«أحلام القاصرات».. أنشودة نسائية للبقاء / ايمان حميدان

قد يكون جزء من توليفة فيلم «كيس الطحين» (2011) الذي تحول عنوانه باللغة العربية إلى «احلام القاصرات» جزءاً من سبرة طفولة مخرجته المغربية البلجيكية خديجة السعيدي لوكلير التي قالت انها عانت في طفولتها تجربة مؤلمة حين اجبرت على العودة من بلجيكا الى المغرب وأقامت هناك حوالي السنتين ونصف سنة، الأمر الذي اثر فيها تأثيراً بالغاً والفيلم وسيلة لإخراج الألم من ذاكرتها ونفسها. الا انه رغم ذلك يبقى فيلما روائيا قدمت فيه المخرجة صورة عن المغرب الريفي الفقير كما تراه هي، من دون رتوش الوطنية وبعيدا عن قوالب الصراع مع الغرب.

سارة ابنة الثماني سنوات (لعبت الدور المغربية رانيا ملولي التي حازت على جائزة افضل ممثلة في مهرجان بروكسيل) تعيش في ملجأ في بلدة الزمبرغ في برابانت قلب الجزء الفلاندري من بلجيكا. تدور احداث الفيلم بدءا من عام 1975 وهو ينطق بالفرنسية، اللغة التي تخلت عنها المنطقة الفلاندرية في بلجيكا منذ عام 1995. تداوم الطفلة التي تعيش في القسم الداخلي من مدرسة كاثوليكية على زيارة الكنيسة للاعتراف بكذبات صغيرة حول هوية والديها. في غياب الام والاب اللذين لم تلتق بهما في حياتها، اخترعت سارة أمام صديقاتها في المدرسة قصصاً أليفة وجمعت اقصوصات صور نساء من المجلات لتصنع لنفسها عائلة لها وجه وحياة مثل كل العائلات. خيال احتاجته الطفلة لتتقرب من صديقاتها وتبدو عادية مثلهن وجعلها تزور الكنيسة للاعتراف مرات عدة في الاسبوع. كان لا بد من ذلك لمحو ذنوبها البريئة او صنع توازن داخلي حيال صدق تفرضه عليها تربيتها الدينية ولا يعكس سوى مرارة واقع العائلات المهاجرة التي شتتها الفقر في الوطن الاول كما في اماكن الهجرة. الا ان تلك الحياة التي اخترعتها سارة تبدو وكأنها توقفت فجأة ذات صباح مثلج قبيل فرصة عيد الميلاد، حين يدخل الدير رجل يقول إنه والدها وإنه اتى مع زوجته الجديدة ليصطحب طفلته لقضاء عطلة الميلاد في باريس. ما تمنته، ربما، أصبح يومها حقيقة، فقد اتى الاب المجهول لاصطحابها ولم تدر ان تلك الرحلة المزعومة الى باريس ستبعدها قسرا عن بلجيكا لسنوات لتقضي مراهقتها وجزءا من شبابها في قرية مغربية نائية جرداء قبل العودة شابة الى بلجيكا.

تعرف ما تريد. اختلاف الحياة الفادح بين بلجيكا والمغرب لم يدفع سارة الشابة (لعبت الدور خفصية حرزي) الى الاذعان لتقاليد ونمط حياة جديدة. تؤمن ربما ان الحياة بالنسبة لها هي في مكان آخر عاشت سنوات قليلة فيه، ولا بد ستنجح يوما في العودة اليه. رغم مقاومتها البطيئة والقوية في آن، علمت سارة ان هناك شروطا للعبة العيش في مكان بائس كهذا المكان في قرية مغربية محاصرة بالجبال الجرداء من كل جهة. مكان قاس والعيش فيه شظف وفقير. تعلمت لعبة فن البقاء وأتقنتها الى درجة انها اصبحت مثالا للصراع مع الفقر ومثالا للشابة التي تكد من اجل تحسين شروط عيشها المادية وعيش عائلتها. انتزعت سارة احترام العائلة عبر عملها، وخاصة حين دخلت يوما مع اكياس عديدة من الطحين اتت بها لبيت العمة التي بدأ زوجها يشتكي من عدم قدرته على تحمل مسؤولية إطعام فم اضافي في العائلة. تركها الأب في عهدة العمة واعداً إياها انه سيرسل النقود ولم يف بوعده. هاجر لأنه حلم بحياة أفضــل الا انه ما زال يبحث عن عــمل في أوروبــا بدت شروطه أقسى من مكانــه الاول.

أصداء

لم تخلُ بعض المقالات حول الفيلم، ومعظمها بأقلام عربية، من انتقاد مباشر وغير مباشر للمخرجة التي اظهرت وبشكل واضح رغبة الفتاة بالعودة الى بلجيكا، بحيث خلا فيلمها من أي نوستالجيا «وطنية او قومجية او أي نقد للغرب وعنصريته، وإلى ما هنالك من معزوفة مملة ورديئة. ولا يفهم انتقاد مشابه في وقت يحلم فيه الشباب العربي في فيزا… أي فيزا لبلد اوروبي حتى ولو كانت اوكرانيا!

المخرجة لوكلير لم تشأ تحميل قصة بسيطة مستلهمة من تجربتها الشخصية اعباء وخطابات اكبر مما يستطيع الفيلم حمله. انها تجربة حقيقية ولم لا. وكم من المهاجرين ارادوا فعلا العودة الى بلدانهم. في الحقيقة الواقع هو غير ذلك ، ذلك ان المهاجر حين يعود ولو في زيارة لا يستطيع التأقلم مع مكان تركه يوما، لان الشخص تغير هو أيضا وما عاد ذلك المكان او الموطن يلبي احتياجاته، ليست المادية فحسب بل المعنوية والثقافية أيضا. لم يكن هذا ما يهم المخرجة لوكلير إظهاره في فيلمها الاخير، ولم تشأ الخوض في غمار نقاش حول مدى قبول وترحيب الوطن الجديد بالوافدين اليه.

ثلاث نساء ساهمن وحدهن في إنجاح الفيلم وفي تحويله الى أنشودة نسائية في فن البقاء وفي جعل الحلم أمراً ممكناً. سارة الطفلة المسلوخة من جو تربوي تعلمت فيه الحساب والتاريخ والجغرافية، ترمى في ريف يحلم فيه الناس باللقمة وتقتصر فيه مدارس الفتيات على دروس حياكة الصوف والخياطة بعيدا عن اي مواد تربوية او تعليمية اخرى. لكن سارة تغدو شابة غير يائسة تجعل من حياكة الصوف مهنة ليس لها فحسب بل لنساء العائلة والصديقات، مما ساعد في تحسين ظرفهن المعيشي الصعب. بقيت تحلم بالعودة لمتابعة الدراسة وكتابة القصص بينما صديقاتها يحلمن بزوج وبيت وطفل. تجربة مختلفة ولو صغيرة اتكأت سارة عليها لتؤمن ان حياة أفضل في مكان آخر هي امر ممكن ويستحق العمل من أجله. تعود شابة الى حيث أتت، عبر زواج وهمي مع مغربي يريد الهجرة. سافرا معاً الى بلجيكا، قدمت له جنسيتها البلجيكية مقابل استعادة حريتها التي لا ثمن لها. اما الام المجنونة فهي المرأة الرابعة في الفيلم وهي تشبه مأساة إغريقية. امرأة لا تملك شيئاً سوى ست اصابع في كل قدم، تسكن الجبال الجرداء التي تصفر فيها الريح ولا يقترب منها انسان. تحارب خيالها وتهجم بشراسة على ابنتها التي اتت لتتعرف على ام صنعتها من خيالها ومن الصور التي اقتطعتها من المجلات الملونة. لكن واقع الام لا يشبه ابدا الام التي خلقتها سارة في قصصها الصغيرة. انها صورة تراجيدية عن خراب الروح والعقل وسط مجتمع غابت فيه السياسة واحتل استبداد الجهل والقيم القاتلة المساحة العائلية والاجتماعية والتي غالباً ما تكون المرأة اولى ضحاياها.

قد يطرح الفيلم ولو بشكل مبسط من دون تعقيدات موضوع الهجرة، ولكنه يطرح أيضاً قدرة النساء على التأقلم بشكل اسرع من الرجال وعلى خوض الواقع بجرأة كبيرة. هذا لا ينفي ان واقع العيش قد اودى بالأم الى الجنون وإلى نكرانها لأي مشاعر امومة اتجاه ابنتها سارة بل تحولت مشاعرها الى عنف عبثي. قد تكون ام سارة هي نموذج الهاوية التي يسير نحوها المجتمع العربي… حيث لا ينتظره سوى العبث الإغريقي وغريزة ما عادت للبقاء بل لتدمير بطيء تُجرّد الفرد من انسانيته.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق