أوروبا: كيف مررنا نحن العرب من هنا؟ / محمّد الحدّاد

لم يعد ممكناً الحديث عن تيارات أقصى اليمين في أوروبا كظاهرة هامشية، ولم يعد مستبعداً أن تصل بعض هذه التيارات إلى أعلى مواقع القرار، وربما أن تتولّى شخصيات منها رئاسة حكومات أوروبية في المدى المتوسط.

صحيح أن الانتخابات الأوروبية يقبل عليها عادة الناخبون بشيء من التهاون، ويستعملونها لتوجيه رسائل تحذير للحكام، لأنّ معظم الأوروبيين يظلّون محافظين على الرؤية التقليدية للسياسة التي تجعل المحور والمدار الحكومة الوطنية وليس برلمان ستراسبورغ أو لجان بروكسيل. وصحيح أيضاً أنّ التقدّم التاريخي لأقصى اليمين في الانتخابات الأخيرة لم يصل الى حدّ تغيير المعادلات، فما زالت التيارات التقليدية الداعمة للبناء الاوروبي محتفظة بالغالبية. لكنّ التوقف عند هذا المستوى من التحليل مغالطة ومحاولة لتخفيف وقع الفاجعة. وإنها لفاجعة حقيقةً أن تشهد أوروبا عودة قوية للأفكار القومية المتطرفة وهي التي نكبت بحربين مدمرتين وقرنين من الصراعات القومية، فكانت تبدو الأكثر حصانة حيال هذا السرطان.

ولكن يبدو أن ذاكرات الشعوب قصيرة، وأنّ جزءاً مهمّاً من الجيل الجديد مستعدّ للمغامرة مجدّداً بالمشاعر بسبب انسداد آفاق العمل السياسي من جهة، وآفاق الاندماج الاجتماعي من جهة أخرى، وآفاق الرؤية الحضارية من جهة ثالثة.

فأوروبا ابتدعت بعد الحرب العالمية الثانية أفقاً جذاباً حماها من العنف والحرب، واعتقد كثيرون من الروّاد آنذاك، وفي مقدمهم الفرنسي شارل ديغول والألماني كونراد أديناور، أنّ أفضل طريقة لمعالجة التنازع على الحدود هي التخلص منها. فبدل التخاصم على إقليم هنا وقطاع هناك، يصبح متاحاً امام كلّ أوروبي التنقل بحرية في الفضاء الأوروبي العابر للحدود الوطنية، سواء للعمل او السياحة أو الاستثمار، فتضمر مشاعر العدوانية ويقوى التعاون ويعمّ الازدهار.

ولكن بعد سبعين سنة على نهاية الحرب، يبدو أن جزءاً من الجيل الجديد الذي لم يعِش ويلاتها لم يعد منجذباً إلى هذه النظرية، بل بالعكس، أصبح يرى أنه ضحيتها. والحلّ «الجذاب» لديه هو العودة إلى الحدود كما رسمها الأجداد، ناسياً ما تسببت فيه من مآسٍ، وما يتسبب فيه الانغلاق القومي عموماً من مشاكل في العالم كله.

ما هو جدير بالتأكيد أنّ أقصى اليمين لم يعد حركات تستهوي أصحاب الحنين القومي من جيل العجائز. فالانتخابات الأخيرة أبرزت أنه اصبح مشروعاً يحمله الشباب. والسؤال المطروح: ما الذي يدفع الشاب الأوروبي إلى هذا النوع من التمرّد على أحلام الآباء المؤسسين؟

ثمة أسباب متشابكة. فالأزمة الاقتصادية الاوروبية هيكلية وأدت إلى تراجع هائل في مستوى عيش الجيل الحالي مقارنة بجيل ما بعد الحرب. حظي جيل الآباء بامتيازات واسعة: عمل شبه مضمون، تغطية صحية سخية، إعانات اجتماعية، تقاعد مريح، ثم إنه الجيل الذي عايش ثورة العطلات الخالصة الأجر والسياحة الشعبية، فأين هذا من ضائقة شباب اليوم؟ وكيف لا يسقط فريسة سهلة للأطروحة القائلة إنّ فتح الحدود الأوروبية هو الذي حرمه كلّ تلك الامتيازات؟

وإلى الاقتصاد، تعاني غالبية البلدان الاوروبية ضعف الطبقة السياسية الجديدة، فهي متكونة إما من شخصيات هرمة لم تعد تستهوي بخطاباتها الشبابَ، أو من جيل ما يدعى الشباب الذئاب الذي يعطي صورة مقرفة عن السياسة لا تشبع نهم الشباب للقيم العليا والحلم بالمستقبل. ولعلّ آخر مثال جاء من فرنسا مع فضيحة تمويل الحملة الانتخابية للرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وثمة بعد ثالث يتعفّف المراقبون الأوروبيون عن التأكيد عليه ويترفعون عن الحديث فيه، وهو تأثير الأوضاع العربية في تشكيل الرأي العام الأوروبي. ونكتفي هنا بحقيقتين لا لبس فيهما:

أولاً، خاض الناخب الفرنسي الانتخابات الأوروبية الأخيرة على وقع انفجار فضيحة التمويلات المشبوهة لحملة انتخابية سابقة، وتورط جون فرنسوا كوبيه رئيس الحزب اليميني الرئيسي («الاتحاد من أجل حركة شعبية») ومدير حملة المرشح والرئيس السابق ساركوزي، واضطر كوبيه للاستقالة بعد المعلومات التي كشفتها صحيفة «لوبوان» الفرنسية، ومنها الاشتباه في وجود تحويل مالي قطري ضخم (4 بلايين يورو) استعمل لتمويل الحملة الرئاسية الفاشـــــلة لعام 2012. وللـــتذكير، فحملة ساركوزي (الناجحة) عام 2007 ارتبطت بها أيضاً شبهة الاستفادة من تحويلات مالية غير مشروعة من العقيد معمر القذافي. وليس مصادفة ان الناخب الفرنسي كان الأكثر تعبيراً عن قرفه من الفساد السياسي بإقباله، أكثر من نظرائه الأوروبيين، على التصويت لأقصى اليمين («الجبهة القومية»، التي حصلت على ربع أصوات الناخبين وتقدمت على الحزبين التقليديين اليميني والاشتراكي).

ثانياً، الرأي العام الأوروبي عامة، وهو القريب جغرافياً من منطقة الثورات العربية، تأثر بصمت بالأحداث المحيطة به، وما فتئ خوفه يتعاظم من آثار غياب الاستقرار وشبح الهجرات المكثفة والإرهاب والحروب الأهلية. ومما يحزّ في النفس أنّ هذه الصورة التي انتشرت اليوم بهذا الشكل السلبي والمسيء الى صورة العرب كانت على النقيض تماماً في بداية الربيع العربي عام 2011. فآنذاك كان الأوروبيون متعاطفين ومعجبين، بل مبهورين احياناً، بالاحتجاجات الاجتماعية للشباب العربي، وظهرت في العديد من المدن الأوروبية حركة «المستائين» تستوحي من الشباب العربي بطولاته. لكن الانحرافات المتـــعاقبة للثــــورات العربية واستحواذ الإسلام السياسي من جهة وتنظيمات الإرهاب من جهة أخرى على المشهد السياسي والأمني، سرعان ما غيّرت المعطيات. وكان كثيرون يأملون بأن تقبر الثورات العربية نظرية صدام الحضارات بأن تثبت انّ الإنسان في الغرب، كما في الشرق، له التطلعات ذاتها الى الحرية والعدالة. لكن ما حصل بعد ذلك كأنه جاء يعطي الحقّ لصموئيل هنتغنتون عندما قال في كتابه المشهور، أنّ الديموقراطية لا تنجح خارج المجتمعات الغربية. وبالتأكيد، استفادت تيارات أقصى اليمين استفادة بالغة من تنامي الخوف لدى الأوروبيين ودفعت كثيرين منهم إلى المطالبة بإغلاق الحدود اتقاءً لشرّ الأخطار المحدقة.

هكذا كانت أوروبا ضحية اخرى من ضحايا انحرافات الربيع العربي المغدور، وسيدفع المهاجرون العرب والمسلمون ثمناً باهظاً لهذا التحوّل في العقليات.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق