المخرج الفلسطيني “فجر يعقوب”: صرنا أقرب إلى متسولين غير نافعين في حقول المجتمع الإعلامي الشامل

يعتبر فجر يعقوب من المخرجين الذين تفتح أفلامهم آفاقا لافتة لصنع عالم سينمائي يشتغل على التّوثيق مع فرض تصوّر جمالي لا يخلو من شاعريّة، وهو في الآن نفسه يحفر في الذاكرة الجماعيّة من خلال استحضار تاريخ الأفراد الذي يرتبط بصفة لا واعية بالزمن وعلاقته بالمكان ويطرح مسألة الهويّة في عالم بصدد التشكّل من جديد. 

كيف استفاد المخرج فجر يعقوب من تقطيع النص الشعري الحر في بناء أفلامه؟

 نظريا، كنت – ومازلت – أعتقد أن الشعر من باب المجاز هو الأقرب للصورة السينمائية. صحيح أن الصورة في الأدب تنتج بالضرورة من مخيال يجمع بين الدال والمدلول، وأن الصورة السينمائية لا تعترف بهذا الجسر بينهما لطبيعتها السينماتوغرافية البحتة إلا أن التقطيع الفذ الذي قد ينتج هنا يعطي أبعادا عميقة للصورة لم تكن تخطر ببال مبدعها. ولا يغيبنّ عن بال أحد هنا مدى حذق سيرغي ايزنشتاين في شغله على شعر الهايكو الياباني في وقت مبكر من عمر المونتاج السينمائي بفضل يقينه بأهمية هذا التقطيع في شغله السينمائي نفسه.

 السينما التوثيقية كأداة مقاومة هل يمكن أن تتفوق على الفنون الأخرى في عصر المعلومة /الصورة البرقية؟

أعتقد أن مستقبل الصورة الوثائقية سيكون حازما وحاسما في آن معا في ظلّ “تغول” المجتمع الاتصالي الشامل، وقد نلحظ في أوقات قريبة كيف أن الانفجار الإعلامي في مختلف مناحي الحياة ترك تأثيرات عظيمة على هذا المستقبل، إذ يمكن القول إن الإنسان الجديد يولد الآن من رحم هذه الصورة، وإذا ما قرأنا شيئا في رسائلنا الصورية إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تعنى “اجتماعيا” بكل ما يصوّر في عالمنا، فإننا سندرك هذا الشقاق الذي تولده الصورة في عصر لم يعد مقبولا فيه القول إن السينما أداة مقاومة بالمعنى السائد للكلمة. اليوم تأخذ هذه السينما أبعادا وقيما أخرى لم يكن ممكنا الحديث عنها لولا هذا الانفجار الرقمي الكوني الذي أدى إلى انقلابات حرّة وخطرة في عموم الحياة البشرية.

أنت شاعر وصحفي ومترجم وروائي هل اليومي ما زال مادة صالحة للقص وإعادة صوغه وفق صيغ جمالية فنية متنوعة؟

نعم، وربما أصبح أكثر قربا من اليومي الذي ضاع في زحمة الشعارات والقضايا الكبرى التي لم نخلص لها، ولم تخلص هي لنا. اليوم نجد أنفسنا مرغمين على قبول هزيمة الأدوات الأخيرة التي جمعناها في عصر الايديولوجيات المعطّلة، وصرنا أقرب إلى متسولين غير نافعين في حقول المجتمع الإعلامي الشامل.

 تقوم أفلامك على شخصيات واقعية ظاهريا تحكي بتلقائية …. لكنها تثير أسئلة المأزق الذاتي في التعاطي مع أزمة الانتماء لرقعة جغرافية معينة كيف يمكنك تطويعها سينمائيا لذلك؟

في الحقيقة العمل في مجال الأفلام الوثائقية بقدر ما يبدو منفرجا على هموم مطواعة وسهلة التركيب بقدر ما هي صارمة أكثر ولا يمكن التساهل معها أو مع أولئك البشر الذين يقبلون أن يؤدوا أدوارهم الحقيقية أمام الكاميرا باستعجال أو بتدقيق أكثر.

 الدوكودراما جعلت منك شاعر السينما الوثائقيّة فإلى أيّ حدّ طوّعت قراءاتك الأدبية للوصول بالمشاهد إلى إعادة طرح أفلامك بمستويات متباينة أحيانا في فهمها؟

لا أميل كثيرا إلى انتزاع الألقاب هنا في هذا المضمار مع إدراكي أن شاعر السينما الوثائقية قد يبدو بعيدا بقدر ما هو قريب من هذه السينما في أمكنة أخرى..تبدو أحيانا معركة الإنسان الأرضي مع قيم عليا غيبية أو مادية أسهل من انتزاع اعترافه بأن الشعر ما زال هو اللقب الأول الذي تتضمنه السينما الوثائقية في شغلها على ترتيب كل ماهو ممل ومضمر في الحياة اليومية لأعداد كبيرة من البشر.

 في أفلامك جمالية عالية أرجعها البعض إلى انفتاحك على المدرسية الشرقية والسوفياتية معا في السينما كيف تفسر هذه الميزة؟ 

يجب ألا تفلت السينما عموما من تقدير الجماليات. الإنسان الأرضي الذي أرمي إليه يمتلك جماليات تعنف الشرّ إن أراد، والعكس صحيح. أي أن العنف قد يولد مع هذه الجماليات على شاكلة وردة مفترسة، وقد يكون الأمر بحاجة لتوضيحات أكبر حين يوغل هذا الإنسان في الشرّ حتى أذنيه دون أن يدرك أن الأرضية التي تجمعه بالآخر أوسع وأرحب وأجمل من عملية الغرق التي يعدّ نفسه لها حتى يثبت أن الجماليات التي يحكى عنها في بطون الكتب ليست إلا تفسيرا مثاليا من باب لزوم ما لا يلزم. أما مسألة المدارس فلا أعتقد اليوم أنها تملك التأثيرات الكبيرة التي امتلكتها يوما ما.

 أنت قمت بترجمة بعض أعمال مخرجين عالميين هل تعتبر نفسك أمينا في إيصال ما كان المخرج يريد إيصاله خاصة وانك من نفس المجال؟

مهما بلغت دقة وحرفية وروحية ترجمة أي نص إبداعي سينمائي، فإن في الأمر خيانة ما. ولكن كما لا يمكن تعلم اللغة اليابانية مثلا لقراءة (عرق الضفدع )، شبه السيرة الذاتية للمخرج الكبير أكيرا كوروساوا، فإن وجود ذلك الشؤم الإنساني الذي قد تتيحه قصة الضفدع هنا في عملية استخلاص مرهم مفيد للحروق في الحروب التي قد يشنها الإنسان ضد أخيه الإنسان من باب خيانة فعل الإخاء الإنساني نفسه، فإن المحافظة على روحية كل هذه النصوص تبدو مستحيلة تماما.

 حواراتك الصحفية لمخرجين وكتاب سيناريو ممثلين..هل أفادتك سينمائيا بمعنى أدقّ هل جعلتك تتجاوز ما سقط فيه غيرك من التعامل بخفة او سطحية مع السينما الوثائقية؟

حتى اللحظة مازلت أجد متعة كبيرة بالحوار مع مخرج أو مصور أو ممثل ولا أعتقد أنني سأترفع عن هذه المتعة التي تضاهي صناعة فيلم أحيانا. لا أستطيع أن أنسى رحلة تأليفي كتاب “كياروستامي”: “فاكهة السينما الممنوعة” . أجد أنه بوسعي أن أعيد كتابة نصوصه من زاوية مختلفة لو تسنى لي اللقاء ثانية بهذا المخرج الكبير.

كلنا يعلم أن الشريط السينمائي الدرامي الطويل يتحمل بعض الهفوات أحيانا وحتى فشل السيناريو أو أداء بعض الممثلين لكن الشريط الوثائقي يبدو أكثر صرامة كيف يمكن فهم ذلك؟

في السينما الروائية يخضع الجميع لمعايير السيناريو الحديدي الذي يلزم به المنتج وأحيانا المخرج، إن كان من أصحاب سينما المؤلف، كلّ العاملين في الفيلم. لكن في السينما الوثائقية يخضع الجميع لمعايير الواقع الحديدي الذي وان بدا للوهلة الأولى منشطرا على نفسه ويحتاج لتأويلات من أي نوع، إلا أن إعادة تركيبه تفرض نوعا من الصرامة تتجاوز في أحيان كثيرة السينما الروائية ونظام نجومها ونجماتها ومخرجيها.

ما هي الصعوبات التي يجدها فجر يعقوب مخرج هذه النوعية من الأفلام في هذا التوقيت الذي يصعب فيه فرز الرديء من العالي الجودة؟

الصعوبات كثيرة وربما لا يمكن حصرها بنوع واحد، ولكن انفجار البث الفضائي الرقمي ووجود فضائيات مهتمة بتمويل وإنتاج وعرض الأفلام الوثائقية يخفف كثيرا من هذه الصعوبات، ومن يملك المشاريع المقنعة لهذه المحطات يمكنه أن يعمل من باب تطويع هذه الصعوبات والالتفات لما هو جوهري في عملية صناعة هذه النوعية من الأفلام من دون تجاهل أزماتها التي تولد أيضا وتتفرع عن مطبات جوهرية فيها نزوع نظري نحو استقلال هذه السينما وتخليصها من ارتباكات شقية أقل ما يقال فيها إننا مازلنا بعيدين عن عالم الصورة بالمعنى المتعارف عليه.

أنت تعول كثيرا على ذكاء المشاهد في اختيار الموسيقى والأماكن والألوان وحركة الكاميرا هل تعتقد أن ما تريد إيصاله وصل إليه ولو بنسبة مقبولة؟

لا أحد يخفي نزوع المبدع عموما إلى تبني المشاهد الذكي، وهذا رهان مشروع، ففي معظم الأدبيات التي تعنى بالفن كان ثمة تأويل لهذه المشاهد ودوره في التلقي، فمن يريد في النهاية أن يستمتع ويتذوق عليه أن يمتلك القدرة على تأويل الصورة وأبعادها من دون الغرق في أبعادها الرمزية والنظرية، لذلك تبدو السينما الوثائقية اليوم بفعل هذا الانفجار الإعلامي الشامل مثل شيفرة مركبة يمكنها أن تبعث برسالتين أو أكثر في الوقت نفسه لمشاهد ذكي واحد صار يعيش بيننا ولايمكن خداعه بسهولة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق