“في الهُنا” لطالب الرفاعي.. المرأة تغيِّر العالم / إيمان حميدان

في روايته الجديدة “في الهُنا” يبدو الروائي الكويتي طالب الرفاعي وكأنه يكمل مشوار روايته السابقة “سمر كلمات” بتصوير واقع المرأة وقوّتها كفرد وكذات وهشاشتها في آن معا حين ترتطم بواقع مرير تتحكم فيه التقاليد بكل ما يتعلق بمفاصل الحياة الشخصية من زواج وحرية سكن وطلاق. يستمر في تعرية وضع المرأة العربية ضمن قوانين ما عادت تليق بعصرنا الحالي ويرسم ذلك التناقض الحاد بين الحرية الفردية التي تعبّر عنها الشخصيات النسائية كل لحظة، وبين القيود الاجتماعية والعائلية التي تضيق الخناق على تلك الحرية. كوثر بطلة الرواية تعكس تلك الحرية الفردية وتلك الإرادة الأنثوية الطاغية. شخصية تغرّد خارج سرب السجن الاجتماعي الكبير الذي تعيش فيه الأخت والأم والجدة والصديقة وزميلة العمل. تحدٍ كبير يقف في وجه إرادتها وفي وجه بقية نساء روايات الرفاعي. تحدٍ تجد كل واحدة منهن نفسها وحيدة امامه إلا أن ارادة المرأة أقوى من أي شيء. أقوى من تخلي الأهل وحسابات الشقيقات الضيّقة والإحراج الذي يغرقن فيه امام ازواجهن والجبن الذي يسيّر حيواتهن نحو اللاشيء… نحو خسارة الذات مقابل رضى المجتمع المستنقع. وحدها كوثر تريد تقرير مصيرها. لا العائلة ولا حتى الأب الوطني الليبيرالي المثقف الذي خذلها هو الاخر في لحظة مفصلية من حياتها.

لا يظهر الرفاعي علاقة المرأة بالرجل فحسب بل علاقة المرأة بالمرأة ايضا. هناك دائما النساء اللواتي يحافظن على التقاليد ويعدن انتاج الفكر الذكوري. انها الام التي تهدد الابنة كوثر بإعلام عمّها إن هي خرجت من البيت للسكن وحدها. الأمهات يسعين وراء ضبط بناتهن خوفاً على سمعة قد تطالهن أيضا. كذلك الشقيقات اللواتي بدون مرتبكات امام جرأة شقيقتهن وجهرها بحقها في السكن وحدها في بيت خاص تود شراءه.

شبكة التناقضات الممتدة على صفحات الرواية الـ176 تبرز بطلة الرواية كوثر، امرأة ذكية تعمل، وتسكن وحدها في شقة تملكها رغم عدم زواجها بعد. تعيش تناقضات امرأة كويتية ما زالت من دون زواج وسط مجتمع للأمومة والزواج فيه دورهما الكبير. رغم ذلك تحاول أن تمشي بين ألغام القيم التقليدية وبين احتياجاتها كامرأة “فرد” عصرية وحرة. إنه جهد يومي صعب يستنزف المرأة ليس في الكويت فحسب بل في أي بلد عربي أخر. لا تختلف كوثر في استقلاليتها عن بطلات طالب الرفاعي المميزات في أعماله، وتحديدا عن سمر في روايته السابقة “سمر كلمات”. منذ الصفخات الاولى يقدم الروائي لنا كوثر امرأة مبادرة وتعرف ماذا تريد، تعمل موظفة بنك، ومديرة للحسابات الشخصية للاستاذ مشاري المسؤول الحكومي المعروف. تعجب به وتتعمد لقاءه بحجة الطلب منه التوقيع على استمارة خاصة تتعلق بحساباته المصرفية. هكذا بدأت علاقة سرية بين رجل متزوج وله أطفال وامرأة عازب تنتمي الى الطائفة الشيعية.

الشخصية الأساسية في روايات الرفاعي لا تبادر فحسب بل تباغت، تدهش وتلفت النظر بمواقف تتخذها من دون أن يدري بها أحد ولا حتى القارئ الذي لا يتوقعها. أعادت كوثر في لقائها الاول مع الاستاذ مشاري كل الهدايا التي كان يرسلها اليها في البنك بعد كل صفقة أجرتها له وأربحته.

انا اغنى منك“تقول له وهي تناوله الكيس المملوء بهداياه التي لم تفتحها. من النادر ان تعيد امرأة هدايا لرجل تريده حبيبا لها ولكن الغنى هنا في رواية الرفاعي يحمل كثيرا من المعاني.انه غنى امرأة ثلاثينية تعجب برجل وتريد الزواج والانجاب منه. قرارات حياة اثنين تتخذها امرأة.

عبر شخصية المرأة المبادِرة، التي تفكر تخطط وتنفّذ، يُبرز الرفاعي المشاكل الاجتماعية في الكويت ومشكلة الزواج بين الطوائف، خاصة مع صعود التوتر المذهبي بين السنة والشيعة. يبدو أن صعوبة الحب بين الطوائف ما عاد مقتصرا على لبنان بل إن روايات الرفاعي تشير الى مشكلة مشابهة في الكويت. كوثر الشيعية ستواجه رفضا من عائلتها بسبب رغبتها في الزواج من سني. ازدياد التعنت الطائفي ترافق مع الانقلاب على الثورات واستئثار الاصوليين بمقاليد الحكم في اكثر من بلد عربي. تغيرت ردود فعل الناس ازاء الزواج المختلط فعمّة البطلة إلطاف تزوجت منذ 30 سنة من رجل سني الا ان زواج كوثر في زمننا الحاضر يشهد صعوبة اكثر من تلك التي شهدها زواج العمّة. إنه الزمن يتغير الى الاسوأ.

الروائي والراوية

لم تكن هذه المرأة الأولى التي يختلط الروائي بالراوي مستعملاً اغلب الأحيان اسمه الحقيقي: طالب الرفاعي واسم الزوجة شروق والابنة فاديا. استعمل الروائي التقنية نفسها في روايته السابقة سمر كلمات. إنها لعبة ذكية يقوم بها الروائي موقعا القارئ في مطب السيرة الذاتية الوهمية. يريده الروائي كجزء من اللعبة الروائية الا وهي التأرجح بين الحقيقة والمتخيل، بين الواقع والخيال. وكلما اقترب القارئ من التوهم ان ما يقرأه سيرة ذاتية يذهب الروائي بعيدا في لعبته دافعا القارئ الى الابتعاد عن توهماته والى الشك من جديد. انها تقنية مسلية في التخييل الذاتي اتقنها الرفاعي بمهارة اضافت الى النص السردي نكهة ذاتية خاصة، من دون الوقوع في رتابة السيرة الذاتية. انه هو نفسه طالب الرفاعي المهندس والكاتب الفضولي الذي يلحق بقصص الناس من حوله بشغف يتجاوز هويته وواقعه. كأن الروائي يرعى من مكانه، خارج وداخل الرواية، راويته وشخصياته التي خلقها في نصه. ولا بد ان هذه التقنية تساعد الروائي على قول ما يريد عبر شخصياته النسائية.

يتداخل السرد الروائي بين الراوي او الراوية وبين الروائي الذي نجده في أغلب الأحيان يعطي الكلام لشخصيته النسائية لتسرد حياتها وموقفها من مؤسسة الزواج:”عجيبة ورقة الزواج! بوابة في جدار عال تتسع لمرور شخصين. ما قبلها مرحلة ومشاعر وعالم، وما بعدها شيء أخر.. من كثرة ما سمعت عن المشاكل التي تقع بعد الزواج أتخيل وكأن هذه الورقة نحس على العلاقة بين الرجل والمرأة…“.

صحيح ان الروائي يعطي الكلام للشخصية النسائية كوثر كي تقول ما تريد، كي تؤكد ارادة نسائية انها هي التي طلبت الزواج من العشيق مشاري وانها هي لا الرجل التي تمسك بزمام العلاقة وبمبادرة ستغير حياتها وحياته… لكن الروائي يبدأ الرواية وينهيها. هو من دون شك يملك مفاتيح السرد وحيوات الشخصيات. هو هنا وراء كل كلمة تقولها الراوية خاصة حين تأخذ الراوية مسافة بينها كامرأة تعيش علاقة حب مع رجل متزوج من جهة وبينها كشاهدة على سلوك امرأة تحفظ حقها عبر زواج سري سيشهد عليه رجلان غير كويتيين سائق سيارة وحارس مبنى. لا تعيش الشخصية الرئيسية حياتها فحسب بل تعيد توليفها وتفسيرها وإيضاحها لتكون امرأة ترفض كل انواع الزيجات التي تحدث مثل المسيار والمتعة الى آخره. هنا يطل دور طالب الرفاعي الروائي ليعطي المرأة ابعادا أخرى لسلوكها وحياتها ونظرتها الى نفسها والى العالم، كذلك يضع بين يديها وعيا حادا لواقعها الذي ينكر أبسط حقوقها، ويساعدها على القفز فوق الواقع عبر ابتكار اساليب حياة وانماط تفكير تحفظ لها حقها. ذلك الوعي الذي تعيد كوثر فضله الى الاب، وهي ابنته المفضلة، وليس الى الام اذ تقول”تعلمت من ابي ان العلاقة بين الرجل والمرأة تعني مشاركة الحياة بحلوها ومرها، وليس نومة الفراش التعسة“.

يبدو الزمن الروائي في الحاضر لكنه يأخذنا عبر”الفلاش باك“إلى محطات حياتية لكل من الشخصيات الرئيسية وأهمها كوثر. ويتوزع السرد بين طالب الرفاعي المهندس والكاتب وبين كوثر الشخصية النسائية الأساسية. تسيطر كوثر تارة على النص ليتدخل الرفاعي راويا وروائيا في آن مخاطبا كوثر مكملا قصتها وخوفها يوم زواجها السري من مشاري. سرد يشبه حوارا داخليا بين الرفاعي الشخصية والروائي وبين كوثر التي يبدو سردها أحيانا أشبه برسالة طويلة الى الرجل الذي تحب. تتكثّف لحظات السرد، وتنتقل بين طالب الرفاعي الشخصية في النص وكوثر التي تقدم للقارئ، ذات فجر وهي وحيدة في غرفتها، قصتها كامرأة وكعاشقة. تطل علينا سمر بطلة الرفاعي في روايته السابقة حين نقرأ كلمات كوثر. انه السرد بين المساء والفجر، حيث يدور الكلام في وقت ضائع بين الزمنين وحيث كل شخصية تعود بها ذاكرتها في ذلك الوقت القصير الى سنوات كاملة خلت، فيمتلك القارئ قصصها. ثمة شهرزاد الف ليلة وليلة في شخصيات الرفاعي إلا أن حكاياتها ليس من أجل الحفاظ على حياة ضيقة فحسب بل من اجل تغيير الواقع: واقع المرأة والرجل معا.

نخرج من قراءة في الهُنا بتحيز شديد لكوثر كما تحيّزنا سابقا لسمر في رواية الرفاعي السابقة”سمر كلمات“. تحيز للبعد الانساني في اعمال الرفاعي الذي يقدم المرأة الخليجية مساوية في العمق بالرجل وليست جزءا من ضلعه! يكتب الروائي قصة كوثر لكنه بشكل ما يكتب قصته هو أيضا. يكتب ليس لفضح العلاقات التي تضع المرأة في اسفل سلم المجتمع فحسب، بل ايضا لانتقاد العلاقات المهنية التي تخضع لشروط السلطة والاستزلام والتي يعاني منها الرجل اسوة بالمرأة. في الكتابة وجد طالب الرفاعي مكانا مختلفا ومغايرا له. في الحكاية وجدت كوثر صوتها ونفسها. انه السرد، انها الكتابة. اليست الكتابة هي”خلاص الروح“كما وصفها الروائي في إحدى صفحات كتابه؟

”في الهُنا” رواية طالب الرفاعي 176 صفحة دار الشروق القاهرة 2014

عن ملحق السفير الثقافي
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق