أستاذة علم الاجتماع ساسكيا ساسين Saskia Sassen: “دخلت الرأسمالية في منطق التدمير”

بالنسبة لعالمة الاجتماع في هارفار ساسكيا ساسين يعاني العاطلون المشطوبون والطبقات المتوسطة المرحّلة من مراكز المدن والنظم البيئية المتدهورة من نفس الظاهرة، ظاهرة الإقصاء والطرد.

إنها اليوم في بلباو، وكانت بالأمس في نيويورك، وستكون في اليوم الموالي في المملكة المتحدة: بين طائرتين، تحاضر ساسكيا ساسين، أستاذة علم الاجتماع في جامعة كولومبيا بنيويورك، وتناقش وتستفزّ. إنها منذ عشرين سنة تمحص العولمة بكل أبعادها – الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية والبيئية. لقد ترعرعت هذه المواطنة العالمية، الحاذقة للعديد من اللغات والمولودة في هولندا سنة 1949، في بوينس آيرس قبل أن تدرس في فرنسا وايطاليا والولايات المتحدة. وستنشر هذه الأيام في الولايات المتحدة كتابا بعنوان Expulsions – إقصاءات – ( مطبعة جامعة هارفارد ).

في كتابك الجديد، تذهبين إلى أن العولمة قد دخلت مرحلة “الإقصاء”. فماذا تقصدين بذلك؟

ساسكيا ساسين : هناك عدد متزايد من الناس والشركات والأماكن المادية وكأنها “أقصيت” من النظام الاقتصادي والاجتماعي على مدى العقدين الماضيين. فتم حذف عاطلين عن العمل من قوائم الباحثين عن شغل. ولم يعد بعض العمال الفقراء يتمتعون بأي حماية اجتماعية. لقد فقدت تسعة ملايين من الأسر الأميركية منازلها بعد أزمة الرهون العقارية. وفي المدن الرئيسية في جميع أنحاء العالم، تم طرد الطبقات الوسطى تدريجيا من مراكز المدن، وقد أصبح العيش فيها الآن باهض الثمن.

لقد ازداد عدد نزلاء السجون الأمريكية بـ 600 ٪ على مدى الأربعين سنة الماضية. ولغاية استخراج الغاز الصخري، يحوّل التكسير الهيدروليكي للتربة النظم البيئية إلى صحراء نتيجة تلوث المياه والتربة، وكأننا استأصلنا من المحيط الحيوي أجزاء من الحياة. ومنذ أن تمكنت قوى أجنبية، دَوْلية وخاصة، من الحصول على أراض في جميع أرجاء العالم نزح مئات الآلاف من القرويين؛ ومنذ عام 2006، تم شراء 220 مليون هكتار من الأراضي، معظمها في أفريقيا.

كل هذه الظواهر، الفاقدة لروابط واضحة، هل تستجيب حسب اعتقادكِ إلى منطق واحد؟

إنها تبدو ظاهريا منفصلة عن بعضها البعض، وكل ظاهرة تفسَّر على حدة. فبداهة، لا علاقة لمصير عاطل مشطوب ببحيرة ملوثة في روسيا أو الولايات المتحدة. ومع ذلك، ففي نظري، هما منخرطان في دينامكية نظامية جديدة، معقدة وجذرية، تستدعي شبكة قراءة غير مسبوقة. وينتابني شعور بأننا قد عبرنا في السنوات الأخيرة خطا غير مرئي، كما لو أننا قد انتقلنا إلى الجانب الآخر من “شيء ما”. ففي العديد من المجالات – الاقتصاد، المالية، عدم المساواة، البيئة، الكوارث الإنسانية – تتأكد المنحنيات وتتسارع “عمليات الطرد”. وتختفي ضحاياها مثلما تغرق القوارب في عرض البحر، دون أن تترك أثرا على السطح على الأقل. لأنه لم يعد يحسب لها حساب.

ما الفرق بين “مقصي” و“مطرود”؟

كان المقصيّ ضحية، فهو إنسان سيئ الحظ وهامشي إلى حد ما، خلل إن جاز التعبير؛ في حين أن المطرود هو نتيجة مباشرة للاشتغال الحالي للرأسمالية. يمكن أن يكون مثل المقصي شخصا أو فئة اجتماعية، ولكن أيضا فضاءا، أو نظاما بيئيا، أو منطقة بأسرها. فالمطرود هو نتاج التحولات الراهنة للرأسمالية، وهو في نظري داخل في منطق الانتزاع ومنطق الدمار، نتيجة الرأسمالية المباشرة.

ماذا يعني هذا القول؟

آنفا، وخلال ما سمّي بـ“العقود الثلاثة المجيدة” في الغرب، ولكن أيضا في العالم الشيوعي والعالم الثالث، شكل نمو الطبقات العاملة والمتوسطة، رغم فشل هذه الطبقات، قاعدة المنظومة. وكان منطق التوزيع والإشمال هو السائد. فالمنظومة كانت مع كل عيوبها تشتغل على هذا النحو. أما اليوم فلم يعد الحال هكذا. ولهذا السبب كذلك فقدت البرجوازية الصغيرة وجزء لا يستهان به من الطبقة المتوسطة توازنهما. والأبناء هم الضحايا الرئيسيون: إنهم احترموا قواعد المنظومة وأدّوا بضمير كل ما هو مطلوب منهم – الدراسات، التربصات، الكثير من التضحيات – لمواصلة (حركة) الارتقاء الاجتماعي لوالديهم. إنهم لم يفشلوا، غير أن المنظومة أطردتهم: لم يعد هناك مكان لهم.

عمّن تتحدثين ؟ فمن هم “المطاردون”؟

أنا لا أتحدث عن قلّة من الأفراد ولا حتى عن شركات متعددة الجنسيات مهووسة بأرقام المعاملات والإدراج في البورصة. بالنسبة لي، يتعلق الأمر بـ “تنظيمات خاتلة” هي خليط متنوع وموزع جغرافيا من رؤساء تنفيذيين لشركات كبرى، ومصرفيين، وقانونيين، ومحاسبين، وعلماء رياضيات وفيزياء، ونخب معولمة، تساعدها مهارات نظامية جبّارة – متكونة من آلات وشبكات تكنولوجية… – تقوم بالتجميع والمعالجة لمعارف وبيانات مركبة ومعقّدة غاية التعقيد، والحق يقال. ولا أحد يتحكّم في العملية برمّتها. لقد سمح إلغاء القيود المالية ابتداءًا من الثمانينات بقيام هذه التشكيلات المفترسة ويكمن المفتاح (أو بيت القصيد) في المشتقات المالية المتداولة التي تمثل وظيفة الوظائف، تضاعف المكاسب والخسائر وتسمح بهذا التركيز الشديد وغير المسبوق للثروات.

ما هي النتائج المترتبة عن النموذج الذي تصفين؟

تنكمش الاقتصاديات عندما تبتر من المطرودين (العمال، الغابات، المياه الجليدية…) ويتدهور المحيط الحيوي، ويزيد تسارع الاحترار المناخي وذوبان الجليد الدائم بصورة غير متوقعة. يشجع تركيز الثروات عمليات طرد من صنفين: طرد الأقلين حظا وطرد أصحاب الثراء الفاحش. ينفصل هؤلاء عن المجتمع الذي يعيشون فيه جسديا ويتطورون في عالم مواز خاص بطائفتهم وينقطعون عن تحمّل مسؤولياتهم المدنية. باختصار، يتوقف خوارزم الليبرالية الجديدة عن الاشتغال.

العالم الذي تصفينه مظلم جدا، ويكاد يكون داروينيا. فهل تكونين قد بالغت بعض الشيء في وصفكِ لسماته؟

لا اعتقد ذلك. فأنا أسلط الضوء على ظواهر كامنة، تبدو للبعض قصوى. يتعايش المنطق الذي أندد به مع أشكال من الحكم أكثر تحضرا وتطورا. فهدفي هو دق ناقوس الخطر. نحن عند نقطة تحوّل. ويشغلني بشكل خاص تآكل الطبقة الوسطى، الفاعل التاريخي الأهم في القرنين الماضيين ومُوجّه الديمقراطية. ويصبح الأمر خطيرا جدا على المستوى السياسي، ويمكن معاينة ذلك في كل مكان الآن.

كيف يمكن مقاومة هذه التشكيلات المفترسة؟

من الصعب مقاومتها، فنظرا لطبيعتها المعقدة، يستعصى التعرف على هويات هذه التشبيكات من الأفراد والمؤسسات والشبكات والآلات، وعلى مواقعها. بعد قولي هذا، أعتقد أن حركة احتلوا Occupy ومشتقاتها: “الغاضبون” «les indignés»، الربيع العربي أو التظاهرات في كييف، على الرغم من سياقاتها الاجتماعية والسياسية المختلفة، تشكل إجابات مثيرة للاهتمام. فالمرحّلون يعيدون الاستيلاء على الفضاء العام. وعندما يتمركزون في ما يشبه “الثغرة” – التي دائما ما تكون ساحة فسيحة أو مكانا للمرور– ويقيمون فيه مجتمعا محليا مؤقتا يتمتع بدعامة إعلامية عالية (hypermédiatisé) يستوطن أولئك المطرودون غير المرئيين من العولمة في أرض الواقع. وحتى وإن لم تكن لديهم طلبات محددة ولا قيادة سياسية، فإنهم يستعيدون حضورا جديدا في المدن العالميّة، تلك المدن العملاقة حيث تتجسد العولمة وتتطور. وإذا ما تعذر استهداف مكان معين لسلطة مسؤولة عن خيبات أملهم – قصر ملكي، جمعية وطنية، مقر شركة متعددة الجنسيات، مركز إنتاج… – فإن المطرودين يحتلون فضاءا غير محدد، ذو رمزية عالية، للمطالبة بحقوقهم المنتهكة كمواطنين.

هل سينجحون، حسب رأيك، في الحصول على شيء ما؟

إذا كنت تعتبر أنهم كالمذنبات، فالأمر محسوم فعلا. أنا أميل لاعتبارهم بدايةَ لمسار يشكّل فيه كل “احتلال” لبنة صغيرة. فهل يتعلق الأمر بدرب جنيني في طور التكوين؟ لا أدري. غير أن حركة القوميات في القرن التاسع عشر والحركة النسوية بدأتا أيضا عبر لمسات صغيرة إلى أن التحمت الخلايا المتفرقة في نهاية المطاف وشكلت كلّا واحدا. قد تنجح هذه الحركات ربما في تحريض الدول على إطلاق المبادرات العالمية في مجالات البيئة وفي الحصول على الماء والغذاء.

ما هو الحدث الذي من شأنه تحفيز هذا “الالتحام” ؟

أزمة مالية جديدة. أنا متأكدة من كونها قادمة. أنا أمحّص القطاع المالي منذ ثلاثين عاما: الأسواق غير مستقرة بدرجة كبيرة، والكثير من المعطيات يجب تحليلها، هناك الكثير من الأدوات، والكثير من المال، ثم إن الغرب لم يعد يسيطر وحده على الأسواق. أنا لا أعرف متى سوف تندلع هذه الأزمة ولا ما سيكون مداها ولكنني أشعر أن شيئا ما يطبخ على نار هادئة. في الواقع، نحن نشعر جميعا أن النظام على غاية من الهشاشة.

نشر الحوار بصحيفة “لومند” بتاريخ 26 -04- 2014

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق