المرأة في خطاب الأزمة

إنّ الخطاب المتعلق بالنساء في العالم العربي هو خطاب تمييزي بشكل عام. إنه خطاب يضع النساء في إطار علاقات مقارناتية مع الرجال. وعندما تُعرّف العلاقة بين طرفين على هذا النحو، فإن هذا يعني أن أحد الطرفين ينص على الآخر ويستسلم له. كما من الطبيعي أنّ الطرف الذي يعتقد بأنه قوي، سينتج خطاباً تمييزياً عنصرياً. وليس هذا هو الحال مع الخطاب الديني وحده، وإنما أيضاً جزء من الخطاب العربي الراهن والمهيمن في كلٍّ من مجالي الثقافة و الاعلام. كما أنه ليس من الصعب أن نجد في خطاب “المساواة” و“المشاركة” نبرة التفوق التي تنبع أساساً من الخطاب الذي يضع الذكور في المركز. وعندما تكون النساء مساوية للرجال، وعندما يُسمح لها بالمشاركة، فإنّ هذا لا يعدو أن يكون مجرد مشاركة للرجل. ولكن في جميع الحالات، يصبح الرجل المحور في كل شيء. ويبدو أن المسألة غير قابلة للجدال بها. وكذلك الأمر في بعض المجتمعات البشرية، تكون نشاطات المرأة الاجتماعية، الثقافية و السياسية هي هامشية وبلا معنى اذا لم يكن الرجل مشاركاً بها أيضاً.

1- للخطاب العربي المعاصر جذوره في اللغة نفسها. إنها اللغة التي تصر على التمييز بين الأسماء العربية و الأسماء الأجنبية مع إشارة ما يسمى “التنوين”. حيث هذه توضع العلامة عند نهاية الأسماء العربية فقط عند التلفظ بها وليس عند كتابتها. يستطيع المرء بهذا أن يقول محمدٌ أو عليٌ. ولكن هذه الإشارة لا يمكن أنْترفقمع الأسماء غير العربية مثل بوش أو ابراهيم. ينبغي علينا أن نلاحظ أيضاً أن مصطلح عجم (ليس عربياً أو بربرياً) يشير إلى غير العربي– المصطلح يستخدم عادة للحيوانات. هذا تصنيف يعطي العرب مكانة متفوقة. وأيضاً يمنح لغتهم مكانة(الــ)لغة، وكأن أي لغة أخرى هي لغة ليست مهمة، و أن أولئك الذين يتكملون لغة أخرى هم مثل الحيوانات لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم.

هذا التمييز اللغوي بين العرب وغير العرب على أساس اللغة و معانيها يولد تمييزاً من نوع أخر بين الذكور و الاناث في الأسماء العربية. إن أسماء الإناث العربية هي أيضاً تعتبر بأنها أقل أهمية. وإضافة إلى (ت) (تاء التأنيث) التي تُستخدم عادةللتفريق بين الذكور و الإناث،فإن التنوين يغيب عن الأسماء الأنثوية تماماً كما يغيب عن الأسماء الأجنبية. وبالتالي هناك تمييز عنصري لغوي ليس فقط ضد “الآخر” ولكن أيضاً ضد الاناث من نفس الجنس الواحد. إن هذا ملحوظ في جميع الخطابات المعاصرة الموجودة،التي تعامل فيها النساء كأنهنّ“أقليات”باعتبارهن ملزمات بأن يكنّ تحت “حماية” و “سلطة” الرجال.

يمتد هذا التمييز اللغوي على نطاق واسع. فجميع الأسماء في اللغة هي أما مذكرة أو مؤنثة وليس هناك من حياد في اللغة العربية، كما يوجد في لغات أخرى مثل الألمانية على سبيل المثال. ويفّرق أساتذة اللغة بين كلمة الإنثىالحقيقية وكلمة الأنثى الرمزية، ولكن هذا التمييز لا يعني أن الأنثى الرمزيةتُعفى من الخضوعلأليات التصنيف جميعها والتي تخضع لها في الواقع. من جهة أخرى، إننا لا نجد فارقاً بين الذكر “الحقيقي” و الذكر “الرمزي” وهذا ما يوحي بأنه يوجد تصور مسبقبأن الذكور “فاعلون”، بينما الاناث غير “فاعلات”. واستناداً إلى هذا الافتراض، فإن الجمع يتم التعامل معه كصيغة “جمع مذكر” حتى لو كان هذا الجمع يتعلقبمجموعة من النساء، على شرط حضور أن ذكر مفردواحد داخل مجموعة النساء تلك. هذا يعني أن وجود رجل واحد هو أكثر أهمية من وجودمجموعة كاملة من النساء. وبناء على ذلك، فإنهيطلق علىصيغة الجمع بالمذكر و ليس بصيغةجمعالمؤنث.

2- إذا كان لنا أن نقول أن هذا لا يخص اللغة العربية وحدها، وأنه يتعلق بالعديد من اللغات الأخرى على وجه الأرض، فهذا لا ينفي أهميتها الدلالية. عوضاً عن ذلك، فإنّ ذلك يظهر مدىواسع الانتشارفي الوعي البشري بشكل عام. إذا كانت هذه هي الحال على المستوى اللغوي، فإنه ليس دائماً هو الحال في وعي الجماعات البشريةعلى مر التاريخ. وفي بعض المجتمعات المعاصرة التي تتكلم الإنكليزية، على سبيل المثال، هناك وعي متزايد فيما يتعلقبأيديولوجيا اللغة و خطر الخضوع لها. فعلى سبيل المثال، هناك بعض المحاولات لتغيير اللغة واستبدالها بوعي مختلف، على سبيل المثال، عندما يحاول الناس عدم الافراط في استخدام ضمير “هو” باستخدام ضميري“هو” أو “هي” بالتناوب. أيضاًيتجنب الناس استخدام ألفاظ الذكر أو الأنثى لوصف مواقفمعينة، حيث أنه لميعديُقال في “Chairman”ولكن يقال“Chairperson”ولا يقال“Spokesman”ولكن “Spokesperson”. هذا الوعي الجديد غائب عن الخطاب العربي و هذا هو ما يهمنا هنا.

3- حينما تعامل اللغة النساءَمن منظور عنصري أو عرقي فإنها تضعهم على قدم المساواة مع العجم، و بالتالي هي أيضاً تعكس مستوى وعي للناس الذين خلقوا هذه اللغة. على الرغم من أن الوعي لا يتطور بمعزل عن اللغة كما أن اللغة لا تتطور بمعزل عن أولئك الذين يتحدثون بها، فلكل نوع من الوعي تاريخه المستقل و مساره المتميز. أحياناً يتصادم هذين الاثنين،بحيث يمكن أن يقود إلى تغييرات حاسمة في بنية اللغة. وهذا قد يؤدي في بعض الأحيان إلى انتصار الوعي التقليدي على الوعي الجديد. في تاريخ اللغة العربية، الذييمثل-تاريخ الشعب الذي يتحدث بها- يوجد وعي متميز يتمثل في القرآن، الذي يتناول النساء كما يتناول الرجال. وقد تمت مخاطبة النساء بطريقة غير مباشرة من خلال مخاطبة الرجال، ولكن القرآن ليس كذلك. في هذا السياق، ينبغي علينا استبعاد بعض الأوهام التي يحملها الناس فيما يتعلق بدونية حالة المرأة في الخطاب القرآني الذي يستند على حقيقة أن ميراث المرأة هو نصف ما يرثه الرجل. إن المعايير الحقيقية للتقييم يجب أن تعالجوضع المرأة و مكانتها في المجتمع قبل القرآن، وليس مجرد مقارنة بين الخطاب القرآني و تفكيرنا القانوني الذي نتمناه بشأن وضع المرأة. واستناداً إلى هذه المعايير، فإنّ تناول موضوع النساء بشكل مستقل عن الرجال في الخطاب القرآني هو شكلجديدمن الوعيوالذي لم يسبق له مثيل إلا في بعض القصائد غير المهمة.

ولكن هذا الوعي في الخطاب القرآني قد دخل في صراع مع الوعي الموجود مسبقاً في اللغة، وهذا من خلال صراع معقد على أساس السياسة أولاً ومن ثم على مستوى التفكير الديني و على مستوى الثقافة العربية بأسرها. وبمقدار ما قد يميل هذا الصراع تجاه وعي جديد، فأن وضع النساء قد يتطور، وبمقدار ما يميل التوازن تجاه وعي تقليدي وما يمثله فيما يتعلق بقيم القبلية المغلقة، فإن وضع المرأة سوف يتدهور. لقد تغير وضع المرأة من مجتمعلمجتمعومن دولةلدولة في الامبراطورية الاسلامية. إنّ حالة النساء في المجتمع الأندلسي كانت تستحق الثناء، فإلى حد ما كانللمرأة حق الاشتراط على زوجها بأن لا يتزوج غيرها. ولم يتحدث أي واحد من العلماء في ذلك الوقت عن أن تلك الشروط تتعارض مع مبدأ التفوق الذي أصبح معياراً في العصور اللاحقة.
في عصور التخلف و إحياء التقليد، تم تغييب النساء، وأصبح ينظرإليهن على أنهنيفتقرنللعقل والدين[ناقصات عقل ودين م.]. ولقد تطورت فكرة أن النساءلا يتاح لهنّ ممارسة الجنس أثناء فترة الحيض إلى أبعد من ذلك إلى تجنب الحديث معهنّومشاركتهنّ الطعام، وذلك يعود إلى التابواتالأسطورية. لقد أعيد قولبة قصة خروج آدم من الجنة في رواية العهد القديم، حيث تُعدحواء بمثابة ثعبان وشيطان. وتم ابتداع خطاب حتى في صناعة السينما، حيث الأفلام التي يطلق عليها اسم الشيطان هي المرأة. وتم تحويل المرأة إلى مخلوق مثير للشهوة حيث يحرض على الإغواء و الفتن.ويصبح الحل الوحيد هو دفن النساء أحياءً،كما فعل العرب البداوة في الجاهلية ( قبل فترة الاسلام). ولكن عوضاً عن ذلك فإنرد الفعل الحديث لدفن المرأة حية هو دفنها حيةداخل غطاء أسود مع ثقبين للعينين!

4- بعد الهزيمة العسكرية في عام 1967، شعر العربي بشعور بشكل متزايد بالعار. ولتعويض عجزه هذا، فقد لجأ بالهروب إلى الماضي، إلى هويته الأصلية، إلى وهم الرجولة. ففي ميدان السياسية، كان هناك توجه ضد الوحدة الوطنية، وعلى المستوى الاجتماعي، بدأت الطائفية بالنمو بدلاً من الوطنية. وحلّ الدين محل الأمة، والتاريخ، والجغرافية.
هكذا، فقد أخليت الساحةللتجزئة، والطائفية و الدين.عند اجتماع هذه العناصر الثلاثة مع بعضهم فإنهم يولدون الارهاب حيث يجد تعبيراً من خلال ذاته: هو عنف وارهاب على كل المستويات: المسلمين ضد المسيحين، و المسيحين ضد المسلمين، والسني ضد الشيعي و العكس بالعكس. في هذه البيئةالمشحونةبالعنف و الارهاب، أصبح الرجل معادياً للمرأة:هل هو بحاجة إلىشريكليتنافس معه أو شيءما ليدافع عنه أو يموت من أجله و حمايته؟ دعوا النساء تذهب للجحيم. دعوهم يبقون في منازلهم، يخدمون أزواجهم، يكنسون الأرض ويربون أطفالهم لتجنب كل وجع الرأس من ورائهن.

هل نحن نواجه خطاباً دينياً؟ إنه من الخطأ أن نقول ذلك. إننا نواجه تخلفاًقد يستخدم لغة الدين أو لغة السياسية أو السيسيولوجيا أو الاقتصاد. ولكنه ليس مجرد خطاب تخلف. إنه أيضاً خطاب إرهابي عدواني ضد النساء، ليس فقط من خلال التحرشالجنسي والاغتصاب، ولكن أيضاً من خلال عبارات مثل تلك التي قرأت في مقالة مصطفى محمود في جريدة الأهرام بتاريخ [18/2/92]، حيث قال:“إننا نسمع هذه الأيامدعوات تمرد من قبل ما يسمون”بنصفنا الحلو“- يقصد بهم النساء- الغالبية منهم هم زوجات لرجال ميسورين،اللواتي يطالبن بالخروج للعمل و ترك أطفالهن في الشارع. كل واحدة منهنتصرخ في وجه زوجها بأنها تريد أن” تجد هويتها“و أنها تريد أن تتساوى معه. هذا نوع من المنطق يحيرني! (والكلام لـ مصطفى محمود): ما نوع الهوية الذي سوف تجدها المرأة كونها سكرتيرة لفلان أو فلان أو مهندسة صرف صحي أو أمينة صندوق في بنك أو بائعة سوبر ماركت؟هناك فقدان للهوية في كل تلك الأعمال. وإن مطلب تحقيق الهوية هو مجرد كلمات مناسبة تصلحللروايات”.

إننا نلاحظ هنا أن الكاتبيبدأ مع وجهة نظره التي تقول أنه ينبغي على النساء أن لا يخرجوا للعمل إلا لتلبية احتياجاتهم الاقتصادية. هذا ينص على أن الذكور هم الأثرياء،وهذا يجعل من غير المنطقي بالنسبة للمرأة أن ترغب في تحقيق حاجتها الاقتصادية. لذا يجعل مصطفى محمود خروج النساء للعمل أمراً الذي يدخل في حقل المحظور- شيء ما هو مسموح فقط عند الضرورة. لاحظوا كيف أن مصطفى محمود مندهش من أن النساء اللواتي يردنالخروج هم زوجات لرجال ميسوري الحال، وكيف أنه يقول بشكل تراجيدي هم يرمون أطفالهم في الشارع على الرغم من أنهم ميسوري الحال وبالطبع يمكنهم جلب خادمات. ولكنه لا يقول هذا- بدلاً من ذلك فهو يقول بأنهم يرمون أطفالهم في الشارع. انظروا كيف يتغير خطاب مصطفى محمود نحو خطاب ميلودارماتيكي عندما يقول “أنها تصرخ في وجه زوجها، راغبة بأن تكون متساوية معه”.

اذا افترضنا بأن هذا السيناريو صحيح، وبناء عليهماذا يكون نوع الرجل الذي زوجته يجب أن تصرخ في وجهه بذلك النوع من العبارات؟ لا شك أنه هو الزوج الذي يعتقد بأنه اشترى زوجته بماله، الزوج الذي يعاملها كما يعامل أكثر الأشياء تفاهة. بلا شك، الزوجة التي تتكلم لزوجها بهذه الطريقة هي رد فعل لمعاملة غير انسانية من الزوج تجاهها. إننا نشك بأن مصطفى محمود استمع الى بعض الشكاوي من أصدقائه الأثرياءفيما يخصتمرد زوجاتهم عليهم ومن ثم ليكتب ببساطة مقالة عن ذلك. هذا سبب أن خطابه لجأ إلى الحط من عمل المرأة من خلال تسمية بعض الوظائف التي يحتقرها مثل السكرتيرة و مهندس صرف صحي (لاحظوا استخدامه آلية الانحطاط هذه) وهلم جرا. ومن ثم يشير إلى تأكيداته السابقة و يخلص إلى أن كل هذه الرغبات هي رغبات سيئة. هو بالتالي ينتقل من السخرية إلى الإنحطاطإلىالإهانة الاجتماعية.
إن السخرية بالنسبة له هي نمط من الانحطاط، الذي يقود الى الأذىحيث لا يختلف كثيراً عن العنف الجسدي في الشارع.

المصدر  http://www.mengos.net/index.php?option=com_content&view=article&id=134:nasrwomen&catid=49:articles&Itemid=70

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق