التنويري / عبد الناصر حسو

لم يكن يدرك ذلك الشاب المتحدر من تلول حصين البحر والمتسارع الخطى باتجاه المعرفة في دمشق والقاهرة وباريس أن خطاه لا تعرف التثاقل تجاه القضايا الوجودية للإنسان وأن أحلامه لا تخبو وقواه لا تخور رغم الخيبات المتلاحقة، كان يبحث عن إطار أو وعاء يضع فيه أفكاره في النهضة العربية رافضاً هذا الواقع متمرداً على آلياته متأثراً بالنزعة القومية والتقدمية والاشتراكية، معتقداً أن الصحافة التي درسها قد تشكل له رافداً في صوغ هذه الأفكار، ليجد في المسرح، الأكثر تعبيراً وصدقاً والتصاقاً بحياة الجماهير العربية التي تشكل الأمية فيها نسبة عالية جداً، رسالة تصل إلى جميع شرائح المجتمع، هذا المسرح المتمرد على قيوده الغربية، ورغم حداثته في التربة العربية، تبنتها الحكومات العربية الخارجة للتو من نير الاستعمار ليصبح المسرح هاجسه وقدره وحواره المتعطش، معتبراً أنه أكثر الفنون قابلية للصراعات الاجتماعية وللجدل الفكري وللكشف عن الجوانب الإنسانية في شخصية المواطن البسيط والحاكم ورجل الدين والتاجر، كونه عملاً جماعياً بامتياز مؤمناً بجماعية التغيير والتمرد، والمسرح وسيلة جمالية يقدم من خلالها مراجعاته الفكرية حول العام والذات، ولم يثنه هذا المسرح عن الكتابة في القصة والرواية والمقالات طالما تعبر عن أفكاره التي رافقته حتى آخر يوم في حياته.

إنه سعد الله ونوس، الشاب المتمرد والمؤمن بوحدة الجماهير العربية في وجه الأنظمة العربية المستبدة، فيصطدم بانهيار الوحدة، وتشكل هزيمة حزيران صدمة أشبه بشلل في التفكير بالنسبة للمثقفين، وعجز عسكري بالنسبة للأنظمة العربية، حتى تطال كل مواطن عادي، فيقطع دراسته في باريس احتجاجاً واستنكاراً لما حصل، علّه يفعل شيئاً في دمشق أو ينضم إلى مجموعة المحتجين، لكن الأمر بقي مثلما كان في سابق عهده. يكتب أديب خضور: (مساء الخامس من حزيران، كان سعد الله ونوس في باريس، وكنت وقتها في لندن، رن جرس الهاتف في شقة صديق لنا في لندن، وكان سعد الله يتحدث من باريس، لم يستطع تقطيع الألفاظ، كان يبكي، بعد أيام قليلة حزمنا حقائبنا وعدنا إلى دمشق..).

لماذا هزمنا؟

تطايرت الكلمات الكاذبة والخطب الملفقة والبيانات العفنة من وسائل الإعلام، محاصرة الإنسان العربي (فتداعت اللغة كأبنية من رمل وزبد)، محولة هذه اللغة الميتة إلى فعل مقاوم شرس في مسرحياته للتحريض على الدجل وكشف الأقنعة.

تعيده الرسائل المتواترة من أصدقائه إلى باريس ثانية، ليشارك انتفاضة طلاب جامعات فرنسا في 1968، مع الطلبة العرب، وليرفع شعارات في وجه الصهيونية وممارستها اللاإنسانية فيمارس فعله السياسي شارحاً القضية الفلسطينية، فيتضامن جان جينيه والمتمردون الفرنسيون مع القضية الفلسطينية، ويمضي فترة قلق ومعاناة بمحاصرة أسئلة تتقافز مع قلقه حول هويته وموقعه الفكري ليمتد التساؤل الى أدواته الفنية، من نحن، ولماذا هُزمنا؟

فيجدد تمرده على الواقع، واقع الحكومات والأنظمة ولا يستثني الشعوب في بعض الحالات، ويمارس بوهيميته في شوارع دمشق مع مهرجانها المسرحي، باحثاً في غرفها الصغيرة عن فسحة غضب أو تمرد بشعارات يكتبها على جدارن الغرفة والتي ظلت حتى اليوم شاهداً متخفية وراء ورق الجدران مع فواز الساجر القادم من موسكو.

يستمر في تحريضه من خلال موضوعات مسرحياته، مؤكداً في كلمته التي ألقاها في اليوم العالمي للمسرح (ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ)، فيتجدد الأمل، ولا يستسلم لليأس، معارضاً في ذلك مقولة كاتزنزاكي (لا جدوى يا يسوع) في رواية المسيح يصلب من جديد، هكذا كان ونوس يجدد أمله في الفيلم الأخير وهو يحتضر، معتقداً أن الشعارات والكلمات لا يمكن أن تصمد أمام همجية البرابرة، متجاوزاً الأشكال الدرامية أو غير مهتم بالأجناس الكتابية بقدر اهتمامه بالفعل الذي يحرض الجمهور على التغير، مبتكراً أو مقتبساً طريقة خاصة في الكتابة، لتعرية واقع الهزيمة ممزقاً الأقنعة عن الوجوه، معتقداً أن الفعل المسرحي سيصنع تظاهرة أو انتفاضة في مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران، ليلفت إليه ليس أنظار المثقفين السوريين بل العرب أجمع.

تلاحقه الخيبة من الجمهور الذي حضر العرض والذي لم يحدث احتجاجاً ولا ثورة في شوارع دمشق ولا في مدرجات المسرح بعد التصفيق، كما لم يفقد الأمل من الجماهير، فيعيد قراءة نفسه وقراءة تجربته وقراءة اللحظة الواعية ليس لأنه غير مقتنع بالتجربة والأفكار التي نادى بها بل لأن المتغيرات السياسية والفنية تغيرت بسرعة، ويبدو أن وعي اللحظة لم يحن بعد، يقول في هذا السياق: (إن هزيمتنا لا تعني أن الأفكار التي كنا نتبناها وندافع عنها كانت خاطئة.. لا. لم تكن أفكار الحرية والديموقراطية والعقلانية والوحدة العربية والعدالة الاجتماعية أفكارا خاطئة. ولكن جيلنا لم يعرف كيف ينتصر بأفكاره ولأفكاره).

مسرح جديد

باحثاً هذه المرة أيضاً عن سبل جديدة للتمرد والتحريض والفعل الثوري وإخراج الجمهور من سلبيته، فيشكل ثنائياً في التجريبي لمسرح جديد قد يؤدي إلى خلق جمهور جديد، لكن الجمهور أيضاً يخذله، فيراجع نفسه مرة أخرى بأن الكلمة تبقى كلمة، ولا يمكن أن ترقى إلى مستوى الفعل، وليصمت عشر سنوات، فيخرج عن صمته بهيئة المتنور، مقتنعاً بأنه لا يمكن ان تغير ما في النفوس، إن لم تكن النفوس ذاتها واعية للحظتها التاريخية، لم يحاول أن يقدم وعياً جاهزاً للجمهور، بل كان أراد أن يبني الوعي لديهم. لكن الجمهور لم يخرج عن سلبيته، ولم يعِ شرطه التاريخي، بل تراجع أكثر.

قدم ونوس في إحدى مقابلاته مراجعة نقدية قاسية لتجربته المسرحية، كان يطمح في أعماله إلى تحويل الكلمة إلى فعل، وأن يجعل لها قوة الفعل ذاته، بل يدمج بينهما في وحدة عضوية، كان يريد لأعماله المسرحية أن تكون ذات قوة فاعلة ومباشرة في عملية تغيير المجتمع، لكن المجتمع استمر كما هو، وبالتالي وجد أعماله لا تحقق الوظيفة التي أرادها لها، ورغم ذلك فإن قوة أعماله مستمرة حتى الآن.

يرفض موقع الواعظ كالشيخ فوق المنبر أمام مريديه، لكن يجد نفسه فوق منبر الدراسة، فيزيل المسافة بينه وبين طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية كما جاهد لإزالة المساحة بين الصالة والخشبة، محرضاً الطلاب للتحاور وتبادل الآراء ومحرراً في الوقت نفسه من الأفكار الأحكام المسبقة، معتبراً أن المعهد ساحة إبداع للأفكار التنويرية.

أتذكرُ محاضرته الأولى (كنت طالباً في المعهد) كان يحمل كتاباً، هادئاً يدخل القاعة، متفحصاً وجوه الطلاب الذين ربما يساهمون في تغير واقع المجتمع ذات يوم، طارحاً أسئلة ليس على طريقة الواعظ والمريد (هل هناك مسرح عربي؟) غير منتظر أجوبة، أسئلة تولد أسئلة أو بحثاً في الكتب والمراجع، مدوناً أسماء المراجع التي يمكن أن تفيدهم، رافضاً أي مرجع غير موثق.

بين اللحظة واللحظة يسحب نفساً من سيجارة ملتفتاً إلى طالب كان يحمل كتاباً، ما الكتاب الذي تحمله هذا اليوم؟ في إشارة ساخرة إلى أنه كان يحمل الكتاب نفسه في الأسابيع الماضية. كان يستخدم جميع الأساليب من أجل تنوير العقول، مرة أخرى يصطدم بالواقع، واقع ثقافة الجهل التي تبثها أجهزة وسائل الإعلام، واقع الأنظمة التي تلهث وراء مؤتمر السلام في مدريد، داعياً المثقف إلى احتقار ثقافة الذل وحاضر العار والذي سُمي سلاماً مؤمناً أنه استسلام وتركيع للمشروع النهضوي، وإذلال لقدرات الإنسان العربي ولفاعليته وأحلامه.
وفي أحلك الظروف التي مرت بها الأمة العربية كان ونوس يترك نافذة صغيرة للتفاؤل في مسرحياته، ومن خلالها يمكن تغير العالم، لم يفقد الأمل، وظل يبحث ويعيد قراءة الواقع في كل منعطف تاريخي حاسم باحثاً عن الجانب التنويري في كل التجارب العربية التراثية والأجنبية، ومن هنا كانت تجربته امتداداً لتجربة الرواد الأوائل في المسرح بصيغته الفنية والعقلانية المتطورة وكذلك تأثره بمسرح ببريشت وبيتر فايس وجان جينيه لإحياء الجانب العقلاني بما يتوافق مع أفكاره، لكنه قدم إبداعاً جديداً ومغايراً.

كان ونوس يحمل مشروعاً فكرياً تنويرياً، يزداد عمقاً ونضوجاً في كل هزة تصيب الأمة العربية، مشروعاً يهدف إلى تغير العالم منطلقاً من موقف نقدي واع وعميق لمشكلات الأمة العربية، ومؤسساتها وبناها الاجتماعية المختلفة وخاصة مؤسسة السلطة، منطلقاً من رؤية تتطلع إلى عالم إنساني تسوده العقلانية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، آمن بأفكاره، ولم يتخل عنها في جميع الهزات، إذ كانت الأفكار تتناسل من بعضها نتيجة لتعميق قراءته للواقع والإنسان في علاقتهما الجدلية ونضح أدواته الفنية، ونوس القلق فكرياً ونفسياً إزاء نزعات ميتافيزيقية ورومانسية ينتمي إلى الجيل الذي قال عنه ذات مرة بأنه سيلقى حتفه وفي رأسه علة اسمها إسرائيل، تساقطت أوراق الجيل ورقة تلو الأخرى وتراجعت المشاريع التنويرية وما زالت العلة تسرح ليس في الســاحات بــل في العقول أيضاً.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This