أقفية للإيجار

تعرفون صفحات الإعلانات بالجرائد أليس كذلك؟ وتذكرون بلا شك لوح السبورة، حيث اعتدنا تعليق الواجب المدرسي حين كنا تلاميذ بالمدرسة الإبتدائية، حتى يظهر للمعلم من كَتَب الواجب منا ومن تكاسل؟ 

وأكياس البازلاء الزاهية التي تُباع بالمحال التجارية تعرفونها؟ حيث المساحة الأمامية تشفّ عن بازلاء طازجة وبرّاقة، وبالخلف ـ بقفا الكيس ـ يوجد ملصق “السكرابز” الشهير بخطوطه المتوازية، ووصفة الإستعمال وطريقة الحفظ ودرجة حرارة الثلاجة وتاريخ الصلاحية، تذكرون كل هذا صحيح؟ إنها بالضبط أشياء تشبه أقفيتنا.
إن أقفيتنا هي لوحة إعلانات مملوءة بالملصقات، كل عابر فكر، كل طاريء، كل مهلوس، كل حالم، كل فيلسوف، كل وحيد، كل مريض، كل دعي، كل دجال، كل منظّر يُلصق شيئاً ما على أقفيتنا ثم يغادر.
هذا ما فعله الجميع معنا حين سلمناهم أقفيتنا، فوضعوا ملصقاتهم عليها ثم رحلوا، هم رحلوا ونحن مازلنا نحتفظ بملصقاتهم، نُخلص لتعليقها ونتشبت بها، ونمضي بعيداً جداً في الحفاظ عليها أكثر حتى منهم. 

الواحد منا يبدو مثقفاً عتيداً، يحمل حقيبة من الجلد الفاخر تحوي أوراقاً وكتباً، يرتدي بزةً أنيقة، يضع عطراً، يتحدث لغتين أجنبيتين أو ثلاثة، لكنه يتجول هنا وهناك، يحل ويرتحل بكل مكان وعلى قفاه ملصقٌ وضعه أحد الممسوسين ورحل، يتجول به ويتباهي بامتلاكه كأنه هو صاحبه، ويمضي بحياته تاركاً مساحةً إضافية دائماً من قفاه، كي يعلق عليها أحد الأفاقين أو الحالمين ملصقه ويذهب. 

أقفيتنا لطالما حملت تهويمات لأشخاص مارسوا الدجل باسم الله، أشخاصٌ لا يختلفون في هذيانهم عن هذيان الحشاشين والسكارى، يتخيلون أنهم طاروا في السماء على بغلة، أو أنهم أبناء لامرأة لم يمسسها إنس قط ولا جان، يختفون في كهوف غائرة بالجبل، ثم يعودون فجأة مُحمّلين بوصايا وناموس يقولون إنها من عند الله.

أقفيتنا تتربص بكل دجال، يزعم أنه مبعوث العناية الإلهية إلينا، ليلصق عليها تعاليمه الأشبه بتهريج بهلوان في سيرك، وبكل عنصري ينحاز لقبيلته الآتية من فجاج الصحراء، ليقرر تسويدها علينا وجعلنا عبيداً لها ما عشنا. 

أقفيتنا هي لوحة إعلانات لكل متطلع للخلود، يعتقد أنه سيتمرغ في نعيم سرمدي، ليشبع غرائزه الحيوانية مضحياً بادعائه أنه ظل الله في الأرض، ولكل جشع لئيم يكتب عليها أن الرخاء هو في الهيمنة على العالم، لتأمين أسواق لمشاريعه وشركاته، أو أنه إنما في كفالة المَشَاعية وتملك وسائل الإنتاج وإذابة التطلعات الفردية الخاصة لصالح المجموع، أو لكل شوفيني يعتقد بفرادة لغته ونقاء جذوره وطهارة تاريخه واحتقار البقية من المختلفين، ونحن بالذات! نحن ولا مرة واحدة، جربنا أن نمد أصابعنا لننزع تلك الملصقات ونجلبها من مؤخرة رؤوسنا، لوضعها أمام أعيننا كي ندقق قليلاً في مدى ملائمتها لنا وفي ظروف إنتاجها أو تاريخ صلاحيتها، نحن فقط نستقبل الملصقات لأنه لم يخطر ببالنا ولا مرة، أن نقرر أن أقفيتنا ليست للتأجير ولا لعرض المنتوجات الرثة للآخرين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق