بعض الخواطر حول «الديموقراطية الناشئة» / محمّد الحدّاد

ظلّ التطلّع إلى الديموقراطية على مدى عقود طويلة من باب الأحلام الجماعية، لذلك اختلفت التيارات الفكرية في كلّ شيء إلاّ في شعار «الديموقراطية». فكلّ تيار وجد نفسه مدفوعاً إلى تبنّي الكلمة ولو أفرغها بعد ذلك من محتواها. وهكذا ظهرت لدى اليساريّين مـــقولة «الديموقراطية الشعبية» لوصف أنظمة في أوروبـــا الشرقيـــة وبعض البلدان العربية لم تكن إلاّ ديكتاتوريات في البـاطن، متجمّلة بهذه الكلمة الـــحلم. وظـــهرت لدى الإسلاميين مقولة الديموقراطية الإجرائية التي تمثل، بزعمهم، تطبيقاً آنيّاً لمبدأ الشـورى الأزلي، أو تنزيلاً لمبدأ الشورى المطلق على وضع العصر المتحرك. أما الأنظمة فأطلقت «ديموقراطية» على أحزابها الحاكمة وطرقاتها الرئيسة وساحاتها العامة وأحلّت أقصى العقوبات على من يتجرّأ ويشكّك في حقيقة ديموقراطيتها.

ويمكن القول إننا بعد عقود طويلة من الاستهلاك الخطابي للكلمة بدأنا، أو بدأ بعضنا، يتلمّس حقيقة التجربة الديموقراطية في الفعل والواقع، وثمة خطر كبير بأن يتبدّد هذا الحلم في الأذهان بسرعة، بخاصة لدى الأجيال الجديدة، إذا لم نراعِ بعض الحقائق الأساسية:

أولاً، لا يمكن أن توجد ديموقراطية خارج دولة متماسكة وقويّة، والديموقراطية على الطريقة الأميركية، كما طبّقت في العراق، اسم بلا مسمّى، وكلمة من دون مضمون. فالدولة الديموقراطية هي دولة قبل أن تكون ديموقراطية. أمّا إضعاف الدولة وإطلاق لفظ ديموقراطية على حالة من الانفلات العام فإنّهما أكبر تدمير للحلم الديموقراطي الذي حملته أجيال من المواطنين والمناضلين. ثم إن إضعاف الدولة يؤدّي بالضرورة إلى عودة التنظيمات الاجتماعية السابقة على ظهور الدولة الوطنية، مثل العشيرة والقبيلة والطائفة والزعامة الكارزمية، وقد يؤدّي التعايش بينها إلى نوع من الحرية، لكنها حرية تعمّق الفوضى أكثر منها تنظيماً سياسياً ناجعاً للمجتمع والعيش المشترك.

ثانياً، الديموقراطية نظام حديث يرتبط بمجموعة متماسكة ومتكاملة من المفاهيم والآليات مثل المواطنة والمساواة والفصل بين السلطات والتمييز بين التشريع المدني والتشريع الأخلاقي والديني أو الأعراف العامة، باعتبار الأول يرتبط فقط بالمجال العام المشترك، من دون الدوافع والنيات وكلّ ما يتعلّق بخلاص الإنسان أو مصيره بعد الموت. فهذه قضايا تعالجها المنظومات الأخلاقية والدينية والوجودية ولا تشرّعها الدولة ومؤسساتها. لذلك، لا توجد ديموقراطية إسلامية أو مسيحية أو بوذية، بل توجد تأويلات دينية يمكن أن تتـــلاءم مع الديموقراطية وأخرى تحاصرها. والإسلام الســياسي وظّف سابقاً الدين للوصول إلى السلطة، ويـوظّف اليوم الدين والديموقراطية معاً، لكنّ ذلك لن يجعله أكثر ديموقراطية ولا أكثر تديّناً. فالضابط الوحيد هو القبول بكل المنظومة الحديثة في الحكم وليس انتقاء بعضها للوصول إلى السلطة.

ثالثاً، العالم الذي نعيش به تتحكم فيه رؤوس الأموال والمصالح المالية، لذلك يسهل أن تتحوّل الديموقراطية إلى غطاء تستعمله تلك القوى لتمرير رغباتها المشروعة وغير المشروعة، والسيطرة على مجتمعات مترنّحة ومفكّكة وربما متناحرة، مع تخدير الشعوب بالوعود ريثما تتحقّق الأرباح السريعة والطائلة، ثم يترك البلد وشأنه يتهاوى كورقة خريف، عندما يفقد جاذبيته ونفعه. وكثيراً ما كانت الهرولة لتقديم المساعدات المالية السخية مدخلاً للانقضاض على الفريسة بعد إيقاعها في الشباك وتكبيلها. وما حدث في القرن التاسع عشر تمهيداً للاستعمار قابل لأن يتحقّق مجدّداً في شكل مختلف، ولكن بالروح والغاية ذاتهما، أي نهب القوي للضعيف ليزداد الأول قوة والثاني ضعفاً.

رابعاً، تحدث أخطاء كثيرة في المرحلة الأولى من الديموقراطية الناشئة، لكنّ الخطأ الأكبر هو رمي الرضيع مع الماء، كما يقول المثل الفرنسي. ومن أبرز مساوئ المرحلة الانتقالية غلبة الشعبوية، ذلك أنّ الناس كانوا ينظرون إلى الشأن العام باعتباره شأناً مخصوصاً بفئة تقدّم نفسها في صورة مضخمة تكاد أن تتجاوز البشر العاديين قدرةً وكفاءةً، ثم يكتشفون فجأة أنّ هذا الشأن أصبح متاحاً أمامهم، فيؤدي ذلك إلى الاستهانة بأمره واستسهال تسييره، ويقع الانتقال من النقيض إلى النقيض. والمؤمّل أنه إذا نجحت التجربة، بقي اللغو الشعبوي مجرّد ذكرى ومُسحت من الذاكرة الزعامات الشعبوية التي تتصدّر عادة مراحل البدايات. أما إذا لم تنجح التجربة فتتوالد تلك الزعامات، وتتكاثر وتسدّ أفق الديموقراطية الحقيقية.

خامساً، تتميز مرحلة البدايات بالهوة بين الخطاب السياسي والواقع السياسي. فالخطاب السائد يقوم على المزايدة والتخاصم، أما القدرات الفعلية لتغيير الواقع فتظلّ محدودة، بما يعني أنّ الطبقة السياسية تُكثِر من الضجيج وتُقِلّ من العمل، وتتخاصم على رؤوس الملأ لتحصل على الأتباع وتقترب من بعضها بعضاً في المجالس المغلقة لتحافظ على امتيازاتها المشتركة، وتزايد في كل قضية لكنها تهادن في السرّ بل تنبطح لأنها تواجه أوضاعاً عصية على التسيير، ومشاكل لا تملك لها الحلول. وتتحوّل السياسة بذلك إلى نوع من «الفهلوة»، تنفّر العقلاء وأصحاب الكفاءات وتزيد اجتذاب الموتورين والانتهازيين، بما يعمّق طابع الفهلوة… وهكذا دواليك.

إنّ المسار الديموقراطي طويل ومحفوف بالأخطار، وقابل لكل أنواع الانزلاق والانحراف، ونحتاج إلى المرور من حلم الديموقراطية إلى متابعتها واقعياً وتشريح مساراتها الفعلية في المجتمعات العربية التي تشهد بدايات صعبة ومتعثرة لتحقيق ما حققه كثير من المجتمعات الأخرى منذ عقود. ولم تعد مهمة المثقف اليوم التبشير بالديموقراطية بمقدار ما أصبحت تحليل مساراتها الفعلية مقارنةً بتجارب مشابهة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق