حقوقنا في الثقافة والمجتمع

صدر لـ”عبد الباسط بن حسن”، رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان، كتاب جديد بعنوان: “حقوققنا في الثقافة والمجتمع”، نشرته “المنظمة العربيّة لحقوق الإنسان”.

“الأوان” ينشُرُ مقدّمة الكتاب التي تبيّن سياق كتابة هذا النص، والرؤية الجديدة لنظريّة حقوق الانسان في المنطقة العربية.

يعود مفهوم حقوق الإنسان بعد طول ترحال في عوالم غريبة وتشكيك واحتقار. يعود بعد أن حافظ مناضلات ومناضلون على جذوته مشتعلة في أشدّ وأقسى لحظات ألم الاستبداد. يعود المفهوم ليدخل أدران الحياة ومحاسنها ويختلط بأسئلتها. ثورة تونس أعادت حقوق الإنسان إلى الحياة لأنّ الثورة لم تكن ضدّ الاستبداد فقط بل كانت كذلك ضدّ انتزاع القيم من روح الإنسان.


آفاق تفتح اليوم أمامنا للمشاركة الحرّة واختيار العيش معًا وبناء أمثلة للكرامة والعدالة الاجتماعية، ولكن مخاطر كبيرة تهدّد هذا الشوق للحرية : عنف وتدمير لمعاني الحياة ومحاولة إعادة الهيمنة والتلاعب بأهداف الثورات وخراب يزحف على بلدان عربية حلمت شعوبها بحياة جديدة.


فرص وتحدّيات تدعونا إلى إعادة التفكير في ما جعل من ثقافة حقوق الإنسان مجالا للتشكيك فحرمنا من قدرتنا على إعادة صنع وجودنا وتدفعنا إلى بناء ثقافة جديدة تقوم على الحرية والكرامة والعدالة والمساواة. كما تدعونا إلى تخليص العمل الحقوقي من نمطية البرامج والعزلة وفتحه على تجارب كلّ الناس لبناء حركات مدنية من أجل الدّفاع عن الحريات ونشر ثقافتها.


في لحظة حريّة يندر وجودها، لحظة اكتشاف معنى الكرامة المتأصّل في الإنسان، فتح العرب صندوق الاستبداد الأسود لتنعتِقَ أحلامهم وآمالهم. أصوات ظلّت حبيسة ظلمات الحضيض زمنًا طويلا تتعالى الآن في كلّ المجتمعات تطالب بالتحرّر من الخوف والفقر. أصوات لم يعد بالإمكان الإنصات لها والإجابة عن رغبتها في الحياة بخطاب سياسي استبدادي محنّط وسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية قديمة وأمثلة تنموية مهترئة.


لقد أعادت صرخة «خبز، حريّة، كرامة وطنية» حيوية ونضارة إلى تاريخنا المُثقل بعطالة تاريخ الاستبداد وزعزعت وثوقيات طالما انبنت عليها أسس مجتمعاتنا وثقافاتنا.


أطلقت الصّرخة حلم الحريّة مطلبا يسعى إلى التحقّق الدّائم في الواقع. «الآن وهنا» يريد الجميع للحلم أن يكون. ولكن أين السّبيل إلى الحرية في مجتمعات تطالب بحقوقها ومازالت فئات منها لم تدمج في ثقافتها وسلوكياتها مفاهيم حقوق الإنسان؟ أين السبيل إلى الحريّة في واقع لم يُدرك بعدُ العلاقةَ الوثقى بين الحقّ والواجب؟ أين السّبيل إلى الحرية في ثقافة مازالت ترزح تحت إكراهات ألم التمييز والإقصاء والتهميش؟ أين السّبيل إلى الحرية في مجتمعات تحاصرها مشاكل الماضي وتتكالب عليها سياسات إقليمية ودولية تجرّها إلى منطق العنف وتفكيك أسس الدولة الهشّة؟


لقد حلمت أجيال وأجيال في مجتمعاتِنا بالنهضة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. حلمت بالتفكير في السياسي لتخليصه من الاستبداد، وحلمت بالاجتماعي لإنقاذه من عهود التمييز والإقصاء، وحلمت بالاقتصادي لجعله أكثر التصاقا بالعدالة، وحلمت بالثقافي لتحويله إلى مجال للإبداع والفكر النقدي.


كلّ هذه الأحلام التي تتوق إلى الجمع بين تحرّر الفرد وتحرّر المجتمع تنتظر اليوم إجابة بعد أن فشلت مقترحات «الآباء» المؤسّسين لدولنا الحديثة تحت وقع نرجسيّة السلطة المطلقة وإغراءات الاستبداد.
لقد انسحب «الآباء» المخلّصون تحت وقع نهاية تاريخ الاستبداد وتركونا لصراع مصيرنا. مصير مطلب الحرية.


إنّنا اليوم أمام مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخنا. مرحلة فارقة تعود فيها حقوق الإنسان كمقترح أخير للثقافة والمجتمع. مقترح يحوّل الحلم بالحرية الفردية والجماعية إلى منظومة تُؤصِّل الحقوق والحريات في الدساتير والقوانين وتصلح المؤسّسات وتقيم أسس العدالة الانتقالية وتمنح المجتمع المدني استدامة وتستثمر في سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية عادلة تقوم على المشاركة الحرّة.
إنّها النهضة الجديدة: نهضة حقوقنا في الثقافة وفي المجتمع. إلى كلّ الحالمين والحالمات بثورة الحريّة هذه المقالات، هذا الكتاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق