دفاعاً عن الياس خوري وعن عقولنا.. / ماجد كيالي

مثلما لم تشفع لمحمود درويش أشعاره، ومواقفه، وحياته، التي كرّسها لشعبه وقضيته، اتّهامه مرّة بـ»التطبيع»، بسبب تلبيته دعوة لإقامة ندوة شعرية في حيفا (2007)، أي في بلده وبين أبناء شعبه، لم تشفع للياس خوري، عند البعض، رواياته ومواقفه وسيرته الشخصية، التي كرّسها لقضية فلسطين، فألقيت عليه ذات التهمة لمجرد حوار، نشرته «هآرتس»، ضمّه ويهودا شنهاف «اليهودي العربي»، بحسب تعريفه لوضعه، لمناسبة ترجمة روايته «الوجوه البيضاء» للعبرية.

في هذا الحوار لم يقم صاحب «باب الشمس» بأي فعل تطبيعي، ولم يقدم أي تنازل، لإسرائيل أو لإدعاءاتها، بل إنه تحدث عن لا شرعيتها/ وأوهامها عن ذاتها، وسيرها عكس عجلة التاريخ، وضرورة مقاطعتها كدولة وكمؤسسات، وعن المشروع التحرري الفلسطيني، وعن درويش وكنفاني. وكان واضحاً في قوله: «الإسرائيليون ليسوا معنيين بالسلام أبداً وعملية السلام هي خيال. إسرائيل تمر بتلك الظاهرة التي نراها في المنطقة وهي التطرف الديني..» ووفق كلامه، فإن «النكبة. عملية مستمرة. حتى الآن. الفلسطينيون الذين يعيشون في إسرائيل وتسمونهم عرب إسرائيل..الإسرائيليين لا يحبون اسمهم. لم يأخذوا أرضهم فقط وإنما أخذوا إسمهم أيضاً». وبالنسبة له «على الإسرائيليين أن يشعروا بالهزيمة. المجتمع الإسرائيلي لديه إحساس أنه لن يُهزم، وهذا نوع من جنون القوة. إن لم يفهم الإسرائيليون أنه من الممكن هزيمتهم فلن يتغيروا». أما عن موافقته على الحوار وترجمة كتابه إلى العبرية فقد أجاب: «أنا مع المقاطعة، ولكنني لا أقاطع الأفراد أو الصحف. نحن نقاطع المؤسسات «.

على ذلك، ليس ثمة في هذا الكلام أي تطبيع مع إسرائيل ولا مع مؤسساتها أو ادعاءاتها، ما يعني أن القصة تتعلق بمجرد نشر المقابلة في صحيفة إسرائيلية، وهو أمر غير مقنع، وينمّ عن تسرّع، وعن روح اتهامية يتوخّى البعض منها خدمة مآرب أخرى، ضمنها استخدام القضية الفلسطينية لأغراض الاستهلاك والابتزاز والتلاعب.

القصد هنا أن إسرائيل هي الطرف الخاسر من نشر هكذا حوار، وأنها من المفترض أن تكون هي المعنيّة بمنع نشره؛ هذا أولاً. ثانياً، إن عملية النشر هي دلالة على قدرة الأدب العربي على التأثير في وعي قطاعات من الإسرائيليين، وهو اعتراف منهم بحيوية الثقافة العربية، وتفوقها. ثالثاً، إن الصراع على الوعي الإسرائيلي، هو جزء من المعركة على تغيير الإسرائيليين وتحريرهم من الإدعاءات الصهيونية، وهي معركة ينبغي ولوجها لاستثمار التناقضات بين الإسرائيليين. ومعلوم أن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت، منذ البدايات، طرحت في استراتيجيتها تحرير اليهود من الصهيونية، وفتح المسارات التي تمكن من الوصول إلى حل يتأسس على إقامة دولة واحدة ديمقراطية ـ علمانية في أرض فلسطين الكاملة، ما يفترض السعي لإقامة مشتركات معهم تخدم هذا الهدف.

أما في نقاش فكرة «التطبيع» فهي كما بينت في مادة سابقة هنا (2/2/2014) تنطوي على تناقض عند أصحابها، إذ لا يمكن اعتبار إسرائيل دولة عنصرية، ودولة «غيتو» في المنطقة، وإشاعة الانطباع، في الوقت نفسه، بأنها تقبل التطبيع (أي التطبيع المجتمعي ـ أفراد لأفراد) لأن العنصرية، و»الغيتو» يتأسسان على الانغلاق، وعدم قبول الأخر، والاستعلاء والهيمنة، لا على الانفتاح والقبول والتواصل.

ويستنتج من ذلك أن إسرائيل التي تأسست بالحرب والقوة، كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية، والتي ترفض تحديد حدودها البشرية والجغرافية، وتعتبر نفسها جزءا من الغرب (لا من الشرق الأوسط)، ترفض التطبيع حتى مع فلسطينيي 48 بقوانينها العنصرية، ومع فلسطينيي 67، بدليل إقامتها الجدار للفصل بينهم وبين اليهود، وبرفضها عرض الملوك والرؤساء العرب: «السلام مقابل التطبيع»، في قمة بيروت (2002).

ويبدو من ذلك أن إسرائيل تتخوّف من التسوية والتطبيع، خشية فقدان طبيعتها واسثنائيتها وتمايزها في هذه المنطقة، وتحسباً من تحولها إلى دولة عادية، ما قد ينجم عنه تصدع أيديولوجيتها الصهيونية، وبداية العد العكسي لتفكّكها كدولة وكمجتمع.

بيد أن خشية إسرائيل من التسوية والتطبيع، لا يعني أنها ترفضهما كلية، وإنما هذا يعني أنها تريد تسوية وتطبيعاً يعترفان بحقها في الوجود، وليس بوجودها فقط، والتسليم بروايتها عن تاريخ المنطقة وجغرافيتها، وإقامة علاقات طبيعية بينها كدولة وبين الدول العربية، في مجالات الدبلوماسية والأمن والاقتصاد والبني التحتية.

هكذا فإن المطلوب تحديد مفهوم التطبيع، بشكل واضح، إذ لا يمكن خوض معركة على أساس كلام عام، ضبابي، وغير مفهوم، وتالياً مطلوب التمييز بين إسرائيل ومؤسساتها السياسية والأيديولوجية والأمنية والاقتصادية، وبين المجتمع الإسرائيلي، لاسيما القطاعات التي تتعاطف مع حقوق الفلسطينيين، والتي تجد نفسها في موقع التناقض مع الطابع الاستعماري والعنصري للدولة الإسرائيلية. فبينما ينبغي تعزيز الجهود لمقاطعة إسرائيل، ومؤسساتها، ونزع الشرعية عنها، ينبغي خلق أشكال التواصل لمخاطبة المجتمع الإسرائيلي، وإيجاد المشتركات معه، بما يخدم المشروع الوطني الفلسطيني.

وفي الواقع لا توجد حركة وطنية تقاتل المستعمر لم تشتغل على مجتمعه، بكافة الأشكال، لمفاقمة تناقضاته واستثمارها، ولتوسيع دائرة المتعاطفين معها، كما حصل في مجتمع البيض في جنوب افريقيا. ومن الناحية العملية فإن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تعمل في هذا الاتجاه بالطريقة الملائمة، وبالجهود المناسبة، بسبب سيادة الروح الشعاراتية، وطغيان البعد العسكري في عمل المقاومة الفلسطنيية وخطاباتها السياسية.

قصارى القول، ثمة استسهال في الحديث عن التطبيع عند البعض، وتعمّد في تسطيح هذا المفهوم، وعدم تعيينه أو تحديده، لأغراض التلاعب والاستخدام (وهو ما حصل أيضاً في موضوع الصحافية حنين غدار، وفي زيارة البطرك بشارة الراعي للأراضي المحتلة). أيضاً، ثمة من يستخدم هذا التعميم من قبيل الابتزاز والاستهلاك، وللتغطية على ارتكابات سياسية خطيرة. فهذه المدرسة تعتبر النظام السوري نظام مقاومة وممانعة، وتغطّي على حقيقة حزب الله كحزب طائفي ـ مذهبي، وعلى تبعيته للسياسة الخارجية الإيرانية، ومشاركته في قتل السوريين. وهذه المدرسة هي سليلة الديماغوجية السياسية، القائمة على الانفصام بين الأقوال والأفعال، والشكل والمضمون، وخلط المفاهيم، والتي أسستها الأنظمة الاستبدادية العقائدية، التي استخدمت القضايا الكبرى لترسيخ شرعيتها، وتغطية تلاعباتها، فيما هي تسلب مواطنيها حقوقهم وتقيّد حرياتهم وتمتهن كراماتهم.

إذا ضد التطبيع مع إسرائيل ومع مقاطعتها ونزع الشرعية عنها، ولكن مع مزيد من العمل للتأثير في المجتمع الإسرائيلي، والتعاطي مع قضية فلسطين باعتبارها جزءا من قضية قضية الحرية والكرامة والعدالة، وليست مجرّد مطية لتلاعبات وابتزازات الأنظمة الاستبدادية.

عن ملحق نوافذ جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق