الانتخابات الأوروبية وشبيهاتها / نهلة الشهال

يبدو أن «شبحاً يحوم فوق أوروبا»، ولكنه مختلف عن ذاك الذي بدأ به نص «البيان الشيوعي» لماركس وإنجلز، بنبرة درامية مطابقة لأدبيات زمانه. تتباهى مارين لوبن زعيمة «الجبهة الوطنية»، حزب اليمين المتطرف الفرنسي بأن حزبها سيحل أولاً في انتخابات البرلمان الأوروبي التي تختتم اليوم بتوجه الناخبين الفرنسيين إلى صناديق الاقتراع. وتعتبر ذلك مفتاح نجاحها في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2017… وهو طموح كبير، وقد يبدو أخرقَ، ولاسيما أن اتجاهات التصويت لبرلمان ستراسبورغ تبقى رمزية، لأن تلك المؤسسة ليست مهمة وفاعلة أو مقررة في شيء. ففكرة «أوروبا» ما زالت بالأساس محمولة بالعملة الموحدة التي اعتُمدت، اليورو. وهذه نقيصة كبيرة في بناء المشروع، ولاسيما أن ركيزته تلك مأزومة: قيمة صرفها مرتفعة للغاية ما يتسبب بمشاكل لكل الشرائح والطبقات (وهذا بذاته معجزة!)، فالبضائع المنتجة أوروبياً عالية الكلفة وغير تنافسية عالمياً، والسياحة في كل أوروبا صارت باهظة الثمن، وذوي الدخل المحدود ( ومعهم جيش العاطلين من العمل المتزايد نتيجة افلاسات الصناعة، وانتقال من لم يفلس منها الى مناطق أخرى من العالم، وانهيار الزراعة التام الخ…) يزدادون والحال تلك انسحاقاً.

تتوقع لوبن الحصول على ربع أصوات الناخبين هنا، مع علمها أنه لن تترتب نتائج سياسية ذات أثر في زيادة عدد نواب حزبها، ومعهم سائر الأحزاب التي تمثل اليمين المتطرف في البلدان الأوروبية الأخرى، والتي تعرف صعوداً مماثلاً في شعبيتها. بل إن في هذه الزيادة في التمثيل هنا تحديداً مفارقة، حيث تتمسك تلك الأحزاب بمعاداتها فكرة أوروبا والوحدة الأوروبية، وإعلائها من شأن الوطنيات «المحلية»، وغالباً لا يكترث جمهور هذا التيار بالتصويت لمؤسسة لا يؤمن بها. ثم، والأهم من هذا التناقض المباشر، هو حجم «مواءمة» الخطاب لخدمة أغراض المعارك الانتخابية المخاضة، على حساب المواقف «المبدئية» التي شكلت قوة هذا التيار، ما يلحق اضطراباً كبيراً في تماسكه وجاذبيته، ويجعله «عادياً»، وانتهازياً ساعياً الى السلطة كسواه، وليس «مخلصاً» كما يقدم نفسه. وتشي المحاجات والتبريرات التي ترد على لسان لوبين ورفاقها في سائر البلدان الأوروبية بهذه السمة. ولعل أبرز مثال هو الموقف من العملة الموحدة، اليورو. فبعدما كانت الدعوة صريحة وحادة للخروج من اليورو والعودة الى العملات الوطنية، بل شيطنته باعتباره أصل المشكلات التي تسحق الناس، اختفت هذه الدعوة وراحت لوبين تتنصل منها بالقول إن حسمها يجب أن يجري في استفتاء عام… ما يعني أن على الناس أن يقرروا، وعليهم بالتالي أن يتحملوا تبعات قرارهم، وهي قد تكون فادحة. وهذه طريقة لتلافي اتخاذ موقف وليست تعبيراً عن احترام عال للديموقراطية.

وقد تحصل فعلاً لوبين على النصيب الذي تتوقعه في هذه الانتخابات، كما حدث مع الانتخابات البلدية الفرنسية التي جرت منذ شهرين، حيث سجل حزبها تقدماً كبيراً في العديد من المواقع وسيطر على 15 بلدية (بينما حصل للمرة الأولى في 1997 على 4 بلديات)، ونقل عدد أعضاء المجالس البلدية المنتخبين تحت رايته من 60 شخصاً في 2008 إلى أكثر من 1200. لقد مضى وقت طويل الآن منذ انتهاء الموقع االبالغ الهامشية الذي كان يحتله اليمين المتطرف. ففي العام 1973، في أول انتخابات نيابية فرنسية شاركت فيها الجبهة الوطنية بعد عام من تأسيسها، حصلت على 1.32 في المئة من الأصوات! وبعد ذلك بعشرة أعوام، في 1984، وفي الانتخابات الأوروبية تحديداً، حصلت لائحة الجبهة على 10.95 في المئة من الأصوات، بما يعادل مليوني مصوِّت لمصلحتها، ليصل الأمر في 21 نيسان (ابريل) 2002، وأثناء الانتخابات الرئاسية الفرنسية، إلى حلول لوبين الأب في المرتبة الثانية، متجاوزاً المرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان، ومنتقلاً الى الدورة الثانية والنهائية بوجه شيراك… الذي فاز حينها بـ 82 في المئة من الأصوات (نال جان ماري لوبين 17.97 في المئة)، وبنسبة مشاركة دانت 80 في المئة ممن يحق لهم الاقتراع. عبّر ذلك عن – أو هو ترجم – هبة الاستنكار التي عمت فرنسا، رعباً من ذلك الشبح الذي بدا مغادراً دوره كفزاعة من قصب، أو كمجرد أداة للتعبير عن السخط، إلى فضاء «الجدّ». يومها أطلق لوبين جملته الشهيرة، والتي افتتحت عهد ما سيصبح بعد ذلك الخلطة الفكرية السائدة. قال «أنا اجتماعياً على اليسار واقتصادياً على اليمين»، مضيفاً ما لا بد منه: «وأنا وطنيّ فرنسي». بالطبع!

اعتبرت التوليفة مبتذلة، يمكن تفكيكها بسهولة وتبيان ديماغوجيتها. بالطبع! لكن الحياة العامة السياسية/الفكرية لا تتهندس وفق مقولات وأطروحات مفتكَرة، تفرض على نفسها احترام التماسك المنهجي… ولاسيما حين يكون العالم بأسره يمر بفترة اضطراب كبير، وتغيير يشمل كل مرتكزاته وما تعوّد على الاعتداد به. لا يمكن الاكتفاء حينها بتفسير ظواهر مثل التأييد الذي يحظى به حزب لوبن في المناطق العمالية الفرنسية التي كانت تصوت للحزب الشيوعي ولليسار المتطرف، بالقول إنها نتيجة من نتائج الأزمة الاقتصادية، أو إنها نتيجة شعبوية الخطاب اليميني والعنصري الذي أحلّ تدفق المهاجرين في موقع سبب البؤس الذي يسحق الشعب «الأصيل»… مما نعيشه في بلداننا كل يوم.

لقد ذهب التوليف الفكري (أو التلفيق لو شئتم) مذهباً بعيداً، فاضطربت إن لم تكن غابت الحدود بين يسار ويمين، وارتفع صوت أبناء اليمين المتطرف (وهم كذلك باعتبار عنصريتهم المعادية للمهاجرين، وبالأخص منهم للمسلمين – والإسلام عموماً باعتباره «آخر» مطلقاً – التي تُرافق تعصبهم «الوطني» وما كان كاثوليكية متشددة مصرحاً بها ثم خفتت، وباعتبار دفاعهم عن بنية ومرتكزات النظام البطريركي في كل شاردة وواردة وكل مناسبة رغم ادعائهم مناهضة «النظمة» أو «السيستيم»، وباعتبار ان حزب لوبن مثلاً تأسس حول المطالبة بإلغاء اتفاقيات إيفيان 1962 التي أقرت باستقلال الجزائر!… )، ارتفع صوتهم إذاً بمقولات ليست لهم في الأصل: انتقاد صارخ للنيوليبرالية، واستخدام مفرط لمفاهيم الاستغلال والسيطرة، والمركز والأطراف… وعلى ذلك ومعه، ارتكاز لا لبس فيه على مقولة «إعادة الأمن والنظام» (كنقيض للفوضى)… وحين تضطرب الأفكار بهذه الصورة، ينكشف هول الفراغ القائم.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق