لماذا فشلت الثورات العربية في إفراز “قيادة”؟ / خالد حنفي علي

بالرغم مما اتسمت به الثورات العربية من العفوية،‮ ‬واللاإنذار،‮ ‬والاتساع للمطالب،‮ ‬والتجاوز في الوسائل الاحتجاجية للقوي التقليدية،‮ ‬فإن تلك المميزات انقلبت إلي‮ “‬نقيصة متعددة الأوجه‮” ‬في مراحل ما بعد التغيير، لاسيما أن ضعف وجود قيادات،‮ ‬سواء فردية أو مؤسسية،‮ ‬لها قدرة علي الارتباط بالجماهير، خلف تعثرا انتقاليا تجلي في‮ ‬غياب التوافق علي أولويات وأهداف مرحلة ما بعد الثورة‮. ‬إذ إنه من اليسير إسقاط النظام بقوة الجماهير الغاضبة والمفاجئة في الشارع، ولكن من الصعب بناء نظام جديد عادل يرضي عنه الناس، بدون قيادة لها القدرة علي حشد وتعبئة موارد المجتمع باتجاه تحقيق أهدافه‮.‬

‬وبالتالي، فلم تستطع المجتمعات في المنطقة، التي استعادت بعضا من قوتها، تحقيق أهداف الثورات، حيث انقسمت الحركات الاحتجاجية المعبرة عن الشارع علي نفسها، كما لم تستطع الدولة في المقابل استعادة قوتها المفقودة بفعل تآكل أدواتها الأمنية والتنموية وتراجع ثقة المجتمع في قدرتها علي النهوض به‮.‬ وبين هذا وذاك، سعت القوي التقليدية للتماهي مع حركة الشارع، ومتطلباتها، بل والقفز عليها، واستغلالها لاستعادة مواقعها عبر قدرتها علي صياغة تحالفات سلطوية‮.‬

وعلي ذلك، باتت العناوين العريضة للتفاعلات السياسية داخل دول الثورات، خاصة مصر، وتونس، وليبيا تتراوح وبدرجات متفاوتة، حسب خصوصية البيئات السياسية والمجتمعية، ما بين التعثر، وعدم الاستقرار، والاستقطاب، بل وسريان حالة من الغضب المجتمعي من الأداء الإقصائي والاستئثاري لبعض القوي السياسية، كما حدث في مصر، عندما خرجت الجماهير إلي الشارع في مصر لتسقط حكم جماعة الإخوان في الـ‮ ‬30‮ ‬من يونيو، وفي تونس لتجبر حركة النهضة علي تقديم تنازلات للمعارضة المدنية‮.‬

فرغم أن قوة سياسية تقليدية، كجماعة الإخوان المسلمين،‮ ‬سعت لقيادة المجتمع المصري بعد الثورة،‮ ‬عبر فوز مرشحها‮ (‬د‮. ‬محمد مرسي‮) ‬في انتخابات الرئاسة المصرية، فإن الطبيعة الانغلاقية للجماعة ذاتها، وتجاوزها للحدود الوطنية، وتأسيس مشروعها الديني علي أنها تملك استثناء عن بقية المجتمع،‮ ‬كل ذلك أضعف الثقة العامة فيها، فضلا عن ازدواجية القيادة نفسها‮.‬ إذ كان المصريون أمام رئيس منتخب يخضع لدائرة‮ ‬غير رسمية نتاج الطبيعة الأيديولوجية للتنظيم التي تحتم الطاعة للمرشد العام في التوجهات الأيديولوجية والسياسية‮. ‬وبات السؤال المعقد‮:‬ كيف يمكن لجماعة دينية أن تقود مجتمعا، وهي ترفض دخول أفراده في تنظيمها، أو تنظر لهم باستعلاء لعدم امتلاكهم المواصفات الدينية من وجهة نظرها، بما ينافي أحد العناصر الأساسية في مفهوم القيادة، والتي تقوم علي نظرة الجماهير للقيادة علي أنها ممثلة لها، ومعبرة عن طموحاتها وهويتها؟‮.‬

ولعل فشل قيادة الإخوان،‮ ‬واهتزاز مشاريع الإسلام السياسي الصاعد بعد الثورات، علاوة علي تعثر الحركات الثورية وتفتتها، وتراجع زخمها، إضافة إلي تردي الحالة المجتمعية والاقتصادية، دفع المصريين،‮ ‬علي سبيل المثال،‮ ‬بعد‮ ‬30‮ ‬يونيو للتشبث بالمؤسسة العسكرية كملاذ أخير لحل‮ “‬أزمة قيادة‮” ‬مجتمع في مرحلة ما بعد التغيير‮.‬

أزمة ممتدة إلي الإقليم‮:‬

ولئن فسرت أزمة القيادة جانبا رئيسيا من المشهد الداخلي المأزوم في دول الثورات، فإنها شكلت في الوقت ذاته مرتكزا لتفاعلات إقليمية في المنطقة،‮ ‬اعتراها الاستقطاب والمحاور متباينة المصالح، إذ إن فقدان مصر لموقع الدولة‮ “‬القائد إقليميا‮”‬ أدي إلي نقل مركز الثقل في الإقليم من المشرق العربي إلي الخليج العربي،‮ ‬الذي سعي لصياغة محاور جديدة عازلة لتأثير الثورات‮. ‬كما أغرت الأوضاع الهشة في المنطقة أطرافا‮ ‬غير عربية،‮ ‬كإيران،‮ ‬وتركيا،‮ ‬بمحاولة استغلال تلك الرخاوة لانتزاع القيادة، تارة عبر استغلال حالة الصعود الإسلامي الذي تعرض لانتكاسة في المنطقة، وتارة أخري عبر الأزمة السورية التي مثلت مؤشرا علي طبيعة الاستقطابات الإقليمية بعد الثورات‮. ‬لقد بدا هذا المشهد دليلا علي غياب دولة قائد يمكن أن تضبط تفاعلات الإقليم واتجاهاته، لاسيما في ظل بنية متغيرة للنظام الدولي، بدت تفاعلاتها القيادية تجاه المنطقة هي الأخري تميل نسبيا نحو التعددية، مع تراجع القوة الأمريكية عالميا،‮ ‬عبر ممارسة أدوار تدخلية بأقل تكلفة في أزمات المنطقة التي شهدت صعودا بالمقابل لأدوار قوي دولية أخري،‮ ‬كروسيا والصين وغيرهما‮.‬

ويقينا، فإنه لا يمكن قصر‮ “‬أزمة القيادة الممتدة‮” ‬من الداخل إلي الإقليم علي لحظة الثورات وما أعقبها من تفاعلات‮.‬ إذ إن المجتمعات العربية، حتي خارج دول الثورات،‮ ‬عانت تشوهات سياسية في الداخل منذ عقود أسهمت في إضعاف وإفشال البدائل القيادية، حيث عطلت الأنظمة الاستبدادية الحراك الاجتماعي والسياسي عبر آليات تصعيد ديمقراطي شكلية، وهمشت النخبة السياسية، وصاغت في الوقت نفسه تحالفات مع قوي رأسمالية حولت ثمار التنمية في تلك الدول إلي فئة محدودة، الأمر الذي أحدث ضغوطات اقتصادية واجتماعية علي الطبقة الوسطي، التي كثيرا ما عرفت بقدرتها علي إفراز قيادات في الدول النامية‮.‬

ورغم أن الاستقرار الهش الذي كرسته الأنظمة الاستبدادية قبل الثورات في سياساتها الداخلية والخارجية خلف‮ “‬سكونا نسبيا‮” ‬في التفاعلات الإقليمية، باستثناء بعض الجبهات كحزب الله،‮ ‬وإسرائيل، والخليج وإيران، والأزمة العراقية، فإن تغيرات مواقع وأوزان القوي الإقليمية كانت قيد التشكل قبل الثورات‮.‬ إذ إن حالة الجمود السياسي والضعف الاقتصادي في مصر،‮ ‬إبان نظام مبارك، أفقدها دورها الخارجي كدولة تملك مواصفات القيادة الإقليمية، بينما لم تستطع القوي الخليجية ملء الفراغ‮ ‬لافتقادها القبول الإقليمي، والميزات الجغرافية،‮ ‬والتاريخية،‮ ‬والثقافية‮.‬

من الكمون إلي البزوغ‮:‬

مثلت التغيرات السياسية في المنطقة لحظة كاشفة لـ‮ “‬لأزمة القيادة‮”‬،‮ ‬سواء علي مستوي تفاعلات الداخل،‮ ‬أو الإقليم، إلا أنها في الوقت نفسه عمقت تلك الأزمة، ونقلتها من طور الكمون إلي البزوغ، عبر ما امتلكته الثورات من خصائص احتجاجية، وما أفرزته من تفاعلات في المرحلة الانتقالية‮.‬ أضف إلي ذلك طبيعة التغيرات في بنية النظام الديمقراطي الغربي نفسه،‮ ‬والتي مستها أيضا‮ “‬أزمة القيادة‮”. ‬فلقد عكس الفعل الاحتجاجي نمطا جديدا من القيادة الأفقية الشبكية التي تفتقد الرأس، وتعزز مكانة الفرد في التأثير السياسي، وهو أمر فرضته طبيعة التغيرات الثقافية والتكنولوجية في عصر العولمة، حيث لعبت الفضاءات الإلكترونية‮ (‬تويتر، الفيس بوك‮) ‬دورا مؤثرا في الدعوة للحراك الجماهيري‮. ‬علاوة علي أن طبيعة المطالب الاحتجاجية لم تعد تقتصر علي مطلب واحد، كما حال احتجاجات القوي تقليدية،‮ ‬مثل الأحزاب أو النقابات، بل إنها كانت أشبه برسالة إدانة وعدم رضا عن النظام السياسي والاجتماعي السائد‮.‬ كما لم تعول الاحتجاجات الشعبوية كثيرا علي الآليات المؤسسية الديمقراطية لنيل حقوقها، خاصة أن القوي التقليدية،‮ ‬سواء السياسية أو الرأسمالية،‮ ‬باتت تسيطر علي قواعد اللعبة الانتخابية، وتضمن النتائج لمصلحتها‮.‬

ودعم من تلك التغيرات أن ثمة مأزقا عالميا،‮ ‬تمر به الأنظمة الديمقراطية في أوروبا والولايات المتحدة، أدي إلي ظهور حركات شعبوية‮، ‬تري أن النظام الديمقراطي عجز عن توفير حياة أفضل وأكثر عدالة بسبب أزماته الاقتصادية، بما أفقد المجتمعات الثقة فيه‮.‬ ولكنه بالمقابل أفرزت تلك الأزمة نمطا جديدا من القيادات الشعبوية التي تلجأ إلي مخاطبة رجل الشارع العادي في أوقات الأزمات،‮ ‬والتغييرات الجذرية، بغض النظر عن مدي فاعلية وصدقية النموذج الديمقراطي‮.‬ ولعل قادة مثل بوتين،‮ ‬أو حتي الراحل شافيز،‮ ‬يشكلان نماذج مهمة في هدا السياق‮.‬ فرغم أنهما جاءا عبر صناديق الاقتراع، فإنهما انتهجا نمطا من السياسات الشعبوية القائمة علي أن وصولهما إلي الحكم سوف يؤدي إلي تحقيق الإرادة الشعبية،‮ ‬وتحقيق حياة أفضل‮.‬

ورغم‮ ‬أن علاقة الثقة مع نماذج هؤلاء القادة تأسست علي نظرية‮ “‬البطل المنقذ أو المخلص‮” ‬الذي يقود المجتمع إلي بر الأمان، حيث لا تزال حية في المخيلة الشعبية بشكل عام، بفعل استدعاء تجارب تاريخية،‮ ‬وتراكمات ثقافية ودينية تتعلق بمسألة تقديس الأشخاص في اللاوعي الجمعي للمجتمعات،‮ ‬سواء العربية أو الغربية، فإن التغيرات الثقافية والمجتمعية التي يشهدها العالم ربما تشكل تحديا لهذه الأنماط من القيادات الشعبوية، ليس فقط لخطورة تجسيد الأفكار في الأشخاص، لاسيما أن ذلك يفقد المجتمع حيوية المشاركة مع القيادة في البناء، وإنما يحمل القائد وحده مسئولية التغيير ككل في المجتمع‮.‬ وقد يكون ذلك مخالفا لطبيعة التأثيرات التي أحدثتها الموجات الاحتجاجية،‮ ‬سواء في مصر أو العالم، والتي جعلت للأفراد قدرة علي الفعل والمشاركة، كما أنه مخالف أيضا للاتجاه العام في العالم لاحتضار الكاريزما نفسها‮.‬ فالترابط الوجداني والأيديولوجي بين شخصية معينة والجمهور أصبح أكثر ارتباطا بالفكرة لا الشخص، أو بمعني أكثر وضوحا بما يستطيع القائد أن يحققه للمصلحة العامة أكثر من سمات الشخصية نفسها التي قد‮ ‬يزول تأثيرها تحت وطأة الأزمات اليومية، والتوقعات المتزايدة للمجتمعات في مراحل ما بعد التغيير‮.‬

لقد أمسي نجاح القيادة السياسية،‮ ‬كما‮ ‬يشير د‮. ‬جلال معوض،‮ ‬يقاس بمدي قدرة وفاعلية القائد،‮ ‬بمعاونة النخبة السياسية والمؤسسية،‮ ‬علي تحديد أهداف وأوليات المجتمع، واختيار الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الأهداف بما يتفق مع القدرات الحقيقية للمجتمع، ويتم ذلك كله في إطار تفاعل تحكمه القيم والمبادئ العليا للمجتمع‮.‬ ولعل ذلك يشي بأن الارتباط بين القيادة والمجتمع يتأسس علي القدر الذي تسهم به في إحداث تغيير إيجابي يشعر المجتمع بالرضا، بما يعزز من نظرة الجماهير للقيادة علي أنها ممثلة للشعور الجمعي العام بالكرامة والثقة‮.

إن أهمية أزمة القيادة وتجلياتها الداخلية والإقليمية،‮ ‬بل والدولية،‮ ‬استدعت من ملحق‮ “‬اتجاهات نظرية‮” ‬في عدده الجديد سبر أغوارها، ومحاولة فهم أطرها المفسرة، لاسيما في ظل سياقات عالمية شهدت تغيرا في أنماط القيادة، وما تواجهه من استحقاقات‮. ‬ولعل الملحق،‮ ‬في محاولته تلك، يستند إلي أن القيادة ليست مجرد ظاهرة فردية تتعلق بشخص واحد قائد يمارس السلطة السياسية في المجتمع، بل إن القيادة هي عملية تأثيرية تتعلق بالتفاعلات القيادية،‮ ‬سواء السياسية أو الاقتصادية أو المؤسسية في الإقليم،‮ ‬أو النظام الدولي‮.‬ فالعالم يواجه‮ “‬مأزقا متعدد الأوجه‮”‬،‮ ‬سواء في إفراز‮ “‬القيادة الفردية‮”‬، أو‮ “‬الدولة القائد‮”‬،‮ ‬أو‮ “‬المؤسسات القائدة‮”.‬

وعلي هذا، سعي الملحق للإجابة،‮ ‬عبر موضوعاته المتنوعة، التي شارك فيها باحثون شباب، علي عدة تساؤلات،‮ ‬من أبرزها‮:‬ ما هي الأنماط الجديدة للقيادة، وآليات صنعها، وأدوارها في ظل السياقات الداخلية والاقليمية والدولية المتغيرة؟، وما هي مظاهر أزمة القيادة،‮ ‬سواء علي مستوي النظم السياسية الداخلية، أو الإقليمية؟، وهل أفرز الواقع السياسي والاقتصادي في العالم مستجدات في مسألة أزمة القيادة أثرت في الاتجاهات النظرية الحديثة،‮ ‬كظهور فاعلين أفراد أو مؤسسات مؤثرة في صنع القرار العالمي؟، كما يناقش الملحق مدي قدرة المؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي،‮ ‬علي ممارسة القيادة السياسية والاقتصادية للعالم‮.‬ واختتم الملحق بطرح نظرة مقارنة بين آليات إفراز القيادة في الدول النامية والمتقدمة، من منظور الحراكات الاجتماعية،‮ ‬والسياسية،‮ ‬والاقتصادية التي تمثل شرطا حاسما ولازما لحيوية المجتمع، وإن تعطلت،‮ ‬أو تآكلت،‮ ‬أو جففتها الأنظمة التسلطية،‮ ‬فإننا نصبح أمام‮ “‬أزمة قيادة‮”.‬

عن محلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق