اقتصاد الزكاة و الأوقاف و الصكوك الإسلامية (3-3) / الحبيب الجنحاني

– قال صاحبي : سألت في حوار سابق عن تاريخ مفاهيم ماضوية سعى البعض جاهدا لاحيائها رغم تغير الزمان ، و التطور السريع الذي عرفه المجتمع الإنساني حتى بلغ مرحلة العولمة،وقد سقطت فيها المسافات و الحدود، و بالرغم من تأخر المجتمع العربي الإسلامي عن الركب فانه أصبح جزءا من هذا التحول ، و من هنا جاء استغرابي من محاولات الهروب إلى الماضي ، و كأن عجلة الزمان قد توقفت ، بل قل تراجعت القهقرى قرونا طويلة ، من هنا حرصت أن أعرف كيف تعامل المسلمون في القرون الأولى مع هذه المفاهيم الماضوية مثل الزكاة و الوقف؟

– قلت : لنبدأ من البداية قائلا : من معاني الزكاة الصلاح ،“….. و لكن الله يزكي من يشاء” ( النور 21) ، أي يصلح ، و زكاة المال تطهيره مما شابه من شوائب ، فالمال حين يكنز و يتراكم فانه يصعب جدا ألا تلحقه لعنة أكل أموال الناس بالباطل، وقد رأينا كيف بشر النص القرآني الذين يكنزون الذهب و الفضة ، و لا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم ، وربط بين الكنز و و أكل أموال الناس بالباطل ( التوبة 34).

 مفهوم الزكاة يندرج إذن ضمن حرص الإسلام على التضامن و التعاون بين المسلمين “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” ( حديث نبوي) ، وهي قبل كل شيئ فريضة دينية ، شأنها شأن الصلاة، فأداء الفرائض أو تركها أمر خاضع لعلاقة الإنسان بربه ، و لا دخل للغير في ذلك.

قد تبين أن الزكاة واجب ديني يؤديه المسلم حسب ضميره ، و لا علاقة له لا من قريب ، و لا من بعيد بالاقتصاد الحديث ، و هذا لا يتناقض البتة مع مشروع تنظيم جمع أموال الزكاة و توزيعها على الفئات الاجتماعية التي تستحقها ، ولكن ذلك يحتاج الى شروط صارمة في مقدمتها ضرورة إشراف الدولة ، ومراقبة المؤسسات الدستورية ، و أن يتم الاجتهاد من أهل الاختصاص حتى تتحول بيت المال إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة المدنية تساعد في حالة الضرورة أهل الحاجة ، و لكنها تسهم أولا و بالذات في تمويل المشاريع التنموية، و أن يبقى دفع المواطن زكاته إلى بيت المال أمرا اختياريا لا يخضع إلى أي نوع من أنواع الضغوط ، و لا ننسى الإشارة في هذا الصدد إلى أن الناس يساقون بالعصي الى الصلاة في بعض البلدان الإسلامية تحت عنوان “الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر”، و يمكن أن يكون الأمر أشد خطورة و خطرا في حالة الزكاة بعد ان أثبتت الروايات المتواترة أنها أضحت موردا من موارد تمويل الإرهاب باسم الجهاد في ساحات الحروب الأهلية أين يسقط الأبرياء أطفالا ، و نساء و شيوخا فيخشى في هذه الحالة أن تجمع الزكاة تحت أفواه البنادق .

أما المفهوم الذي تحمس له المبشرون بالازدهار الاقتصادي فهو مفهوم الوقف ، فكل ما يتم وقفه يعني تحبيسه ، أي لا يورث ، و لا يباع ، ولا يوهب ، ولكن يترك أصله ، ويجعل ثمره ( أي دخله) في سبيل الخير، وقد شمل بالأساس الأراضي الزراعية ، وقد شرع انطلاقا من نصيحة قالها الرسول ( صلى الله عليه و سلم) لعمر لما أراد تحبيس نخل له أراد أن يتقرب بصدقته إلى الله، و لكن بعد سيطرة المسلمين على أراضي زراعية خصبة في العراق و بلاد الشام لم نسمع كثيرا عن الوقف .

انتشرت الظاهرة في عصور التدهور ، و بخاصة بعد أن سيطر العسكر على السلطة، وتفشي ظاهرة الاقطاع العسكري ابتداء من القرن الرابع الهجري ، و استفحلت في عصر المماليك ، وفي العصر العثماني فأوقف كبار الملاكين أراضيهم حماية لها من المصادرة ، و لكن التحبيس لم يمنع من التلاعب بالأوقاف ، و أكل أموالها بالباطل ، و أسهمت في ذلك فئة من المتاجرين بالدين ، وقد صور لنا ابن خلدون ظاهرة التلاعب بالأوقاف انطلاقا من عالم الممارسة اليومية فتحدث عن ذلك باسهاب في ترجمته الذاتية “التعريف” لما تولى منصب القضاء بالقاهرة، رافضا التدخل في شؤون القضاء ، و كان المتلاعبون بأملاك الناس يموهون عليهم بقربهم من أصحاب السلطة ، “فان غالبهم مختلطون بالأمراء ، معلمون للقرآن ، و أئمة في الصلوات ، يلبسون عليهم بالعدالة فيظنون بهم الخير…. فأعضل داؤهم ، وفشت المفاسد بالتزوير و التدليس … وفشا في ذلك الضرر في الأوقاف ، و طرق الغرر في العقود و الأملاك ….”

ومن أراد التلاعب ببيع الوقف ، أو تمليكه لجأ الى هذه الفئة فيبحثون له عن فتوى ، أو حيلة تحقق له رغبته مقابل مبالغ يشترطونها عليه مسبقا ، و لما حاول ابن خلدون وضع حد لهؤلاء السماسرة بالأوقاف انطلقوا يخدشون في عرضه، و ينالون من شرفه “…. فأرغمهم ذلك مني ، و ملأهم حقدا و حسدا علي … و انطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي ، و سوء الأحدوثة عني بمختلق الافك ، و قول الزور يبثونه في الناس ….” .

وبعد عام من صراعه مع هذه الفئة التى أكلت أموال الناس بالباطل بتوظيف الفتاوى الدينية اضطرابن خلدون الى الاستقالة من منصبه القضائي.

-  قال صاحبي: لماذا نذهب بعيدا، الى عصر ابن خلدون ، القرن الثامن الهجري ، و ما أدى اليه التلاعب بالأوقاف من مآس ، فمن أدرك المؤسسة المشرفة على الأوقاف قبل الغائها غداة الاستقلال ، “جمعية الأوقاف” فيعرف مدى التحيل الذي حصل باسم الوقف، و قد بلغ حد تمليك أراضي وقفية إلى المعمرين الفرنسيين .

– قال صاحبي : و أخيرا أود أن أسمع شيئا عن الصكوك الاسلامية ؟

-  قلت :لست من أهل الاختصاص في هذا المجال ، لكن كلما أسمع التطبيل لهذا الصنف من البنوك أتذكر ما حصل في مصر أيام “الانفتاح” الساداتي مبشرا برأسمالية الفقراء بعد اشتراكية عبد الناصر ، كما يبشر اليوم الماويون الجدد الشعب الصيني الفقير باشتراكية الأثرياء .

وعبر بوابة “” الانفتاح “بشرت البنوك الإسلامية فقراء مصر ببناء رأسمالية الفقراء القائمة على الورع و البركة إذ أنها لا تتعامل بالربا، فتهافت المغفلون عليها ، و لم تمر سوى مدة قصيرة حتى هرب اللصوص ، و خسر” الغلابة“أموالهم .

الصكوك الإسلامية هي في نهاية المطاف تشبه دكاكين” شوارمة حلال ” 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق