رئيسٌ في الربيع.. صناعة مشكلة / سحر مندور

النقاش العام يحكي عن الرئيس، لكن البلد لا يضجّ فعلياً بالخبر. يتابعه بلا شك، يتوقّع حماسةً لاحقة، لكنه لا يتفاعل على وقع عدّاد الأيام المتساقطة برعبٍ من الرزنامة نحو الفراغ. المزاج العام يبدو وكأنه «يخبئ» طاقته للحظة الذروة حين تأتي. ففي هذه الأثناء، ما زال الخبر الرئاسيّ يقفز بنا في فقرته السياحية بين البلاد، بين الأزياء الرسمية وغير الرسمية. هنا ذقنٌ مستجدّة، وهناك لقاءٌ في مطار. كأنها دينامية شديدة الديناميكية، لكنها تبقى بلا نجومية رغم تلاقي الأضداد فيها.. أو ربما هي الحماسة المؤجلة.

في موقعٍ لاحق من نشرة الأخبار، تحضر قرارات منع التجوّل التي تتخذها بلديات لبنانية كانت آخرها بلدية برج حمود، في مبادراتٍ مستقلة لا تشعر الدولة بأنها معنيّة بالوقوف على مستواها، مراقبتها، توضيحها، منعها أو إرسائها قانوناً جامعاً، أو التعليق عليها حتى. ممنوعٌ أن يتجول السوريون ما بين الثامنة مساءً والسادسة صباحاً. يقول «أهل المنطقة» إنهم ينشدون الأمان، ويقول الممنوعون إنهم باتوا في مهبّ الريح. الناشط يسمّيها عنصريةً صريحة، والمواطن يسميها أزمة. أما الدولة فمشغولة عن تأمين الأمان ومراقبة العنصرية باختراع رئيس. الرئيس، صاحب المواصفات.

استراق النظر

هو الأقوى، التوافقي، التمثيلي، الفعليّ… إعلاناتٌ في الشوارع، وبرامج على التلفزيون. شيءٌ من الواقعية يمتزج بشيءٍ من السذاجة. في الصورة العامة، يبرز سعيٌ لجعل انتخاب الرئيس محوراً مصيرياً، والفراغ كارثةً وطنية. خلال السنوات الماضية، فرغت جميع الكراسي تباعاً، أُقفل باب مجلس النواب أشهراً، مشت الحكومة بنصف فريقٍ، غاب الرئيس عن الصورة لأشهرٍ وأتى انتخابه كلحظةٍ مفاجأة محببة بين الناس، كتذكيرٍ بالمنصب. أيّ كارثةٍ وطنيّة في الفراغ؟ وأيّ وعدٍ يقوى الانتخاب على قطعه؟ لكن، حسناً. بالتأكيد هناك جهدٌ دقيق يُبذل هذه الأيام، وبالتأكيد هناك معادلةٌ أشدّ دقّة تتجهّز. والناس مدعوون للمشاركة من خرم الباب، يتابعون «الحيثيات» كمن يسترق النظر أو السمع على اللقاءات الخاصة.

نسترق النظر: الأطراف الحادّة تتلاقى بعيداً، بينما الوجوه «الوسطية» تسرّب أخبارها. كمن يمهّد الجو العام لـ«صدمة» تلاقي متبادلي الكره العلني. «الوسطيون»، هذه وظيفتهم. التقريب ما بين الحادّين، واختراع المخارج لبلد الأزمات المستدامة. معادلةٌ بطعم الفراولة تكمّل بعضها بعضا، وتكتمل بنا، نحن الجمهور. لكن شمس الصيف تخترق الربيع راهناً. كأن المدينة تعبت قليلاً من شتاء ابتزازيّ مرتبك، تراها تأخذ راحتها السنوية. لا يبدو في الأفق هجومٌ كثيفٌ للمغتربين، عائدو المواسم الاصطيافية ليسوا في الصورة بعد. الطاولات لا تزدهر بنقاش الرئاسة، كأنه ملف يحتمل التأجيل. كأن المدينة راهناً تسكن إلى نفسها، بضوضائها وثقلها كما بشمسها وربيعها، في الفناء الخلفي للسياسة، في ردهة انتظار الحماسة.

«القوي بينزل عالجلسة»

الأطراف السياسية المزمنة في صوغ المعادلات، لا تسعى لإشراكنا بها. نبدو كالمتفقين معهم ضمناً على تأجيل الحماسة. ولكن الأطراف الحديثي الرئاسة، تراهم يستجدون إشراكنا. ففي شوارع البلد، تقفز إلى العيون حملةٌ إعلانية تبدو لافتة، لا لمضمونها الشيّق بل لغموضٍ في سذاجة طرحها. هي الحملة الإعلانية لحزب «القوات اللبنانية»، وهي تنمّ عن حماسةٍ فعلية وعميقة يعيشها الحزب انتخابياً، بينما الشمس تتسلل إلى شوارع اشتاقتها.

في اللوحات، تحضر جمالية بصرية لجهة هدوء صورة البرلمان المنعقد بالأبيض والأسود، بينما شعار «القوات» يأتي بألوان منعشة كالصيف. لكن العبارة المرافقة لكل لوحة تعيد المرء خطواتٍ إلى الخلف في فهمه لمجرى الأمور في البلد. «مش وقت فراغ لنعطّل»، «القوي بينزل عالجلسة»، و«تعطيل النصاب نصب». ما هذا؟ شجار صبيان، تليه دعوة للمبارزة في ساحة المجلس؟ «لقّيلي عالمفرق»؟ أم إنه هوس البحث عن قافيةٍ شعبوية في ظل تواضع المعنى والتأثير؟ ثم، هل يتوجه بها الحزب إلينا، نحن المواطنين مؤيدي الأطراف المتواجهة؟ يشركنا بالحديث؟ أم أنه يصيح عبر الشارع في وجه الأطراف الأخرى التي تشاركه البرلمان، على طريقة الشجار عبر الشرفات؟ أم أنها الأخت الكبرى تنصح شقيقتها الصغرى بأهمية تناول الخضار؟ تأرجحٌ بين «الزعرنة الميليشياوية» و«الرسمية الدولاتية»، تأرجحٌ بين الرغبة الشديدة بالمنصب وغلافها الوطنيّ الجامع.

في أحسن الأحوال، حملة «القوات» الإعلانية تبدو كقولٍ متأخرٍ عن مشهدٍ متقدّم عليها، الناس متقدّمون عليها بالمعرفة (الآتية من الماضي، أو مباشرة من باريس)، فتراها تفوز من الشارع بغض الطرف. ربما تستفز البعض، ربما يعتزّ بها البعض، لكن الجوّ العام تحت الشمس لا يشتمها، ولا يثني عليها، ولا يستدعيها إلى نقاش، ولا يجعلها صلب شيء. تراها كحملةٍ تُذكّر بهذا القول في نشرة الأخبار: «ومن المرجّح أن النواب سيحضرون إلى ساحة النجمة، ولكنهم لن يدخلوا إلى القاعة». سنراهم يتضاحكون ويتجاذبون أطراف ما يتجاذبونه على باب المجلس، وعندما يدق الجرس، لن يدخلوا إلى القاعة. مشهدٌ كوميدي من السياسة المحليّة. كتغيير اسم برنامج «كلام الناس» ليصبح «كلام رئيس»، احتفاءً بأهمية المناسبة وذروة اللحظة، ولكنه اعترافٌ بحقيقة البرنامج أيضاً. حقيقته، أو طموحه. أضف إلى ذلك حملة الرعب من الفراغ الرئاسي التي تقودها بعض التلفزيونات، ليشعر المرء بأن حدثاً جللاً يجري، بأننا أمام لحظة وجودية، بأننا… في حين أن الأخبار الوجودية فعلاً تراها تذوب تحت الشمس المصيرية كما يذوب الآيس كريم على أيدي «رجال الدولة»، أخبارٌ وجودية فعلاً كالراتب الشهري ورفض الدولة لتعديله، كالموظفين المضربين، كشاطئ البحر الذي تقفل الدولة مداخل الناس إليه، ككل قانونٍ يشتهي العدالة فلا يطالها، وكاختناق الناس ببعضهم البعض وبمليون لاجئ.

قانون طوارئ بلديّ

بينما الدولة مشغولة جداً لا بل متفرّغة لاختراع رئيسٍ يناسب مرحلتها الصريحة هذه (مبارزة عون ـ جعجع المشوّقة بعد عقودٍ من الانتظار)، تنصرف الحياة المدنية إلى اختراع حلول لمشاكل السطح التي تواجهها. وعندما تبحث السلطات المحلية عن حلول، تراها تطبّق ما أوصل النواب إلى البرلمان، وهو التفاعل غير الصحّي ما بين غريزة القوة ووطأة الخوف. فيكون اللجوء إلى المنع كأسلم الطرق في التعامل مع أي شيء. «الغريب» هو مصدر خوف لبناني تاريخي، طبعاً. الكثير من الغرباء، هو مصدر رعب الآن. أضف إلى ذلك الأزمة المالية التي يعيشها كل مواطن في بيته، والعنف الحاكم لعلاقات البشر في هذا المجتمع، وضغط الحياة الفعلي الذي يخنق إمكانيات التفكير. لن يجلسوا سوياً ليحكوا بأمنهم جميعاً بعدما تضاعف عددهم، وبالتالي تضاعفت الجريمة والأزمة الاقتصادية بينهم. لن يلتقوا للبحث في وطنٍ لا يلتقي على البحث، بل سينقسمون: أصليّون ووافدون، ويتبادلون التهم، ويتخذون ما ملكت أيديهم من إجراءات، ويتفاعلون. فيحصل أن منطقةً بأمها وأبيها تجد المنطق في لافتةٍ تعلن منع تجوّل السوريين بين الثامنة مساءً والسادسة صباحاً، كأن لا صدمة في ذلك، كأن لا تبعات أمنية في ذلك. ويمكن للمرء أن يبحث عن مبرّرات هذه اللافتة، ويمكن للمرء أن يتوقف عند عنصريتها الجليّة، ويبقى السؤال بلا إجابة: اللجوء السوري في لبنان أزمة ضخمة، فهل من يدير هذه الأزمة؟ من يتابع البلديات التي تتوالى إلى اتخاذ قرارات شبيهة، وتعلّقها على لافتات في الشوارع، بالقرب من اللوحات الإعلانية التي لا ترى الكارثة إلا في تعطيل نصابٍ ما؟

إن «منع التجوّل» هو بند من بنود قانون الطوارئ، تعلنه البلديات اليوم باستقلاليةٍ تامّة. هكذا، ببســاطة، تحت شمس الربيع وفي ظل الاستحقاق المصيري. هكذا، كما نحيا عادةً.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق