جورج طرابيشي ودوره في التنوير العربي (8)

إنّه لمن دواعي سرورنا أن نشارك اليوم زملائنا وزميلاتنا الأساتذة الأفاضل تكريم المفكر جورج طرابيشي اعترافا منا بالجهود التي ما انفك يبذلها في سبيل إنماء حركة التنوير بالعالم العربي.
لقد عرفنا الأستاذ جورج طرابيشي من خلال مواقفه الجريئة وكتاباته النقدية التي شملت العديد من المجالات الأدبية والثقافية ومما لفت انتباهنا بشدة ذلك التنوع المنهجي الكبير الذي لازمه طيلة مسيرته الفكرية فلا نكاد نجزم بانتماء معين للأستاذ طرابيشي حيث ابتدأ قوميا فماركسيا قبل أن ينتهي إلى محلل نفسي وناقد فذّ لبنية العقل العربي. 

ولم يكن هذا التنوع نقطة ضعف في مسيرة الرجل وإنما هو دليل قاطع على ثراء التجربة الإبداعية التي عاشها والتي أفضت به إلى مسلّمة كان قد صرّح بها في مناسبات عدّة ألا وهي ضرورة الانعتاق نهائيا من أسر النصّ مهما كان نوعه والمضيّ مباشرة إلى ممارسة فعل التّفكير الحرّ.

من هذا المنطلق ارتأينا أن نتناول البعد الماركسي في فكر جورج طرابيشي ذلك أنّ الماركسية قد مثّلت نقطة تحول مهمة في حياته ارتأى على إثرها أن يكون دوره الحقيقي باعتباره مثقفا عربيا هو استعادة وظيفته النقدية والتفكير في حلّ من الايديولوجيا مهما كان نوعها ليقول كفى تفكيرا بالماركسية أو ضدّ الماركسية ولنمر لمرحلة ما بعد الماركسية كما يمر الطفل من مرحلة طفولته إلى مرحلة الصبا وبذلك مثل البعد الماركسي في فكر جورج طرابيشي نقطة عبور مهمة تجاوز على إثرها كل أشكال الغطرسة الفكرية معتبرا أننا عندما نكون ماركسيين لا نفكر بل تنوب الماركسية نفسها عندنا مناب التفكير وتبح علاقتنا بها كعلاقة اللاهوتي بالنص المقدس(1) على حد عبارته وهنا مكمن الخطأ الذي تنبّه إليه بعد أن كان في أحد مراحل تطوره الفكري ماركسيّا متأثرا بالنقد الواقعي الاشتراكي حين مثلت الماركسية بالنسبة إليه كغيره من الماركسيين العرب المتأثرين بهذا التيار في فترة الستينات من القرن العشرين حاملة للعلموية وفق منهجها المادي الجدلي التاريخي لكنه أدرك في مرحلة لاحقة الخاصية الدوغماطيقية للاعتقاد الماركسي وغطرستها الفكرية المذهلة خاصة مع تتالي الهزائم التي مرت بها في تاريخها الفكري والانساني ففشل الثورة وموت العديد من أعلامها وتضاخم الهاجس الدكتاتوري الاستبدادي لممثليها تحت راية دكتاتورية البروليتاريا فضلا عن الهزيمة النكراء التي شهدها العرب في صفوفهم سنة 67… كل هذه العوامل وغيرها مثلت بالنسبة إلى جورج طرابيشي محطات تأمل تطلبت منه وقفة لمراجعة الذات وإلزامها بضرورة النقد كي تتطور كما فعل الغرب.

من الواضح أنّ ما دعا إليه جورج طرابيشي لم يكن عملية هدم لمسيرة فكرية كاملة وإنما كان توجها واختيارا منه حتى تكون الماركسية محطة كغيرها من المحطات الأخرى ومرحلة للانطلاق والانبعاث نحو فكر متحرر من كل أشكال الاستعباد الايديولوجي لأنّ الايديولوجيا بالنسبة إليه هي اكبر عدو يمكن أن تواجهه المعرفة.وعلى ضوء ذلك صرح أنّ اليقين ليس في إثبات مقولة ما مهما بدت قوية ومتينة وإنما هو كما بين ذلك متأثرا ببوبر في عدم الإيمان بالاعتقاد عبر معانقة قيم الحداثة الكونية والاختلاف والتنوع لا من باب التقليد للغرب وإنما من باب السلاسة الفكرية والتجديد حتى فيما هو موروث فينا محملا المثقف كل مسؤولية في القيام بهذه العملية إذ المثقفون كما بين ليسوا في حل عما يحدث داخل القطر العربي من تحولات وإنما هم الخصم والحكم في ذات الوقت.فإذا أخذنا على سبيل المثال حدث صعود المعسكر الاشتراكي وجدنا أنّ جزءا لا يستهان به من الانتلجنسيا العربية هي طبقة دافعت بكل ما أوتيت من قوة عن الايديولوجيا الماركسية ثم وبعد انهيار ذاك المعسكر بقيت على العهد وسايرت الجماهير والإسلاميين كي لا تصدم الوعي الديني بمعنى أرادت أن تكتسب الجماهير من دون أن تصدم وعيها فانصب كل جهدها على ما يمكن تسميته بأدلجة التراث وجعله قوة تاريخية تحمل مقولات اقتصادية واجتماعية وهذا فيه إضمار لفكرة الثقافة واختزالها في منحى واحد وطريق واحد يوصلهم في النهاية إلى كون التراث طاقة ديناميكية مهمتها تحويل العالم والإنسان.

من هنا يضع طرابيشي حدا للبعد الماركسي في مسيرته كمثقف معتبرا أنّ ما حصل للموروث الثقافي الضخم على يد الماركسيين كما على أيدي سواهم من المؤدلجين هو مذبحة بأتم معنى الكلمة ضحى مرتكبوها بالخطاب العلمي لصالح خطاب إيديولوجي طوباوي حول الواقع في الفكر إلى وهم لان ما يعنيه التحول في هذا السياق هو كما بين اوغست كورني في مقال له بعنوان الماركسية والايديولوجيا مجرد خداع.

بالاستناد إلى ما تقدّم نتوصل إلى كون الأستاذ جورج طرابيشي قد وضع حدا للبعد الماركسي في فكره وضبطه يوم حادت الماركسية عن مسارها المنهجي الموكول لها تاريخيا والمتمثل في ضرورة الانطلاق من الواقع كبنية تحتية لفهم وتأويل مختلف أشكال الوعي .
لقد غدت الماركسية نفسها بالنسبة إليه جزءا من الواقع حمل على عاتقه ضرورة تشريحه وتقويمه قصد إنتاج مجالا أرحب للمعرفة معتبرا أن المشكل ليس في ماركس نفسه وإنما في تاليه فكره من قبل من يدعون التفكير وليسوا سوى مموهين.

إنّ البعد الماركسي شانه شان البعد القومي قد توقف في فكر طرابيشي لحظة احتلت الايديولوجيا محل التفكير الحر والمعرفة الدقيقة وحاد المثقف عن وظيفته الحقيقية منساقا وراء هاجسه الإيديولوجي وعليه فقد اتخذت الماركسية عند طرابيشي معنى مختلفا تماما عن معناها المعتمد في كلاسيكيات الأحزاب الشيوعية العربية حيث لم تقتصر دعوته على تبني جانب من جوانبها وإنما على تشريح الجسم النظري لها بالانفتاح على جميع هرطقاتها حتى بانت الماركسية بالنسبة إليه تنوب مناب تشريح الواقع نفسه الذي لطالما دعا طرابيشي إلى ضرورة العودة إليه ضمن مسيرة تحديثية تنويرية ناضل من اجلها طويلا. 

هامش:

1- طرابيشي جورج العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية دار الساقي الطبعة الثانية بيروت 2011.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق