أحمد سعداوي: نحن من يصنع الديكتاتور / عبير يونس

مراقبة الواقع المحيط والبحث في خيوطه وتفاصيله، عبر مسبار الرواية وتشويق فنياتها، تيمة أساس في العمل الأخير للروائي العراقي أحمد سعداوي: «فرانكشتاين في بغداد»، إذ دفعت سمة تميز الرواية بموازاة أجوائها الغريبة التي تستنطق الذات الإنسانية، لجنة تحكيم الدورة السابعة من الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، لاختيارها الرواية الفائزة لعام 2014.

واللافت في تجربة مؤلف العمل: سعداوي، تنوع مناخات وحقول إبداعاته في عوالم الكتابة، فهو لم يقتصر على الكتابة الروائية، بل أصدر مجموعة قصصية وعدداً من الدواوين الشعرية. ويعمل أيضاً في مجال كتابة سيناريو الأفلام الوثائقية. إنه تنوع يعكس قناعته، كما يقول في حواره مع «بيان الكتب»، إن الفنون كلها تنتهي إلى جذور واحدة ومتقاربة.

فتجاربه تلك، حسب قوله «هي التي تمكن الكاتب من أن يلتقط بذور أفكار جديدة ربما لروايات أو قصص». ويؤكد الروائي العراقي في الحوار، أننا عبر تجاربنا المجتمعية، نحن من يسهم في صناعة الديكتاتور. ففي أوقات اليأس والإحباط العام، نندفع إلى صناعة أبطالنا، أو نضفي هالات القداسة على أشخاص نعتقد أنهم مخلصونا.

كيف تلقيت نبأ فوزك في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» (2014)، خلال الحفل الذي أقيم أخيراً في أبوظبي، وما المسؤولية التي شعرت بها بعد هذا الفوز؟

كان خبراً مفرحاً بكل تأكيد. تلقيته بكل سعادة، وهو تقييم وتقدير لي وللرواية الفائزة. وكذلك، من خلالي، هو تقييم وتقدير للأدب الروائي العراقي، وبالذات التيارات الجديدة فيه. والمسؤولية حتماً صارت أكبر حالياً، فحجم الاهتمام المتزايد بالرواية والروائي سيجعل أي كاتب في وضع مماثل، أكثر حرصاً في أعماله المقبلة، وأكثر تأملاً في ما يصدر عنه من أعمال ومواقف.

صراعات روائية

قدم إليك الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، نيكولاي ملادينوف، تهنئة بمناسبة فوزك بالبوكر، وقال «هذا الإنجاز بمنزلة تجسيد لإبداع العقل العراقي عبر التاريخ، لا سيما في هذه الأوقات العصيبة». كيف كان إيقاع عبارته تلك بالنسبة إليك، خاصة أن العراق لا يزال يقدم الكثير من خلال مبدعيه وأنت واحد منهم؟

السيد ملادينوف شخصية محترمة داخل العراق، وتهنئته مؤثرة وبليغة، وهي تعكس انتباه المنظمات الدولية لما يجري في العراق من أحداث، إن كان على الصعيد السياسي والأمني، أو لما يصدر عن الحياة الثقافية في البلد. وهذه التهنئة بالتأكيد تريد جذب انتباه من هم في العراق أو خارجه، إلى حقيقة ما يمثله الأدب العراقي في الوقت الحالي، من أهمية خاصة لبث روح الحياة والتشبث بها، رغم كل ما يجري من أحداث مؤسفة ومحزنة على أرض الواقع.

شرط جوهر

ما الأفكار التي سبقت كتابتك لهذه الرواية، وهل استغرقت وقتاً طويلاً في إنجازها؟

مراقبة الوقائع التي تجري من حولي هي التي صنعت فكرة رواية «فرانكشتاين في بغداد». هناك تفاصيل كثيرة عشتها كفرد داخل مجتمع العاصمة العراقية (بغداد)، وهي المدينة التي شهدت ضغطاً هائلاً من الأحداث الأمنية والسياسية، وكذلك من الصراع الاجتماعي على الأرض على مدى عقد كامل.

لكن التفكير بالموضوعة المقبلة من الوقائع على الأرض ليس هو كل ما يشغل الروائي. هناك قضايا تتعلق بالجنس الأدبي واشتراطاته وسقف الاشتغالات الفنية في الرواية في هذه الأوقات. وربما يستطيع الجميع أن يلتقط موضوعات معينة من الحياة ويكتب عنها، ولكن تبقى المعالجة والرؤية التي ينطلق منها في الفهم والقراءة، والمشغل الفني الخاص بالجنس الأدبي، وطبيعة الخيارات المقترحة فيه، هي الحاسمة في تحديد قيمة ما يقدم من عمل فني.

«الشسمه» شخصيتك المركبة في الرواية. فهل هي الشخصية الخيالية التي يمكن أن تلائم ما تريد أن تطرحه من أفكار لها علاقة بحال المجتمع العراقي؟

«الشسمه» بطلنا ومأزقنا في الوقت نفسه. في أوقات اليأس والإحباط العام نندفع إلى صناعة أبطالنا، أو نضفي هالات القداسة على أشخاص نعتقد أنهم مخلصونا، وحين نفعل ذلك فإننا نسهم في صناعة الديكتاتور أياً كان.

وتاريخنا الشرقي والعربي، والعراقي بالخصوص، حافل بهؤلاء الأبطال الذين يأتون منقذين ومخلصين، من أمثال قادة الثورات من العسكريين، الذين سرعان ما يتحولون إلى أدوات لاستمرار الخراب والأزمات.

«الشسمه» بقدر ما يبدو خيالياً وفنتازياً هو كائن شديد الواقعية، ومتجسد فينا ويتحرك معنا في كل يوم. «الشسمه» هو نحن.

تمايز وخصوصية

كيف ترد على من يقول إنك استندت في العمل إلى نجاح غيرك، ذلك بفعل استخدامك فكرة «فرانكشتاين». وهي تعود إلى رواية المؤلفة البريطانية ماري شيلي، الصادرة عام 1818؟

على العكس. أنا أعطيت معالجة جديدة لأفق القصة العالمية. وهنا الجانب المغري في الرواية. فقصة فرانكشتاين شائعة جداً وتحولت إلى مفردة في الثقافة الشعبية العالمية ..إلا أن «فرانكشتاين في بغداد»، وإضافة إلى تحويلها فرانكشتاين إلى مفتاح لقراءة وضع خاص ومحلي جداً، تقدم معالجة مختلفة وجديدة تماماً، تضيف وتثري هذا الرمز الثقافي. وذلك إلى جانب أن هذا التوظيف يندرج نقدياً، ضمن إطار اشتغالات رواية ما بعد الحداثة، في ترحيل المفردات والرموز، وخلق علاقات تناص بين قضايا محلية وافق عالمي في القراءة.

تنوع أدبي

تكتب الشعر والقصة القصيرة والرواية. ما سبب انغماسك في تنويعات وأطياف هذه البانوراما للتعبير عن ذاتك الإبداعية. وهل تفضل أن تقدم نفسك حالياً، كروائي فقط؟

لدي خبرة في مجالات تعبيرية وفنية عديدة، وأعد ذلك جزءاً مهماً من تجربتي الخاصة، فكل هذه الفنون هي مصادر لإثراء الذائقة وسعة الرؤية، لهذا يجد بعض القراء لمسات واضحة من الفنون المتعددة داخل نصي الروائي.

وعلى المستوى العام، أحب أن أنظر إلى نفسي ضمن إطار حر، ولا أفضل أن أغدو موظفاً داخل غرفة جنس أدبي محدد، برغم حقيقة أن الرواية والاشتغال فيها يأخذان جل وقتي حالياً.

الفنون كلها، من آداب وغيرها، تنتهي إلى جذور واحدة متقاربة، تتعلق بحساسية النظر إلى العالم والحياة، وإلى معضلة الإنسان الوجودية، والاحتفاء بالوجود الزائل نفسه، وغيرها من قضايا تتعلق بفلسفة الفن بشكل عام.

بذور

لديك تجربة في حقل كتابة سيناريو الأفلام الوثائقية. أتستوحي من هذا المجال أفكاراً ربما تبدو غريبة لكتابة رواية جديدة؟

الشيء المهم بالنسبة إليّ في الأفلام الوثائقية والعمل الصحافي بشكل عام، هو ما يوفره من فرصة للاطلاع والتعرف إلى العالم الواقعي. فالصورة المغلوطة التي تترسخ لدى بعضنا، في غالبية الأحيان، أننا نعرف المجتمع الذي نعيش فيه، لأننا نعيش فيه منذ سنوات طويلة، ولكننا نكتشف في لحظة ما، وهم هذا الاعتقاد، فما نعرفه هو ذلك الجزء والجانب الذي نستعمله من حياتنا داخل المدينة التي نعيش فيها، والبشر الذين نتصل بهم.

العمل الصحافي يكسر هذا الوهم، ويقدم فرصة، للإنسان المجتهد، ليتجاوز الحدود الشخصية، ويتعرف إلى الحيوات والأماكن والخبرات والتجارب. وهذه كلها تبقى مع الكاتب، حتى بعد انتهاء العمل الصحافي، وهي الجانب الأهم بالنسبة إلى الروائي.

ومن معين هذه التجارب، يمكن للكاتب أن يلتقط بذور أفكار جديدة، ربما لروايات أو قصص، وربما يتلقى إلهاماً من مشهد معين أو صورة تنطبع في ذهنه أثناء تجواله.

ما مشروعاتك الروائية المقبلة؟

لدي مشروعات عديدة أحضّر لها، وأهمها رواية بعنوان «الرحلة غير المؤكدة والأخيرة»، ورواية أخرى في طور الكتابة الأولية، باسم «نادي الرجال». وهناك كتابان آخران في الشعر والقصة. لكني لا أعرف متى أنتهي منها، ولا أعرف، إلى الوقت الحالي، ما الكتاب المقبل الذي سأصدره، ومتى سيصدر.

يسكن الأمكنة جميعها.. ديدنه الخراب وروحه الانتقام

الثأر والانتقام. ذلك هو محور ما يمارسه الكائن البشري الغريب في رواية أحمد سعداوي، فرانكشتاين، الذي جمعه «هادي العتاك» من بقايا جثث ضحايا التفجيرات في بغداد، في شتاء عام 2005.

والحكاية التي يرويها سعداوي على لسان «العتاك»، بائع عاديات في واحد من أحياء وسط بغداد، تلقى السخرية من قبل زبائن «مقهى عزيز المصري». إذ يضحكون منه، ويرون أنها مثيرة وطريفة، ولكنها غير حقيقية. إلا أن العميد سرور مجيد مسؤول هيئة المتابعة والتعقيب، يرى غير ذلك، فهو مكلف بشكل سري، بملاحقة هذا المجرم الغامض.

نهايات مفاجئة

تتداخل مصائر الشخصيات العديدة، خلال المطاردة المثيرة ضمن العمل، في شوارع بغداد وأحيائها، وتحدث تحولات حاسمة ويكتشف الجميع أنهم يشكلون، بنسبة ما، هذا الكائن الفرانكشتايني، أو يمدونه بأسباب البقاء والنمو، وصولاً إلى النهايات المفاجئة التي لم يتوقعها أحد.

نتبين في الرواية أن سعدواي كان بارعاً في وضع صور مركبة، يجعل القارئ معها يفهم ما يقرأه، وذلك كل حسب رؤيته وتفسيره للأشياء، لكن في حالة من السوداوية التي تتألم مع الواقع الأليم الذي يعيشه العراق. إذ يصف سعداوي فرانشتاكين بغداد، قائلاً: «ظلت صورته تتضخم برغم أنها ليست صورة واحدة، ففي منطقة الصدر كانوا يتحدثون عن كونه وهابياً، أما في حي الأعظمية فإن الروايات تؤكد أنه متطرف شيعي. ا

لحكومة العراقية تصفه بأنه عميل لقوى خارجية، أما الأميركان فقد صرح الناطق باسم الخارجية الأميركية ذات مرة، بأنه رجل واسع الحيلة، يستهدف تقويض المشروع الأميركي في العراق، ولكن ما هذا المشروع يا ترى؟ بالنسبة إلى العميد سرور، فإن مشروعهم هو خلق هذا الكائن بالتحديد، خلق فرانكشتاين وإطلاقه في بغداد»، ليصل إلى القول «إنه موجود معنا في كل مكان».

عن جريدة البيان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق