مفهوم الإنصاف، كيف يمكن فهمه الآن؟

يعد مفهوم الإنصاف مفهوما جوهريا، لأنه يحيل على تصور إتيقي. ولكونه كذلك، فبإمكانه أن يتموقع خارج وفوق مجرى القوانين. لنتذكر شخصية أنتيغون والدور الذي جسدت فيه عمق الصراع الكائن بين قوانين المدينة وعطش العدالة النابعة من أعماق الوعي. ففي كل الأزمنة وفي كل الأمكنة وفي سواكن كل كائن بشري، تسكن أنتيغون في ثناياها؛ هي رمز دائم للصراع بين القانون والإنصاف. ففي لحظة انفلاق حاسم بين الإنسانية والنوع الحيواني، أضحى الإنسان كائنا إتيقيا. فصورة آدم وحواء كما هي مرسومة في النص الإنجيلي والنص القرآني، مع وعي بعريهما، تدل، ضمن ما تدل عليه، على كون الروابط الجنسية لم تعد تأتمر بالمرة بالدافع الحيواني، وإنما تقوم على أساس مبدأ الأمر الأخلاقي. فالإيتيقا إذن، ملكة التمييز بين الخير والشر.

فما يكون عليه الخير و الشر في أي حالة من الحالات الدقيقة، فتلك بالطبع قضية أخرى، لكن يبقى كل إنسان يحمل في ذاته معنى معينا عن الخير و الشر. فالإيتيقا هي، بمعنى من المعاني، أسلوب لتدبير الحرية. ذلك أن ميزة الإنسان هو في كونه كائن حر، غير حبيس لغرائزه كما هو الشأن عند الحيوان. لقد ارتقى هذا الكائن الإنساني إلى أقصى درجة ممكنة من التحرر، بحيث أصبح في أمس الحاجة إلى إطار أخلاقي بغاية تدبير حريته. فالأخلاق تغدو إذن، أكثر تباينا عن القوانين والقواعد؛ إنها معرفة مقومة لعمق خصوصيتنا الإنسانية. 

 هكذا تعد الأخلاق، بهذا المعنى، أحد أهم القضايا التي تثير انشغالا كبيرا في وقتنا الحاضر. إن الصورة الإرتكاسية الماضوية التي تبصم مسار تاريخنا هي أساسا صادرة عن تصحر فكرنا الإسلامي الذي سبق الكلام عنه( في باقي مقالات أخرى من الكتاب)؛ كما لو أن الأمر أشبه بأشياء انسلت منا خلسة، فقررنا في لحظة معطاة أن المسكن الذي تم تشييده من قبل، لم يعد صالحا إلا للدفن في داخله. ففي نهاية المطاف، يتعلق الأمر أساسا بتمييز المعروف عن المنكر. فهل المنكر عند مسلمي المدينة(يثرب) في الصدر الأول من القرن الهجري الأول، مازال صالحا لدى لمسلمي نيويورك أو لندن؟ و بعبارة أخرى، هل الأخلاق قيم ثابتة أم هي متطورة في ضوء الزمان والمكان؟ فما سيكون حاليا منكرا( يستحق العقاب)، فمن اللازم تقديره بما هو قابل للملاءمة من عدمه وفق معايير الصدر الأول للهجرة.إن مثل هذا النوع من التقدير التي تروم إلى طمس الزمن، هو ذاك الأسلوب الذي تسلكه الذهنية السلفية الرافضة لمبدأ التسامح. ذلك أنه بإمكاننا مبدئيا أن نعترف بوجود قيم ثابتة ك:العدالة، السلم، نبد العنف، المساواة و الشرف. بيد أن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: هل يمكن اعتبار إسبال اللحية أو شكل اللباس قيما ثابتة؟ فإذا كانت“الحشمة دوما صفة محمودة” بحسب قول السنة، فهل تبقى تجلياتها ثابتة دوما وأبدا؟ فهل من البدع أن “يحمل الإنسان الأواني أو الجلوس على الطاولة لتناول وجبة الغداء”(1). فكل إنسان تبنى هذا النوع من المعايير، ينبغي عليه، من باب الانسجام المنطقي، أن ينبذ كل الأشياء التي كانت غائبة في زمن النبوة.و بالتالي، لم يتبق إلا- وهذا أقصى درجة الهذيان- إيقاف مجرى عجلة تطور التاريخ. و الحال أن مثل هذه المحاولات، إن صح نعتها كذلك، سيكون مآلها الفشل. فإذا كنا بالفعل لنا خيار إتباع هذا النهج السلفي فإنه ينبغي علينا الامتناع ركوب الطائرة أو استعمال الهاتف. فلا أحد بإمكانه، كما هو الشأن عند السلفي، أن يسلك هذا النهج في الحياة المعاصرة. فضلا عن ذلك، هل يمتلك الإسلام القدرة على احتكار الحياة الأخلاقية؟ وهل يوجد نظام في العالم يعكس حقيقة مبدأ الأمر بالمعروف كما حدد في النص القرآني:“ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون”؟).فما ينبغي القيام به فعلا هو أن نعمل على إعادة إيجاد القيم الأخلاقية الكونية الخاصة بالإنسان. فمبدأ الأمر بالمعروف هو قيمة كونية خاصة بالفطرة، أي بالطبيعة الإنسانية. فهو، عموما، من طبيعة نظام الفضيلة ومن طبيعة كل إنسان له قدر معين من الوعي. فعندما يتم التوجه إلى الإنسان من أجل الاهتداء بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإن النص القرآني لا يقوم إلا على إثبات هذه القيمة الروحية الراسخة في الطبيعة الإنسانية. فالمعضلة هنا، لا تكمن أساسا حول تعريف القيم المشتركة لدى الجميع، وإنما في كيفية تصريفها في حياتنا.

 هكذا، يبقى السؤال المطروح هو:هل النص الديني يقر بالمساواة بين الأجناس؟ شخصيا، أنا من مناصري مبدأ المساواة. لكن تظل المسألة مطروحة على جميع الأديان التوحيدية. فلا النص المسيحي ولا النصوص الإنجيلية و لا النص القرآني يتكلمون بشكل جلي عن المساواة بين الأجناس. بينما تتحدث هذه النصوص بالفعل عن مبدأ الإنصاف. فإذا ما أخذناها بحذافيرها أو في حرفيتها، فإمكاننا القول أن المرأة تتوفر على وضع يقرنها بدرجة أقل مقارنة مع الرجل كما جاء في النص القرآني. لكن،بحسب تقديري،لا ينبغي أن أقف عند هذا الحد. بل لابد من اعتبار، وأنا أشغل ذهني كما أمرني الله به، أن هذه الدرجة لا يراد الفهم منها درجة النقص أو الانتقاص بل درجة الاختلاف. وبون شاسع بين الدرجتين.فلا تتأسس درجة الاختلاف على وظيفة الهيمنة أو الرغبة في إخضاع الآخر؛ بل تتجه نحو إرساء مبدأ التكامل.و في النص القرآني ورد مقطعا جاء فيه“والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين و حفدة و رزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون”(سورة النحل،آية 72) فطرفي الثاني ليس ناقصا مقارنة معي، إنه الغير الذي يوجد كأنا آخر. فعبارة “زوج” تدل على مثنى في متداول اللسان العربي(في مقابل الفرد). فما بين الجزأين من الزوج، تقطن فكرة المساواة لا فكرة الانتقاص.
 غير أن ما ينبغي الانتباه إليه، هو كون هذه القضية ليست أمرا جديدا بل تنحدر جذورها إلى فجر الإسلام. فمبدأ الأمر بالمعروف قد أضفى لبوسا شرعيا في ولادة سلسلة مؤسسات خاصة تضمن قاعدة مشتركة أدنى للحياة الأخلاقية. و من جملتها مؤسسة الحسبة كمؤسسة مدنية، يراد منها تنظيم الحياة بين الأفراد وفق دليل أخلاقي مسموح ومعترف به كضرورة لدى الجميع. إن العودة إلى النص القرآني لا يشير صراحة لمعنى ما للحسبة، بل إنها لم تتخذ شكل مؤسسة إلا فيما بعد من لدن الفقهاء.وقد وجدت مثيلاتها في حضارات قديمة عدة ضمن باقي الحضارات الأخرى كحضارتي أثينا و روما.ومما سجله الباحثون هو وجود تشابه كائن بين محتسب الأسواق وقانون الأغوارا الإغريقي. ففي روما مثلا كانت امتيازات محتسب تتوزع بين المراقب وl adilis. و كان ظهور مؤسسة الحسبة، مثلها مثل باقي المؤسسات الأخرى، وليدة سياق تاريخي خاص، ولم تغدو مؤسسة عتيقة ميتة إلا بعد استنفاذ وظيفتها التاريخية بسبب كف هذا سياق التاريخي عن استمراره في الوجود.

 هكذا، وإلى حدود الآن، مازال المسلم يمارس فكرة الأمر بالمعروف، كأمر قرآني، عن طريق بطاقة الناخب. فمن بين جملة البرامج الانتخابية التي تقترح عليه يتم فيها اختيار أفضل ما هو مناسب و قريب إلى قناعاته الشخصية. فضلا عن ذلك، لا أحد يستطيع منع المسلم عن سلوك فعل الخير أو النضال من أجل الدفاع عن الحق بإعلاء نبراس القلم أو الجهر باللسان أو نشدان مثال الخير أو إصدار شهادة تروق الجميع دون التخلي عن تقدير و احترام الغير. فالحرية هي ملكية عامة لدى جميع الناس دون أدنى تمييز، وأن كل حرية تنتهي عند المساس بحرية الغير. وهذا أمر يدل، ضمن نطاق مجتمعات متعددة تأسست على مبدأ الحرية والحق في الاختلاف، على أن المسلم ينبغي لديه في حدود أدنى،إذا ما سلك مسلك الخير المشترك أو إن اقتضت الضرورة ذلك، أن يكتفي بمحاسبة النفس في حالة مخالفة قناعاته، قناعات الغير. فقد ورد في الآية القرآنية الآتية:“لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت” (286-2).

 ماذا تبقى إذن من جماعة التكفير والهجرة؟ إنها، في البداية، تشكل إحدى الحركات السياسية الأكثر سوءا من حيث التسامح مع الخصوم و التي تصر على ثبات دوغمائية عقيدتها في الفكر السياسي الإسلامي منذ واقعة “الفتنة الكبرى” إلى حدود أيامنا الحاضرة. تعد الخوارج من طليعة الحركات السياسية التي نظرت للعنف السياسي و سعت إلى تبريره في كل شيء، مع درجة من الفروق الطفيفة، بل إنها استلت السيف ضد أي إمام جائر بحسب زعمهم. ففرقة الأزارقة التابعة لحزب الخوارج، كانت أكثر ضراوة من غيرها في إراقة الدماء وتكفير خصومهم الرافضين لأي انصياع إلى مبادئها، حتى وإن كانوا هؤلاء من زمرة النساء والأطفال.وسعيا منهم إلى تحقيق أغراضهم انعطفوا نحو سلوك أسلوب العمل السري،على شاكلة باقي الفرقة الصغرى المتعددة للحركة الشيعية، مسوغين شرعيا عملهم هذا بجملة سلسلة من المبادئ الأساسية التي من خلالها يعتمد فيها اشتقاق مفردات من قبيل :التآزر ،الإنكار ،الرياء(التقية) والسرية..الخ (2).فأن توقف اللعنة و التكفير على الخصوم وحدهم(الخوارج والشيعة) والدعوة إلى شرعنة إهراق دماءهم مع تبرير العنف السياسي- الديني هو أمر لا ينطبق عليهم وحدهم، بل كذلك على المذهب السني.

لنتذكر،على سبيل المثال، إفتاء الإمام “الأوزاغي”( توفي في عام157هج-774 م)، التابع لحكم الدولة الأموية، بجواز قتل غيلان الدمشقي بدعوى أنه أوصى بمبدأ القضاء والقدر؛ أو تنفيذ الإعدام على هشام بن عبد المالك(105-125/724-743(بدعوى تطبيق حدود الشريعة استرضاء للباري.أما بالنسبة للإمام مالك بن أنس (توفي179/796) فهل يرضينا ما روى عنه صاحبه ابن كرم:“قال مالك في الأباظية و الحرورية وأهل الأهواء كلهم أرى أن يستثابوا فإن تابوا وإلا قتلوا”(3). بل إن إبراهيم الثاني الأغالبي (875-902-289-261 -) لم يعد قادرا على كبح العرف المالكي، والذي أضحى تيارا دينيا مهيمنا في عصره، هذا في الوقت الذي تم فيه إهلاك وإجلاء الأباضية من جبل “نفوزا” في اتجاه جنوب إفريقيا. فحتى بعد أن أمرهم بالتوبة و الهداية إلى ربهم، لم يتوان في مشاركته في تنفيذ حكم بالموت في حقهم وأياديهم مكبلة بالأغلال(4). نسوق هذه الرواية من مصدر مؤكد و كأنه مديح لما اعتبره مالك حكما عاديا بقتل ثلث من الجماعة بغرض تحقيق الخير للثلثين الآخرين. فإذا كان هذا الأمر صحيحا، فإن هذه النسبة من القتل المطبقة من لدن النزعة الكليانية اللاهوتية أثارت شهية كل هؤلاء المنظرين للعنف الثوري، مهما كانت طبيعة العصور،ومهما كانت طبيعة أولئك اللذين يضفون على أشكال التطهير تبريرات واهية في كل الأزمنة والأمكنة. تلكم هي إذن، بعض الأمثلة التاريخية التي كان الغرض من استحضارها، بيان أشكال العنف السياسي وتبريراته باسم نصرة الدين، و تحت ذريعة أو مظلة تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف.

 فأين تكمن المعضلة إذن؟ إنها تكمن في كون الأزارقة، إمام الأوزاغي أو إمام مالك أو ابن ياسين أو ابن تومرت وكل الأشخاص اللذين ينتسبون إلى طينتهم، كانوا على اقتناع تام وإيمان عميق بأن الشعور الديني هو محركهم في إعلاء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن يشك في إخلاص و ورع إمام مالك؟ فهنا في هذه الحالة، تنبثق المعضلة ،على مستوى كل القناعات التي تتحول إلى دعوة إلى العنف، حينما يفقد الإنسان معنى حدوده ونسبة معصيته. فأنا من جهتي، ليس لي أدنى شك من إخلاص السيد قطب اتجاه ما يعتقد أنه حقيقة عينها. بيد أن هذا النوع من صدق الطوية، في مجتمع لا يقبل بالحوار ولا بالتعدد و لا بحق الاختلاف القائم على الاعتراف بالحدود الملازمة للطبيعة الإنسانية، يخلق توترات تتجاوز سريعا إطار المواجهة العقلانية الخاصة بإضاءة سبيل الحقيقة لكي يتحول إلى إرهاب ثقافي أو إلى إرهاب فيزيقي.هكذا، نصل، في النهاية، إلى تكريس التوجه الكلياني الرامي إلى اغتيال العقل والجسد معا. لقد شرع دم قميص عثمان الباب على مصراعيه لواقعة تاريخية التي نعتت ب“الفتنة الكبرى”. كما هو الشأن بالنبسة للسيد قطب، الذي حكم بالإعدام في ظروف غامضة، ما ترك الحدث في قلب مريديه رغبة دفينة من أجل الانتقام بنفس المقدار الذي كان لمعاوية من ثأر لدم قميص عثمان.

الهوامش:
1- الطرطوشي(ت530هجرية):“الحوادث والبدع”ضمن كتاب“التقييم النقدي”محمد الطالبي، تونس1959.
2- محمد الطالبي “اعتناق البرابرة للمذهب الأباظية- الصفروية وتشكل الخريطة السياسية الجديدة المغاربية في القرن(2هجري/ 8م)”ضمن دراسات التاريخ الأفريقي“منشورات الجامعة تونس.1982.
3- سحنون”المدونة الكبرى“1323، الجزء الثاني ص:47 .
4- محمد الطالبي”إمارة الأغالبة” منشورات ميزونوف، باريس . 1966 ص:302.

المرجع: تأملات مسلم معاصر، منشورات الفينيك، الدار البيضاء. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق