العلمانية الجزئية. العلمانية الشاملة. د. عبدالوهاب المسيري. دار الشروق. القاهرة. الطبعة الثانية. سنة 2005.
24- فضل العرب والتنبيه على علومها. ابن قتيبة الدينوري. تقديم وتحقيق د. وليد محمود خالص. هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث. دولة الإمارات العربية المتحدة. الطبعة الأولى. سنة 2010.
25- فلسفة الثورة الفرنسية. برنار غروتويزن. ترجمة عيسى عصفور. منشورا بحر المتوسط ومنشورات عويدات. باريس. بيروت. الطبعة الأولى. سنة 1982.
26- فولتير. حياته – آثاره- فلسفته. أندريه كريسون. ترجمة د. صباح محيي الدين. منشورات عويدات. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 1961.
27- قاموس الانثروبولوجيا. انكليزي – عربي. د. شاكر مصطفى سليم. مطبوعات جامعة الكويت. الطبعة الأولى. سنة 1981.
28- قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام. د. توفيق الطويل. دار الفكر العربي. القاهرة. سنة 1947.
29- قصة النزاع بين الدين والفلسفة. د. توفيق الطويل. دار مصر للطباعة. القاهرة. الطبعة الثانية. سنة 1958.
30- كانديد أو التفاؤل. فولتير. تعريب لطفي فام. مطبعة الرسالة. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 1946.
31- كنديد. فولتير. تعريب الطيب بن رجب وتعليقه. دار الجنوب للنشر. تونس. سنة 1998.
32- المثقفون في الحضارة العربية. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. د. محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. لبنان. الطبعة الثالثة. سنة 2008.
33- المرايا المحدّبة. من البنيوية إلى التفكيك. د. عبدالعزيز حمودة. سلسلة عالم المعرفة الكويتية. رقم (232). سنة 1998.
34- معارك التنويريين والأصوليين في أوربا. هاشم صالح. دار الساقي. بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2010.
35- معجم المصطلحات البلاغية وتطورها. د. أحمد مطلوب. مكتبة لبنان ناشرون. بيروت. الطبعة الثانية. سنة 1996.
36- المقاييس البلاغية في تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور. د. حواس بري. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. عمّان. الطبعة الأولى. سنة 2002.
37- مقدّمة ابن خلدون. اعتنى به هيثم جمعة هلال. مؤسسة المعارف للطباعة والنشر. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2007.
38- ملحدون محدثون ومعاصرون. د. رمسيس عوض. سينا للنشر. مؤسسة الانتشار العربي. القاهرة. بيروت. لندن. الطبعة الأولى. سنة 1998.
39- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. النشأة المستأنفة. جورج طرابيشي. دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب. بيروت. الطبعة الأولى. سنة 2010.
40- من النهضة إلى الردّة – تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة. جورج طرابيشي. دار الساقي. بيروت. الطبعة الثانية. سنة 2009.
41- منهاج الأدباء وسراج البلغاء. صنعة أبي الحسن حازم القرطاجني. تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة. دار الغرب الإسلامي. بيروت. الطبعة الثالثة. سنة 1986.
42- نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية. محمد أركون. دار الساقي بيروت. لندن. الطبعة الأولى. سنة 2011.
43- نزار قباني وعمر بن أبي ربيعة – دراسة في فنّ الموازنة. د. ماهر حسن فهمي. دار نهضة مصر للطبع والنشر. القاهرة. سنة 1971.
44- نيتشة. عبدالرحمن بدوي. ملتزم الطبع والنشر مكتبة النهضة المصرية. القاهرة. الطبعة الرابعة. سنة 1965.
45- هرطقات. جورج طرابيشي. دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب. بيروت. الطبعة الثالثة. سنة 2011.
46- هرطقات 2، عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية. جورج طرابيشي. دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2008.
47- الهرطقة في الغرب. د. رمسيس عوض. سينا للنشر. مؤسسة الانتشار العربي. القاهرة. بيروت. لندن. الطبعة الأولى. سنة 1997.
ثانياً: المقالات:
48- إنّي أتّهم لأميل زولا: عن دور المثقفين في اللحظات القاسية. إبراهيم العريس. مقال منشور بصحيفة (الحياة) بتاريخ 9/11/2012.
49- التسامح الفلسفي والعنف الأيدلوجي في خطاب فولتير. د. قاسم جمعة. مقال منشور بمجلة (الأقلام) العراقية. العدد الثاني. السنة الثامنة والأربعون. أيار/ مايو – آب/ أغسطس. سنة 2013.
50- رغم أهميتها في الحياة والعلم. الفلسفة تعيش مأزقها وتردّي أوضاعها في البلاد العربية. موسى وهبة ومحمد حجيري. مجلة (نزوى). العدد الأربعون. اكتوبر. سنة 2004.
51- العلمانية. مذاهب ومصطلحات. د. محمد عمارة. مقال منشور بمجلة (الهلال). أبريل/ نيسان. سنة 2000.
52- محنة الفلسفة وأزمة العلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية. دراسة تطبيقية في فلسفة العلوم الإنسانية. سعيد توفيق. مجلة (نزوى). العدد الأربعون. أكتوبر. سنة 2004.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق